بعد أيام من احتجاجات واسعة شهدتها مدريد ومدن إسبانية أخرى بسبب تصاعد تكاليف السكن، اختار رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، الذي يتولى رئاسة الحكومة منذ عام 2018، إنهاء حالة الجمود السياسي التي تحاصر حكومته، بإعلان حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة في 29 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

وجاء القرار بعد هزيمة برلمانية كبيرة لحكومة الأقلية، إثر رفض مرسومين تقدمت بهما لمعالجة أزمة الإسكان، في تصويت كشف بصورة واضحة حجم الصعوبات التي تواجه سانشيز في تمرير تشريعاته، بعدما فقد الدعم الذي أتاح له الاستمرار في الحكم عقب انتخابات يوليو/تموز 2023.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 أغنية غامضة ودراجة.. رسائل مبابي تعيد أزماته مع ريال مدريد
* list 2 of 2 ارتفاع الإيجارات في إسبانيا بنسبة 12% رغم الزخم الاقتصادي end of list

وكان التصويت على مرسومي الإسكان نقطة التحول المباشرة التي سبقت قرار حل البرلمان. فقد رفض النواب، الجمعة الماضي، الإجراءات التي اقترحتها الحكومة لمواجهة أزمة تتفاقم منذ سنوات، مع عدم كفاية المعروض من المساكن لتلبية الطلب، وارتفاع الإيجارات وأسعار المنازل.

ولم يأت الرفض من حزب الشعب، أكبر أحزاب المعارضة، وحزب فوكس اليميني فقط، بل انضم إليهما حزب "معا من أجل كتالونيا"، الذي كان من القوى التي ساعدت سانشيز في الحصول على الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة بعد انتخابات 2023، قبل أن يتحول لاحقا إلى صفوف المعارضة.

وأعطى سقوط المرسومين مؤشرا جديدا على محدودية قدرة الحكومة على تنفيذ برنامجها، خصوصا أن أزمة السكن تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا إلحاحا بالنسبة للإسبان، ودفعت إلى احتجاجات واسعة خلال الأيام الأخيرة.

وكانت الأزمة قد تصاعدت قبل نحو 10 أيام بعد طرد امرأة مسنة من منزلها في مدريد، في واقعة تحولت إلى رمز لمشكلة السكن، فيما أدى رفض التدابير الحكومية إلى زيادة غضب المحتجين والتخطيط لتحركات جديدة.

أغلبية شديدة الهشاشة

لا تنفصل أزمة الإسكان عن مأزق أوسع تعيشه حكومة سانشيز، التي لا تمتلك أغلبية برلمانية مستقرة وتعتمد منذ سنوات على تحالفات معقدة بين قوى متباينة سياسيا.

إعلان

ورغم نجاح سانشيز في تشكيل سلسلة من الائتلافات التي ضمت أطرافا من اليسار المتشدد إلى قوى انفصالية، فإن الانقسامات بين شركائه ازدادت خلال ولايته الثالثة، ما حد من قدرة الحكومة على تمرير التشريعات.

وتجلت هذه الأزمة أيضا في إخفاق الحكومة في إقرار موازنة جديدة منذ عام 2023، رغم استمرار الاقتصاد الإسباني في تسجيل أداء قوي.

وأصبح فقدان دعم "معا من أجل كتالونيا" عاملا إضافيا في إضعاف قدرة سانشيز على تأمين الأصوات الضرورية داخل البرلمان، وهو ما ظهر بصورة حاسمة في التصويت الأخير على إجراءات الإسكان.

وبعد الهزيمة، أمضى رئيس الوزراء عطلة نهاية الأسبوع في دراسة الخيارات المتاحة، قبل أن يعلن صباح اليوم الاثنين التوجه مباشرة إلى الناخبين.

مصدر الصورة احتجاجات واسعة في العاصمة الإسبانية مدريد للمطالبة بمعالجة مشكلات الإسكان في 23 سبتمبر/أيلول 2026 (الأوروبية)

البحث عن تفويض

وقد قدم سانشيز قراره باعتباره محاولة للحصول على أغلبية أكثر اتساعا تسمح لحكومته بتنفيذ إصلاحات تعثرت بسبب الانقسام البرلماني.

وقال في خطابه من قصر مونكلوا إن تنفيذ "الإصلاحات العميقة العالقة" يتطلب حشد الطاقات والحصول على "غالبية تقدمية أكبر بكثير"، تمكن الحكومة من تحقيق مكتسبات اجتماعية جديدة ومواصلة سياساتها.

وفي الوقت نفسه، أقر سانشيز بوجود حالة من عدم الرضا بين قطاع من القاعدة الاجتماعية التي دعمت حكومته، واعتراف بارتكاب أخطاء وعدم الوفاء ببعض الوعود الانتخابية.

وبذلك، يبدو قرار الانتخابات المبكرة محاولة لنقل الصراع من برلمان باتت فيه خيارات الحكومة محدودة إلى صناديق الاقتراع، على أمل الحصول على تركيبة برلمانية أكثر قدرة على دعم برنامج سانشيز.

كما سعى رئيس الوزراء إلى وضع الانتخابات في إطار سياسي أوسع، مخاطبا الإسبان بالسؤال عما إذا كانوا يريدون مواصلة السياسات التي يتبناها معسكره أم الانتقال إلى مسار يقوده اليمين واليمين المتشدد.

مصدر الصورة جلسة برلمانية استثنائية للتصويت على مرسوم حكومي بشأن الإسكان في مقر مجلس النواب قبل 3 أيام (الفرنسية)

رهان انتخابي

ويحمل قرار العودة إلى صناديق الاقتراع مخاطر كبيرة بالنسبة إلى سانشيز، في ظل تقدم حزب الشعب اليميني في استطلاعات الرأي، وتراجع الحزب الاشتراكي الذي يتزعمه رئيس الوزراء.

وتشير الاستطلاعات الواردة إلى إمكانية حصول حزب الشعب على عدد من المقاعد يسمح له بتشكيل ائتلاف مع حزب فوكس، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مشاركة اليمين المتشدد في الحكومة المركزية للمرة الأولى منذ عودة الديمقراطية إلى إسبانيا بعد وفاة الجنرال فرانسيسكو فرانكو.

لكن سانشيز سبق أن تمكن من تجاوز أزمات سياسية وانتخابية بدت في أوقات سابقة مهددة لاستمراره، واستطاع رغم عدم حصوله على أغلبية مطلقة، بناء تحالفات أبقته في رئاسة الحكومة منذ 2018.

وجاء قرار سانشيز في ظل تزامن أزمات عدة، أبرزها تصاعد الغضب الشعبي بسبب أزمة السكن وخسارته تصويتا برلمانيا مهما، إلى جانب اتساع الخلافات السياسية التي أضعفت قدرة حكومته على تمرير تشريعاتها.