Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

يكشف المشهد الاقتصادي المتوسطي عن مفارقة لافتة، فالفضاء الذي يضم أكثر من 500 مليون نسمة ويحتضن نحو خُمس حركة الملاحة البحرية العالمية، لا تتجاوز التجارة البينية فيه، وفق تقدير الخبير الاقتصادي محمد صالح فراد، نحو 10 بالمائة من إجمالي المبادلات. ويعكس هذا الرقم ضعف الاندماج مقارنة بتكتلات إقليمية أخرى تتخطى فيها حصة التجارة البينية نسبة 50 بالمائة، كما هو الحال داخل الاتحاد الأوروبي.

ويتفاقم الاختلال عند الانتقال إلى ضفة الجنوب اذ تشير التقديرات المتداولة إلى أن التجارة بين بلدان المغرب العربي لا تتعدى 3 بالمائة من مبادلاتها الخارجية، وهو ما يجعل التكامل الإقليمي من أضعف المستويات عالميا. وتربط دراسات دولية هذا الوضع بكلفة “اللاتكامل” التي تُقدَّر بنقطتين إلى ثلاث نقاط من الناتج المحلي الإجمالي سنويا للدول المعنية.

وتتجلى هيمنة الشمال في بنية المبادلات نفسها، حيث تتجه أغلب صادرات دول الجنوب نحو الاتحاد الأوروبي، فيما تظل الروابط الأفقية بين دول الجنوب محدودة. ويفسّر هذا الاتجاه جزءا من هشاشة المنطقة أمام الصدمات الخارجية.

جهود تونس لتعزيز حضورها الاقتصادي والمالي المتوسطي

تقدّم الأرقام التونسية صورة دقيقة عن هذا الارتباط فقد بلغت صادرات البلاد 63.7 مليار دينار سنة 2025 مقابل 62.1 مليارا سنة 2024، أي بنمو قدره 2.6 بالمائة، بينما ارتفعت الواردات بنسبة 5.5 بالمائة إلى 85.5 مليار دينار، وفق المعهد الوطني للإحصاء. وترتب عن ذلك اتساع العجز التجاري إلى 21.8 مليار دينار مقابل 18.9 مليارا، وتراجع نسبة التغطية إلى 74.5 بالمائة بعد أن كانت 76.6 بالمائة.

وتؤكد المعطيات أن السوق الأوروبية تظل الوجهة الرئيسية، إذ استحوذت على 70.1 بالمائة من الصادرات التونسية خلال الربع الأول من 2025، فيما مثّلت 42.2 بالمائة من الواردات خلال الشهرين الأولين من السنة. وتُظهر هذه النسب عمق الاندماج مع الضفة الشمالية، وفي المقابل محدودية الحضور في أسواق الجوار الجنوبي والشرقي.

وتواصل تونس البناء على رصيد من الاتفاقيات، من بينها اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي الموقّعة سنة 1995، واتفاقية أغادير التي تجمعها بالمغرب ومصر والأردن. كما تستثمر موقعا جغرافيا يضعها على بعد ساعات قليلة من الموانئ الأوروبية الكبرى، إضافة إلى شبكة من المؤسسات المالية وشركات التأمين والهياكل المهنية التي حضرت الملتقى المتوسطي للتجارة الدولية المنعقد بتونس العاصمة. ويرى الخبراء أن هذه المقومات لم تُستثمر بعد بالكامل.

أهمية تطوير الجهود لتعزيز التكامل الاقتصادي

يفرض السياق الدولي المضطرب إعادة النظر في هندسة المبادلات اذ أبرز الخبير أن الأزمات العالمية، وما رافقها من صعوبات في النقل والطاقة والتنقل وسلاسل التزويد، ترفع من قيمة التعامل مع الجوار، لأن القرب الجغرافي يخفّض الكلفة والمخاطر ويمنح المؤسسات معرفة أفضل بمحيطها القريب.

ويشير تطور الميزان التجاري إلى أن الحاجة ملحّة، فالعجز الطاقي وحده بلغ 11.1 مليار دينار سنة 2025، بينما سجل العجز خارج الطاقة 10.7 مليار دينار. ويعني ذلك أن تنويع الشركاء والمصادر لا يمثل خيارا ترفيا، بل أداة لإدارة توازنات خارجية ضاغطة. وقد ارتفعت واردات تونس من التجهيزات بنسبة 14.4 بالمائة ومن مواد الاستهلاك بنسبة 11.7 بالمائة، وهو ما يفتح المجال أمام سلاسل قيمة إقليمية قادرة على توطين جزء من هذه المشتريات.

ويبقى العائق الأبرز، بحسب الطرح ذاته، اختلاف التشريعات وتعقيد الإجراءات من بلد إلى آخر، وهو ما يعطّل المتعاملين ويحدّ من نسق المبادلات. ويقتضي تجاوزه تنسيقا أوثق بين المتعاملين وصانعي القرار، وتبسيطا للإجراءات الجمركية، وسعيا تدريجيا إلى تقارب المعايير والقواعد، بما يشجّع المؤسسات على توسيع نشاطها.

من الملتقيات إلى برامج قابلة للقياس

يتطلب نجاح هذه الدينامية الانتقال من تبادل الآراء إلى التزامات ملموسة. وقد شدد الخبير على ضرورة أن تفضي مثل هذه الملتقيات إلى برامج عمل واقعية وقابلة للتنفيذ، تُقيَّم نتائجها بعد مدة محددة لقياس أثرها على التجارة البينية. ويمكن أن تتحول هذه المقاربة إلى مؤشرات متابعة تتعلق بحصة التجارة البينية وتكلفة العبور وآجال التخليص الجمركي.

ويحمل هذا المسار بعدا ماليا أيضا، إذ يستدعي تطوير آليات التمويل والتأمين على الصادرات وتسهيل المعاملات بالعملات المحلية، بما يخفف الضغط على احتياطات النقد الأجنبي. ويمنح حضور المؤسسات المالية وشركات التأمين في الملتقى مؤشرا إيجابيا على استعداد القطاع لمواكبة هذا التوجه.

يتضح أن الفجوة بين الإمكانات المتاحة والواقع الراهن ليست قدرا اقتصاديا، لكن نتيجة حواجز تنظيمية وإجرائية قابلة للمعالجة. وتمتلك تونس، بموقعها وشبكة اتفاقياتها وقاعدتها التصديرية، أوراقا مهمة لتكون حلقة وصل بين ضفتي المتوسط. ويظل الرهان معلّقا على قدرة الفاعلين على تحويل الأزمات العالمية إلى فرص تعاون، وعلى ترجمة التوصيات إلى سياسات تُقاس بنتائجها.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب