الشركات الصناعية الصينية تسرع استثماراتها في المغرب ـ فما أسبابا ذلك؟
مركز الثقل الجديد للاستثمارات الصناعية الصينية
من وجهة النظر الصينية، لا تقتصر أهمية الرباط على كونها مركزا للاستثمار والتجارة، بل تمثل أيضا بوابة استراتيجية نحو أوروبا وأفريقيا. وتدرك بكين أن نجاحها لا يعتمد فقط على بناء الموانئ والبنية التحتية، وإنما أيضا على إنشاء قواعد صناعية تستطيع الاندماج بسلاسة في الاقتصاد العالمي. ولهذا تركز الاستثمارات الصينية في المغرب على قطاعات ذات قيمة مضافة مرتفعة، اذ تجاوزت قيمة المشاريع الصينية المعلنة في منظومة البطاريات ومكونات السيارات الكهربائية 10 مليارات دولار، مع تمركز رئيسي حول مدينة (طنجة تيك) ومشروع مصنع Gotion العملاق للبطاريات في القنيطرة. ولا تساهم هذه القطاعات في خلق الوظائف فحسب، بل يمكنها أيضا دعم نقل التكنولوجيا ودمج المغرب في صناعات المستقبل.
خمسة عوامل تمنح المغرب الأفضلية
أولا، الاستقرار السياسي والمؤسس اتي. ثانيا، استمرار الإصلاحات الاقتصادية. ثالثا، البنية التحتية المتقدمة، وخصوصا ميناء طنجة المتوسط الذي أصبح مركزا لوجستيا دوليا بالغ الأهمية. رابعا، شبكة اتفاقيات التجارة الحرة التي تمنح المنتجات المغربية إمكانية الوصول إلى أسواق تضم مئات الملايين من المستهلكين. وخامسا، توفر قوة عاملة مؤهلة وتنافسية مقارنة بعدد من الاقتصادات المنافسة. وقد ساعدت هذه العناصر مجتمعة على انتقال المغرب من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الصناعات التقليدية إلى مركز إقليمي متنام للصناعات المتقدمة.
صعود لافت للصين
رغم أن الصين تعد مستثمرا حديثا نسبيا في المغرب مقارنة بالقوى الاستثمارية التقليدية، فإن صعودها كان سريعا بشكل لافت. ففي ظرف أقل من عشر سنوات، ارتفعت التدفقات الاستثمارية الصينية من حوالي 406 ملايين درهم سنة 2015 إلى أكثر من 2.08 مليار درهم في 2024، لتصل تقريبا إلى مستوى ألمانيا ، التي بلغ استثمارها نحو 2.47 مليار درهم، رغم أن هذه الأخيرة تتمتع بحضور صناعي واستثماري راسخ في المغرب منذ عقود. وهذا التطور يبرز السرعة الاستثنائية التي تتوسع بها الصين في السوق المغربية: فبينما بنت فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة مواقعها الاستثمارية على مدى سنوات طويلة، تمكنت الصين خلال فترة قصيرة نسبيا من تقليص الفارق والوصول إلى مستوى قريب من بعض هؤلاء المستثمرين التقليديين، ما يجعلها واحدة من أسرع القوى الاستثمارية الصاعدة في المغرب.
نجاح يواجه تحديات كبيرة
من جانبه، أعرب مفوض التجارة في الاتحاد الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش عن قلقه بشأن عمليات إعادة الشحن أو إعادة التصدير عبر المغرب، مشيرا إلى أن بروكسل ستدقق في مدى الالتزام الحقيقي بقواعد المنشأ قبل دخول السلع إلى السوق الأوروبية الموحدة. تمنح اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب السلع ذات المنشأ المغربي إعفاءات أو تخفيضات جمركية عند دخول السوق الأوروبية، وهي ميزة تسعى الشركات الصينية إلى الاستفادة منها عبر نقل مراحل من عمليات التصنيع إلى الأراضي المغربية. لسنوات، عمل المغرب على ترسيخ موقعه كحلقة وصل بين أوروبا وأفريقيا. لكنه يتحول الآن إلى شيء آخر أيضا: منصة لاستقبال رأس المال الصناعي الصيني الذي يسعى إلى البقاء قريبا من العملاء الأوروبيين، من دون التعرض مباشرة للحواجز الجمركية التي أقامها الاتحاد الأوروبي في مواجهة بكين. ويتسارع هذا التحول بشكل ملحوظ في عام 2026، مدفوعا بتراجع الترابط التجاري بين الولايات المتحدة والصين، وارتفاع الرسوم الأوروبية على السيارات الكهربائية والبطاريات الصينية، إلى جانب الضغوط التي تمارسها بكين نفسها على الشركات لتنويع طرق وأسواق التصدير.
معادلة معقدة
بالنسبة إلى المغرب، تبدو المعادلة أكثر تعقيدا. فمن جهة، تمثل الاستثمارات الصينية فرصة اقتصادية لا ترغب الرباط في خسارتها، ومن جهة أخرى، ترتبط المملكة بعلاقات استراتيجية واقتصادية مهمة مع الولايات المتحدة وكذا الاتحاد الاوروبي. وهنا يبرز السؤال حول قدرة المغرب على المحافظة على التوازن بين الطرفين، وما إذا كان استمرار توسع الاستثمارات الصينية قد يدفع واشنطن وبروكسيل مستقبلا إلى ممارسة ضغوط على الرباط، أو المطالبة بضمانات أكبر بشأن منشأ المنتجات التي تصل إلى السوق أسواقهم.
قلق أمريكي
في ظاهرة تصفها دوائر السياسة الأمريكية بـ"Mexicanization" أو "المكسيكة"، أي احتمالية تحول المغرب إلى منصة لإعادة تصدير المكونات الصينية، تثير واشنطن مخاوف بشأن طرق وصول بعض المنتجات الصينية إلى السوق الأمريكية، لا سيما في ظل الرسوم الجمركية والقيود التي تفرضها الولايات المتحدة على الواردات القادمة من الصين.
يقول الخبير المغربي جهاد ايت سوسان في هذا الصدد:" أعتقد أنه يجب أخذ التحذيرات الأمريكية بجدية، ولكن دون تضخيمها. الرسالة الأمريكية هي أساسا: نحن لا نعترض على الاستثمار الصيني، لكننا نريد أن نتأكد من أن المنتج الصيني الذي يدخل السوق الأمريكية عبر المغرب يستوفي فعلا قواعد المنشأ".
وتتمثل إحدى القضايا المطروحة في احتمال استخدام دول ثالثة وموانئها أو منشآتها الصناعية لإعادة توجيه المنتجات الصينية أو إجراء عمليات تصنيع وتجميع عليها قبل تصديرها إلى أسواق أخرى . ومن هنا تبرز تساؤلات حول موقع المغرب في هذه المعادلة، خصوصا مع تطور بنيته المينائية والصناعية وتزايد اهتمام الشركات الصينية بالاستثمار فيه. ولا تعني هذه المخاوف بالضرورة أن الاستثمارات الصينية نفسها مستهدفة، لكنها تكشف عن حساسية متزايدة لدى واشنطن تجاه توسع الحضور الاقتصادي الصيني عالميا، ومحاولتها منع الالتفاف على القيود والرسوم التي تفرضها على بكين. من جانبه، يظن الخبير سوسان أن الموقف الامريكي مبررا، وارتفاع الاستثمارات الصينية من شأنه أن "يخلق توترا، ولكن ليس بالضرورة مواجهة. فمصدر القلق الأمريكي ليس الاستثمار الصيني في حد ذاته، وإنما احتمال أن يصبح المغرب منصة لإعادة توجيه المنتجات الصينية نحو السوق الأمريكية لتجنب الرسوم الجمركية. وهذا التخوف أصبح أكثر وضوحاً في 2026، مع تشديد واشنطن الرقابة على ما يسمى بـ "الترانزيت التجاري"".
دخول الصين إلى أوروبا من باب المغرب
وأفادت صحيفة فايننشال تايمز بأن مسؤولين معنيين بالسياسة التجارية الألمانية في بروكسل أثاروا داخليا مسألة المغرب، وسط مخاوف من أن يؤدي الالتفاف على التدابير التجارية إلى تشويه المنافسة بالنسبة إلى الشركات الصناعية الأوروبية التي تواجه بالفعل ضغوطا متزايدة من المنافسين الصينيين في الأسواق العالمية عن طريق عملية"إعادة الشحن" (Transshipment) كما وصفها شيفتشوفيتش، في تصريحات للصحيفة.
كما وضعت تحليلات صادرة عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ومركز ستيمسون التطورات في المغرب ضمن سياق أوسع، يتمثل في توجه الشركات الصينية إلى إقامة قواعد تصنيع خارج الصين، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بهدف التحوط من الرسوم الجمركية والقيود التجارية في أسواق التصدير الرئيسية.
لكن المغرب يتميز عن كثير من هذه الدول بسبب عمق علاقاته التجارية مع الاتحاد الأوروبي، وقربه الجغرافي من أوروبا، وامتلاكه بنية صناعية ولوجستية قائمة بالفعل، ما يجعله أحد أكثر الأمثلة تقدما على هذه الاستراتيجية في الجوار الأوروبي. يضيف في هذا الصدد الخبير سوسان أنه: "علينا أولا أن نميز بين الاستثمار الصيني في المغرب وبين الاصطفاف السياسي مع الصين. المغرب لا ينظر إلى الصين باعتبارها بديلا عن الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، وإنما باعتبارها شريكا اقتصاديا إضافيا يمكن أن يساعده على تسريع التصنيع وتنويع شراكاته".
لاعب اقتصادي إقليمي
قضية المغرب قد تكون مجرد مقدمة لنزاع تجاري سيزداد تعقيدا خلال السنوات المقبلة. وفي خضم هذا النزاع، النجاح الحقيقي للمغرب لا يكمن في جذب رأس المال الصيني أو الأوروبي بحد ذاته، وإنما في استخدام المنافسة بين القوى الاقتصادية الكبرى لخدمة مشروعه التنموي الوطني. وإذا تمكنت الرباط من الحفاظ على هذا التوازن، فلن تصبح مجرد ساحة للمنافسة بين الصين وأوروبا، بل يمكن أن تتحول إلى لاعب اقتصادي إقليمي قادر على فرض موقعه داخل معادلات التجارة والصناعة الدولية.
أوراق المغرب القوية للموازنة
التحدي الحقيقي أمام المغرب ليس الاختيار بين الصين وأمريكا وأوروبا. التحدي هو كيف يحول المنافسة بين هذه القوى إلى فرصة للمغرب. ويضيف الخبير ايت سوسان :"المغرب أولا، لديه شراكة استراتيجية عميقة مع الولايات المتحدة، بما في ذلك اتفاقية التجارة الحرة. ثانياً، لديه شراكة اقتصادية وتجارية شديدة الأهمية مع الاتحاد الأوروبي. وثالثاً، المغرب يستطيع أن يقدم نفسه للصين كمنصة صناعية نحو إفريقيا وأوروبا، وليس كمنصة للالتفاف على العقوبات أو الرسوم الأمريكية. وبالتالي، الورقة الأساسية للمغرب هي التنويع دون الانحياز: أن يتعامل مع الصين اقتصادياً، ويحافظ في الوقت نفسه على شراكاته الاستراتيجية مع واشنطن وبروكسل".
فبينما حافظت المملكة على علاقات استراتيجية قوية مع أوروبا والولايات المتحدة، فتحت أبوابها أيضا أمام الاستثمارات القادمة من الصين واليابان ودول الخليج العربي. وقد أسهمت هذه السياسة في خلق بيئة أكثر تنافسية للمستثمرين، وفي الوقت نفسه قللت من الاعتماد على شريك اقتصادي واحد.
و يضيف : "وجب الاستفادة من المعادلة المغربية تجمع بين الموقع الجغرافي، والاستقرار، والبنية التحتية، والموانئ، والمنظومة الصناعية، والطاقات المتجددة، والقدرة على الوصول إلى الأسواق الأوروبية والإفريقية فهي ورقة رابحة تمنح له الأفضلية في المنطقة". يعتبر الخبير أن استقبال استثمارات صينية بهذا الحجم من شانه توفير التمويل، والتكنولوجيا، والخبرة الصناعية، وفرص العمل، ومساعدة المغرب على الانتقال من تصدير المواد الأولية إلى إنتاج مكونات ذات قيمة مضافة أعلى وهو دون شك ما يخدم الأجندات والمصالح الاقتصادية للمملكة وهنا الطريقة واضحة : «تعزيز الشفافية، واحترام قواعد المنشأ، وإثبات أن هناك قيمة مضافة وإنتاجا حقيقيا داخل المغرب، وليس مجرد إعادة تصدير».
فإذا استطاع المغرب خلق هذا التوازن، فإنه لا يصبح ساحة للصراع بين القوى الكبرى، بل يصبح جسرا اقتصاديا بينها، وهو بالضبط الموقع الذي يمكن للمغرب أن يستفيد منه.
الكاتب: وئام المعطاوي