في وقت يتصاعد فيه القلق من الحروب والانهيار المناخي وسباق الذكاء الاصطناعي، تطرح صحيفة تايمز البريطانية سؤالا مثيرا: من سينجو إذا وقعت الكارثة الكبرى؟ وكيف يمكن الاستعداد لها؟
وبينما يبحث العلماء عن أفضل بقعة جغرافية للاختباء، تشير كاتبتان بارزتان -في مقال نشرته صحيفة غارديان البريطانية- إلى إجابة مختلفة تماما: بعض أثرياء العالم لا يخططون للبقاء على الأرض من الأساس، بل للهروب منها.
وفي مقال مطول بعنوان "الفاشيون نهاية الزمان يخططون لهروبهم من عالمنا" تطرح ناعومي كلاين وأسترا تايلور مفهوما جديدا تسميانه "فاشية نهاية العالم" ناقشتاه مطولا في كتاب لهما حول الموضوع ذاته.
وبحسب الكاتبتين، يشير المصطلح إلى تحالف بين قوى من اليمين المتطرف وبعض أباطرة التكنولوجيا، يقوم على تصور مستقبلي تكون فيه الأزمات كارثية إلى حد لا ينجو معه سوى قلة مختارة، وتسعى فيه النخب إلى حماية نفسها من الأزمات أو الهروب منها بدلا من معالجة المشكلات التي تهدد العالم.
ويجسد مؤسس شركة "أمازون" جيف بيزوس هذا التصور برأي الكاتبتين، فهو يسعى عبر مشروع شركته الفضائية "بلو أوريجن" لاستعمار الفضاء ونشر تريليون إنسان في أنحاء النظام الشمسي -على أن تُخصص الأرض للسكن والصناعات الخفيفة- بدعوى أن ذلك سيضمن بقاء البشرية.
وتؤكد الكاتبتان أن هذه الرؤية تقوم على فكرة تجنب القيود البيئية والاقتصادية على الأرض بدلا من معالجة أسبابها.
ويذهب المقال إلى أبعد من ذلك ليشمل نخبة كاملة من رواد التكنولوجيا، ابتداء من الملياردير الأمريكي إيلون ماسك وانشغاله باستعمار الفضاء عبر شركته " سبيس إكس" مما يعكس -بحسب المقال- نظرته إلى الأرض باعتبارها مكانا يمكن تجاوزه بدلا من كونه الموطن الوحيد للبشر.
أما الملياردير بيتر ثيل المستثمر في قطاع التكنولوجيا والمؤسس المشارك لشركة "باي بال" فقد كشف عن اهتمامه بعدد 3 "ملاذات للحرية" (الفضاءين الإلكتروني والخارجي والاستيطان البحري) أي فكرة بناء دول عائمة على منصات نفطية في المحيطات.
ويعكس الجمع بين العناصر الثلاثة -بحسب الكاتبتين- تصورا للحرية يقوم على الابتعاد عن القيود السياسية والجغرافية التي تحكم العالم حاليا. وتنتقد كلاين وتايلور هذه الرؤية لأنها -في قراءتهما- تبحث عن أماكن بديلة للعيش بدلا من معالجة المشكلات التي تجعل الحياة على الأرض أكثر صعوبة.
ويمتد نقد المقال إلى عالم الذكاء الاصطناعي، وبالتحديد للرئيس التنفيذي لشركة " أوبن إيه آي" سام ألتمان الذي قال سابقا إن هناك "هناك مزايا معينة في أن يكون المرء آلة".
وترى الكاتبتان أن هذه النظرة تختزل الذكاء البشري في القدرة الحسابية، وتفتح الباب أمام تصور مستقبلي تصبح فيه الآلات أكثر أهمية من البشر والعلاقات الإنسانية.
ويخلص المقال إلى أن ما يجمع هذه الرؤى هو غياب لافت لأي إحساس بالتقدير والامتنان تجاه الإنسانية وجمال الأرض وثرائها الطبيعي، مقابل انبهار متكرر بالفضاء البارد الخالي من الحياة.
والحل الحقيقي، من وجهة نظرهما، هو تغيير النظام الاقتصادي والسياسي الذي تعتبرانه مسؤولا عن تفاقم الأزمات البيئية والاجتماعية. وهنا تدعوان إلى أن تكون الاستجابة جماعية، وأن تشمل حماية العمال والمهاجرين والبيئة والموارد المشتركة.
مقابل هذا التحليل السياسي، تنقل "تايمز" دراسة علمية جديدة نشرتها مجلة "غلوبال تشالينجز" حول أكثر المناطق قدرة على الصمود أمام 3 سيناريوهات محتملة لنهاية العالم، هي كالتالي:
وخلص الباحثون إلى أن أستراليا تبدو أفضل خيار شامل، بسبب بعدها الجغرافي، ووفرة الطاقة والمعادن لديها، وقدرتها على إنتاج غذاء يفوق احتياجاتها.
أما تسمانيا، الجزيرة الواقعة جنوب أستراليا، فتبدو أكثر جاذبية في سيناريوهات "الشتاء النووي" أو البركاني، إذ تتمتع بإنتاج زراعي مرتفع وتعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة الكهرومائية، التي يمكن أن تستمر حتى مع تراجع ضوء الشمس.
كما برزت دول مثل الأرجنتين والبرازيل ونيوزيلندا وأوروغواي كخيارات جيدة، بفضل استقرارها النسبي، وإنتاجها الزراعي، وبعدها عن كثير من الأهداف العسكرية المحتملة.
لكن الدراسة لا تمنح أي منطقة حصانة كاملة، وتحذر من أن المدن الكبرى قد تتحول سريعا إلى "مصائد للموت" إذا انقطعت عنها إمدادات الغذاء والماء والكهرباء والدواء والوقود.
وبين تحليل سياسي يرى أن أثرياء العالم يخططون للهروب من الأرض بدلا من إصلاحها، ودراسة علمية تحاول تحديد أكثر بقعة أرضية أمانا، تلتقي الرسالتان عند نتيجة واحدة: لا يوجد مكان آمن تماما، والنجاة إذن لا تُقاس بالبعد عن الخطر، بل قدرة المجتمعات على التماسك ومواجهة الأزمات معا بدلا من الفرار.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة