في مساء يوم الثلاثاء (23 يونيو/حزيران 2026) توقفت جميع خدمات السكك الحديدية الألمانية فجأة وذلك إثر حدوث عطل أثناء عملية صيانة دورية لنظام الاتصالات اللاسلكية القديم الخاص بالسكك الحديدية. ولأن مراكز التحكم وسائقي القاطرات لم يعودوا قادرين على التواصل فيما بينهم، تمّ إيقاف حركة القطارات بالكامل فتقطعت السبل بآلاف الركاب خلال الليل.
ما زاد الطين بلة، درجات الحرارة القاسية التي تشهدها البلاد حاليا والتي تجاوزت في بعض المناطق الأربعين درجة مائوية لتصبح القضبان والمفارق عرضة للأعطال. وكتدبير احترازي عرضت شركة السكك الحديدية الألمانية لعملائها إمكانية إعادة التذاكر المشتراة لرحلات 30 يونيو/ حزيران مجانا. وكل هذه المشاكل ما هي سوى غيض من فيض.
"تواجه شركة السكك الحديدية الألمانية أكبر أزمة لها منذ ثلاثة عقود"، هكذا لخص ريتشارد لوتز، الرئيس التنفيذي السابق وضع الشركة في برلين في مارس/ آذار من عام 2025. "نحن بعيدون كل البعد في مجالات أساسية عمّا خططنا له وعما يتوقعه عملاؤنا منا".
حين صرح لوتز بذلك كان معدل التأخير في حركة القطارات بعيدة المسافات تبلغ 62 في المائة. وخلال عام 2025 انخفضت هذه النسبة إلى 60 في المائة وهي إحصائية مُجمَّلة أصلا، لأنه عندما يتم إلغاء رحلة قطار وهو ما يحدث في كثير من الأحيان لا يتم إضافة ذلك إلى الإحصائية. كذلك الحال بالنسبة للقطارات التي تنهي رحلتها قبل الأوان وقبل الوصول إلى محطة الوجهة. كما أنه لا يتم الحديث عن تأخير إلا حين يحتاج القطار إلى ست دقائق إضافية وما فوق للوصول إلى وجهته الأخيرة.
ريتشارد لوتز غادر منصبه كرئيس مجلس إدارة شركة السكك الحديدية وحلّت محله إيفلين بالا في أكتوبر / تشرين الأول 2025 . ومنذ ذلك الحين، لم تعد الأخيرة تعاني من تحديات ورثتها عن سلفها فحسب بل أضيفت إليها تحديات جديدة و أبرزها مشروع محطة "شتوتغارت 21" التابع لشركة السكك الحديدية ، الذي تم تمديد موعد انتهاءه للمرة التاسعة بعدما كان مقررا في عام 2019. أما اليوم فيتم الحديث عن عام 2031 بتكاليف إضافية فاقت ضعف ما كان مخططا له بكثير. وفي لجنة النقل بالبرلمان الألماني تحدثت بالا في الـ 24 من يونيو/حزيران عن كابلات تم مدها بشكل خاطئ ونظام إمداد طارئ بالكهرباء غير قابل للترخيص ومشاكل في مجال الرقمنة.
كان مقررا أن تحقق شركة السكك الحديدية معدل دقة في المواعيد يتراوح بين 69 و72 في المائة بحلول عام 2030 و80 في المائة بحلول عام 2035. لكن بالا قالت عقب اجتماع مجلس الإشراف على شركة السكك الحديدية في برلين بأنه يجب أن "نودع الوعود التي لا يمكن تحقيقها" و"المراهنة على الأهداف الواقعية والحقائق".
من المسؤول عن هذه المأساة؟ هل هو لوتز، رئيس مجلس إدارة السكك الحديدية؟ أم أسلافه؟ للبحث عن أسباب سوء الإدارة في السكك الحديدية يتعين علينا العودة بضع عقود إلى الوراء. بعد إعادة توحيد ألمانيا كانت هناك شركتان للسكك الحديدية: شركة جمهورية ألمانيا الاتحادية القديمة، وشركة جمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة. الشركتان معا كانت تعاني من عجز مالي وتمّ دمجهما لتشكيل "السكك الحديدية الألمانية Deutsche Bahn التي ظلت شركة حكومية .
في البداية تمّ ضخ أموال طائلة في خطوط سريعة منفردة كان من المفترض أن تربط بين الشرق والغرب. إلا أن الجزء الأكبر من الشبكة بقي على حالته القديمة. وإلى اليوم لا تزال هناك في ربوع البلاد أجزاء من الخطوط تعود فيها القضبان والمفارق وغرف التحكم إلى القرن التاسع عشر . رغم ذلك كان منتظرا أن تحقق شركة السكك الحديدية أرباحا كشركة خاصة. بل إنه تم التخطيط لطرح أسهمها في البورصة في عام 2008.
من أجل إعادة تنظيم شركة السكك الحديدية وجعلها جذابة للمستثمرين تم تعيين المدير هارتموت ميردورن. وقد فرض إجراءات لخفض التكاليف وركز على العائد. وفقا لهذه الاستراتيجية، قامت الشركة في عهده بتخفيض عدد الموظفين بشكل كبير حتى في المجالات المتعلقة بالسلامة مثل التشغيل والصيانة. كما باعت العقارات والأصول. وألغت الاستثمارات الضرورية في السكك الحديدية ومحطات التحكم والجسور تماما أو خفضتها إلى الحد الأدنى، لأنها كانت ستكلف الكثير على المدى القصير ولم تكن تعد بعائد سريع.
استثمر ميردورن كذلك في قطاع الخدمات اللوجستية الدولية. لكن خطته لم تنجح. فقد حظيت شركة السكك الحديدية الألمانية بتقييم أقل مما كان متوقعا في الأوساط المالية، ثم جاءت الأزمة المالية في عام 2008 لتعصف بخططه ويتم إيقاف عملية الطرح في البورصة. وما تبقى هو شركة مثقلة بالديون بحاجة إلى استثمارات هائلة.
يبلغ طول شبكة السكك الحديدية الألمانية حوالي 33 ألفا و400 كيلومتر. وأجزاء منها متهالكة لدرجة أن الأعطال والتوقف عن العمل أصبح أمرا يوميا. ولم يتمكن رؤساء السكك الحديدية الذين تولوا المنصب بعد ميدورن من تغيير الوضع كثيرا والسبب ببساطة يعود إلى نقص الميزانية.
ركزت السياسة على السيارات وتوسيع البنية التحتية للطرق وتجاهلت شبكة السكك الحديدية . والنتيجة أن الأخيرة باتت بحاجة ملحة إلى التجديد في عملية قد تستغرق سنوات طوال، مع التنويه إلى أن معظم المنشآت لا يمكن استخدامها لأنها غير قابلة للاستخدام الرقمي الذي هو معيار المستقبل.
لا مفر من أعمال الهدم وإعادة البناء في العديد من الأماكن لتنفيذ أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ السكك الحديدية. على ضوء ذلك، تمّ اختيار 40 خطا رئيسيًّا كخطوط لا غنى عنها لتشغيل شبكة عالية الأداء. ومن المقرر أن يصل طول هذه الخطوط إلى حوالي 4200 كيلومتر بحلول عام 2030. التحدي الأبرز يكمن في ضرورة إغلاق كل خط من هذه الخطوط بالكامل ولعدة أشهر مع الحفاظ بالطبع على استمرار حركة القطارات. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال مسارات بديلة طويلة، مما يعني في كثير من الأحيان زيادة في وقت السفر تتراوح بين 60 و90 دقيقة، ما سيعرض شبكة القطارات التي تعاني أصلا من الحمل الزائد لمزيد من الضغوط.
تم الانتهاء بالفعل من أولى المسارات. إنه مسار "رييدبان" وهو الاسم الذي يطلق على مسافة تبلغ 70 كيلومترا، تربط بين فرانكفورت أم ماين ومانهايم. وبلغت التكاليف حوالي 1.5 مليار يورو أي بزيادة قدرها 15 في المائة عن الميزانية المبرمجة. وتم إزالة القضبان والحصى و152 مفترقا و140 كيلومترا من خطوط الكهرباء العلوية وإعادة تركيبها. كما تم تجديد المحطات العشرين الموجودة على طول الخط ونظام الإشارات ووسائل العزل الصوتي. ولهذا الغرض تم إغلاق الخط بالكامل لمدة خمسة أشهر.
بعد تأخير دام ستة أسابيع أعيد فتح خط برلين ـ هامبورغ الذي يبلغ طوله 280 كيلومترا في الـ 14 من يونيو/ حزيران. لكن ذلك كان بشكل محدود حيث يتعين على القطارات السير بسرعة أقل من الممكن، ما سوف يؤدي إلى تأخير من 30 دقيقة. ومن المقرر أن يتم تجديد خط برلين ـ هانوفر اعتبارا من أكتوبر/ تشرين الثاني 2026. وسيتم إغلاقه بالكامل أيضا مما سيؤدي إلى زيادة مدة الرحلة بمعدل يتراوح بين 60 و80 دقيقة.
باتت حالات التأخير وإلغاء الرحلات أمرا مألوفا في ألمانياصورة من: Ardan Fuessmann/Eibner-Pressefoto/picture allianceختاما يمكن القول إن الأوضاع في قطاع السكك الحديدية ستزداد سوءاً قبل أن تتحسن مجددا بعد بضع سنوات. وبالمناسبة من المقرر أن يتم تحديث نظام الاتصالات اللاسلكية للسكك الحديدية الذي كان مسؤولا عن الانقطاع التام قبل ثلاثة أيام، حتى يواكب معيار شبكات الجيل الخامس (5G) بحلول عام 2030، علما أن دول الاتحاد الأوروبي تخلت عن تقنية الجيل الثاني (2G) منذ فترة طويلة.
ويبقى أن نأمل في أن يؤدي تحديث أنظمة الاتصال الداخلية إلى الارتقاء بمستوى قنوات التواصل مع العملاء إلى مستوى أعلى. وفي الوقت الحالي لا يتلقى معظم المسافرين سوى معلومات شحيحة عن حدوث أعطال. ولا تتوفر معلومات كافية حتى في محطات القطار ناهيك عن المسافرين القادمين من الخارج ما لم يكونوا يتحدثون اللغة الألمانية.
أعده للعربية: م.أ.م
المصدر:
DW