آخر الأخبار

الدستور الأمريكي.. كواليس ولادة النص الذي غيّر العالم

شارك

في صيف عام 1776، لم تكن الولايات المتحدة أمة موحدة بل مجرد 13 مستعمرة بريطانية متناثرة على طول المحيط الأطلسي، تتنازعها الهويات المحلية والعملات والتشريعات المختلفة، ولا يجمع بينها سوى الشعور المتزايد بالمرارة تجاه التاج البريطاني الذي يعاملهم كـ "رعايا من الدرجة الثانية".

ورغم أن بنادق الثورة كانت قد بدأت بالاشتعال منذ 14 شهراً في معارك "ليكسينغتون وكونكورد"، فإن فكرة الانفصال التام عن الوطن الأم لم تكن محل إجماع.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 الإعلام الناطق بالألمانية يقرأ مأزق نتنياهو بعد اتفاق إيران
* list 2 of 2 بعد استقالة ستارمر.. 5 مرشحين لرئاسة وزراء بريطانيا end of list

فبينما كان "الوطنيون" يدفعون نحو الخلاص، كان "الوفيون" (الذين شكلوا 20% من السكان) يأملون في سلام ممكن، وهو ما جعل الإعلان يولد من رحم مواجهة شرسة عُدّت تاريخياً "أول حرب أهلية" تخوضها أمريكا التي نبتت بذورها في العنف والانقسام.

مصدر الصورة توماس جيفرسون (مواقع التواصل الاجتماعي)

وفي خضم هذا الجدل السياسي والعسكري، تم تكليف المحامي الفرجيني الشاب توماس جيفرسون (33 عاماً) بصياغة نص يبرر الانفصال عن بريطانيا ويشرح أسبابه للعالم.

وقد كتب جيفرسون المسودة بسرعة، مستلهماً أفكار عصر التنوير وإعلانات الحقوق المحلية، ومؤكداً أنه لم يسع إلى ابتكار أفكار جديدة بقدر ما أراد التعبير عن "العقل الأمريكي" أو "الحالة الذهنية الأمريكية" كما كانت تتبلور آنذاك.

غير أن النص الذي سيصبح لاحقاً الوثيقة المؤسسة للولايات المتحدة لم يخرج إلى النور بصيغته الأولى، بل خضع لعاصفة من التعديلات من أعضاء لجنة الصياغة وداخل أروقة الكونغرس.

وقد كان نصاً لا لبس فيه، يؤكد قرار "المستعمرات المتحدة" بأن تصبح دولاً "حرة ومستقلة"، منفصلة عن "كل ولاء للتاج البريطاني"، بعبارة أخرى، الانفصال عن الوطن الأم.

وقد ناقش الكونغرس هذه الوثيقة بنداً بنداً، وأُدخل عليها عشرات التعديلات، بلغ عددها 86 تعديلاً، بينما حُذف نحو ربع محتواها الأصلي.

مصدر الصورة الكونغرس ناقش هذه الوثيقة بنداً بنداً، وأُدخل عليها عشرات التعديلات(الفرنسية)

وبعد مخاض سياسي وكواليس برلمانية مثيرة شملت سباقاً مع الزمن لإنقاذ الأصوات المتأرجحة، تم إقرار الوثيقة المعدلة وطباعتها، لتتحول لاحقاً إلى بارقة غيرت الفكر السياسي العالمي.

إعلان

فقد صوت الكونغرس على الاستقلال في 2 يوليو/تموز، لتتم المصادقة على الصيغة النهائية للإعلان في 4 يوليو/تموز 1776، ومنذ ذلك الحين أصبح هذا النص رمزاً عالمياً لفكرة الحرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وأسهم في إلهام حركات سياسية وثورات حول العالم.

وفيما يلي أبرز الكواليس والظروف المثيرة التي رافقت كتابة وإقرار هذا النص التاريخي:

أولاً، مفارقة العبودية الصارخة

بينما كان توماس جيفرسون يجلس خلف مكتبه الخشبي يخط الكلمات التي ستصبح أيقونة عالمية للحرية: "إننا نعتبر هذه الحقائق بديهية، وهي أن جميع البشر خُلقوا متساوين"، كان يخدمه في نفس الغرفة خلف ظهره عبده الشاب روبرت هيمينغز البالغ من العمر 19 عاماً.

ويمكن القول إن هذا النص الذي أعلن حرية أمة، كُتب في بيئة كان الاستعباد فيها قانونياً في كل المستعمرات الـ13.

ثانياً، إحباط الكاتب

لم تكن صياغة الوثيقة نزهة أدبية؛ فالكونغرس واللجنة تعاملا مع النص ببراغماتية سياسية حادة، فقاموا ببتر وحذف ربع النص الأصلي (25%) كما أجروا 86 تعديلاً عليه.

هذا التشريح أصاب جيفرسون بإحباط ومرارة شديدين رافقاه حتى وفاته، حيث كان يرى طوال حياته أن أقرانه في البرلمان قد "شوّهوا ومزّقوا" نصّه البليغ، حتى إن الخطاط الذي نسخ الوثيقة لم يحترم طريقة كتابته الخاصة للمصطلحات.

مصدر الصورة بنجامين فرانكلين (أسوشيتد برس)

ثالثاً، خدعة المحامين

في المسودة الأولى، كتب جيفرسون أن حقوق الأفراد "مقدسة"، لكن بنجامين فرانكلين تدخل وشطبها مستبدلاً إياها بكلمة "بديهية" (Self-evident).

ويرى المؤرخون أن هذا التغيير كان بمثابة خدعة محامٍ قديمة لتجنب النقاش، فبإعلانها أن المساواة شيء "بديهي ولا نقاش فيه"، تهربت الولايات الناشئة من مواجهة معضلة وجود نصف مليون عبد أسود على أراضيها في نفس لحظة إعلان الحرية.

رابعاً، السباق المحموم وراء الأصوات

لم يكن التصويت على الاستقلال إجماعياً في البداية، بل رافقته كواليس برلمانية أشبه بأفلام الإثارة، ففي 1 يوليو/تموز، كانت المؤشرات تتجه نحو الفشل، ولكن لإنقاذ الموقف:

غاب أحد أبرز المعارضين وهو جون ديكرسون من بنسلفانيا عمداً ليتيح لولايته التصويت بنعم، كما امتطى النائب المريض سيزار رودني حصانه في رحلة ليلية مجنونة وممطرة من ديلاوير ليتواجد في اللحظات الأخيرة ويقلب تصويت ولايته لصالح الاستقلال.

خامساً، غياب الإجماع

لم يكن موقف نيويورك واضحا في البداية، ولذلك غابت في الديباجة الأولية كلمة بـ"الإجماع"، لكنها انضمت في 9 يوليو/تموز ليصبح عنوان الوثيقة الآن: "الإعلان بالإجماع للولايات المتحدة الأمريكية الثلاث عشرة".

ويمكن القول إن هذه الوثيقة، رغم ما أحاط بها من شد وجذب، تجاوزت ظروف كتابتها المتعجلة وخلافات صانعيها، لتصبح أحد أكثر النصوص تأثيراً في التاريخ الحديث.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا