ليست بيت ياحون مجرد قرية جنوبية في قضاء بنت جبيل، كما أن قلعة الشقيف ليست مجرد موقع أثري فوق وادي السلوقي، ففي القراءة الإسرائيلية الحديثة، يعود الاسمان معا إلى خريطة أعمق وهي خريطة الحزام الأمني، بذاكرته وكمائنه وانسحابه، وبإغراءاته العسكرية التي لا تكف عن ملاحقة صانع القرار في تل أبيب.
ومنذ توسع المواجهة مع حزب الله بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، عادت إسرائيل إلى مفردات كانت تبدو مطوية منذ انسحاب مايو/أيار 2000 وهي "السيطرة العملياتية" و"المجال الأمني"، و"تطهير القرى" و"المناطق المشرفة" و"إبعاد حزب الله عن مستوطنات الشمال".
وبينما تصدّرت قلعة الشقيف العناوين العبرية بصفتها رمزا عسكريا ونفسيا، ظلّت بيت ياحون أقل ضجيجًا، وأكثر دلالة على المستوى الميداني، أي قرية طريق، وذاكرة كمين، ونقطة في شبكة القرى التي تخشى إسرائيل أن تتحول مجددًا إلى حافة أمامية لحزب الله.
يبدأ حضور بيت ياحون في الذاكرة العسكرية الإسرائيلية من كمين 17 فبراير/شباط 1986، ففي أرشيف الجيش الإسرائيلي، وتحديدا في مادة "فرع إيتان" المنشورة عام 2022، ترد القرية بوصفها قريبة من "معبر بيت ياحون" على حدود الحزام الأمني، وهناك نصبت خليتان من حزب الله كمينا لقافلة مموهة تضم جنودا من الجيش الإسرائيلي وجيش لبنان الجنوبي، بينما كانت السيارات تتجه على طريق لبناني نحو تبنين.
ويبقى التفصيل الأهم في الرواية الإسرائيلية أن عناصر حزب الله "اختبؤوا في بيتين يسيطران على الطريق عند مداخل البلدة"، وبهذه العبارة تتجاوز بيت ياحون كونها اسما جغرافيا، وتتحول إلى نموذج مبكر لما سيشغل الجيش الإسرائيلي طوال سنوات، فالبيت المشرف والطريق الضيق، وفقدان الاتصال بين المركبات، ثم كمين قصير يترك أثرا طويلا في الوعي العسكري.
انتهى ذلك الكمين بأسر الجنديين رحاميم الشيخ ويوسف فينك، قبل أن يتضح لاحقًا مقتلهما، لكن الأثر الأبعد للحدث كان تثبيت صورة بيت ياحون في الذاكرة الإسرائيلية كجزء من جغرافيا الحزام وهو المكان الذي تكمن خطورته في قدرته على وصل القرية بالطريق، والطريق بالكمين، والكمين بمعادلة استنزاف أوسع.
لا تمتلك بيت ياحون رمزية الشقيف، ولا حضور بنت جبيل، لكنها تقع داخل شبكة ميدانية حساسة بين بنت جبيل وتبنين وشقرا ومجدل سلم، لذلك تظهر أهميتها الإسرائيلية من وظيفتها لا من اسمها، فهي ليست قلعة حاكمة فوق صخرة، وإنما عقدة قروية ضمن مجال يتيح الحركة والاختفاء والاقتراب من خطوط التماس.
وهذا ما يفسر عودتها إلى بنك الأهداف الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، ففي مارس/آذار 2024 أعلن الجيش الإسرائيلي قصف "بنية إرهابية لحزب الله في منطقة بيت ياحون"، وفي يونيو/حزيران من العام نفسه أعلن قصف "مبان" عسكرية للحزب في بيت ياحون وصديقين، ولا تكشف هذه البيانات طبيعة الأهداف بالتفصيل، لكنها تكشف أن القرية موجودة في خرائط الجيش كجزء من بنية حزب الله الجنوبية.
وفي مايو/أيار 2026، منح تقرير أور هيلر في القناة 13 الإسرائيلية معنى حديثًا لهذه الأهمية، فقد نقل أن عنصرين من حزب الله خرجا من بيت ياحون وتقدما حتى نحو 300 متر من الحدود، قبل استهدافهما داخل مقر دخلاه.
وهنا تظهر بيت ياحون في شكلها الأكثر وضوحًا، فهي ليست رمزا إعلاميا، بل قرية تُقرأ إسرائيليًا كمساحة انتقال من عمق حزب الله القروي إلى حافة الحدود، وهذا هو جوهر الخوف الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول أي ألا يعود حزب الله إلى القرى القريبة من الحدود بوصفها بيئة إعداد ورصد وانطلاق.
وعلى عكس بيت ياحون، تحمل قلعة الشقيف/بوفور شحنة رمزية كثيفة في الذاكرة الإسرائيلية، إذ ارتبطت القلعة بحرب لبنان الأولى، وبمعركة غولاني عام 1982، ثم تحولت إلى أحد رموز الوجود الإسرائيلي في الحزام الأمني حتى الانسحاب عام 2000.
لذلك لم يكن إعلان الجيش الإسرائيلي في 31 مايو/أيار 2026 عن عملية واسعة في "رأس البوفور (قلعة الشقيف) ووادي السلوقي" مجرد خبر ميداني.
وتحدث بيان الجيش عن عملية تهدف إلى السيطرة على المجال، وتدمير بنى حزب الله التي أُقيمت بتوجيه إيراني، ومنها، وفق البيان، أدار الحزب القتال ونفذ مخططات كثيرة، كما أشار إلى منصات أطلقت منها مئات الصواريخ باتجاه إسرائيل وقوات الجيش في جنوب لبنان، وبهذا المعنى، صارت الشقيف واجهة إعلامية لعودة إسرائيل إلى المواقع التي خرجت منها قبل 26 عاما.
وأضاف تقرير "كان 11" بعدًا سياسيًا أشد وضوحًا، حين نقل عن وزير الدفاع يسرائيل كاتس قوله إن الجنود سيبقون هناك "كجزء من منطقة الأمن في لبنان" ما يعني أن السيطرة على الشقيف لم تعد فقط مناورة ميدانية، بل عودة معلنة إلى قاموس "منطقة الأمن"، ولو في صيغة جديدة.
وفي ورقة معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي الصادرة في سبتمبر/أيلول 2024 تُطرح معضلة التوغل البري في الشمال بصيغة دقيقة، فالمطلوب، وفق الورقة، هو تطهير المناطق المشرفة على خط الحدود لمنع الرمي المباشر ومضادات الدروع وإحباط احتمال غارات قوة الرضوان، لكن من دون إقامة حزام أمني دائم.
وتقول الورقة إن الحد الأدنى المطلوب عسكريًا هو السيطرة على خط له اتصال نظر مباشر مع مستوطنات الشمال، أو إتاحة إطلاق نار مباشر نحوها، وتطهيرها من بنى حزب الله، وهذه الفكرة تفسر لماذا تصبح قرى مثل بيت ياحون مهمة، ولماذا تتحول مرتفعات مثل الشقيف إلى هدف مركزي، فالأمر لا يتعلق بقرية أو قلعة فقط، بل بإعادة رسم خط أمان بين حزب الله والمستوطنات الإسرائيلية الشمالية.
لكن الورقة نفسها تحذر من الخلط بين عملية محدودة ومنطقة أمنية طويلة الأمد، فهي ترى أن البقاء الطويل داخل لبنان سيضر بالجيش وبالشرعية الدولية والداخلية، وأن تجربة الحزام الأمني القديم لا يمكن استنساخها بسهولة، خاصة في ظل غياب جيش لبنان الجنوبي، وحاجة الجيش الإسرائيلي وحده إلى تحمل عبء السيطرة.
وتكشف دراسة قسم التاريخ في الجيش الإسرائيلي عن "المعركة في الحزام الأمني" المفارقة الأساسية التي تواجه إسرائيل اليوم، فقد أرادت إسرائيل من وجودها داخل لبنان منع التسلل إلى أراضيها، لكن هذا الوجود سهّل على حزب الله ضرب قواتها وجيش لبنان الجنوبي داخل الحزام، ومع بداية التسعينيات، صار حزب الله القوة العسكرية الأبرز في لبنان، مستفيدًا من دعم إيران وسوريا، ومن حاضنة محلية في الجنوب، ومن خبرة متزايدة في العبوات ومضادات الدروع وحرب العصابات.
وبهذا المعنى، يمكن قراءة بيت ياحون والشقيف كاختبار جديد لدرس قديم، وهو أن السيطرة على الأرض قد تمنح إسرائيل أفضلية تكتيكية مؤقتة، لكنها قد تحول القوات الموجودة هناك إلى أهداف ثابتة، وكلما طال البقاء، عاد سؤال الحزام القديم: هل تحمي المنطقة الأمنية الجليل، أم تنقل ساحة الاستنزاف إلى داخل لبنان؟
ويتكرر هذا التحذير في كتابات عيران أورتال، القائد السابق لمركز دَادو للتفكير العسكري، ففي صحيفة إسرائيل هيوم كتب في مارس/آذار 2026 أن إقامة حزام أمني من دون حسم عسكري ستكون عودة إلى خطأ سابق، وأن "مساحات الحاجز الدائمة داخل أرض العدو تفتح الباب لحروب استنزاف غير مرغوبة".
وفي مقال في صحيفة يديعوت أحرونوت أشار أورتال إلى أن الصواريخ بعيدة المدى والمسيّرات ومضادات الدروع تجاوزت منطق الحزام الأمني القديم، وحولت المواقع الإسرائيلية داخل لبنان إلى أهداف محتملة.
وهكذا تلتقي بيت ياحون والشقيف في معنى واحد رغم اختلاف حجمهما الرمزي، فالشقيف هي الذاكرة العالية أي قلعة وعلم وغولاني وانسحاب وعودة أمام الكاميرات، أما بيت ياحون فهي الذاكرة المنخفضة أي طريق وبيتان مشرفان وكمين وقرية واقتراب من الحدود.
والمفارقة أن إسرائيل، وهي تحاول إبعاد حزب الله عن الجليل، تقترب من الجغرافيا التي صنعت صعوده العسكري والسياسي في التسعينيات، فالحزام الأمني القديم لم يكن فقط مساحة عازلة؛ بل كان مدرسة حرب لحزب الله، ومسرحًا لإعادة بناء صورته كقوة مقاومة أجبرت الجيش الإسرائيلي على الانسحاب.
لذلك فإن العودة إلى بيت ياحون والشقيف ليست مجرد عودة إلى الأرض، بل عودة إلى سؤال لم يُحسم منذ عام 2000 وهو هل تستطيع إسرائيل السيطرة على جنوب لبنان من دون أن تمنح حزب الله مسرح الاستنزاف الذي يجيده؟
وتخلص المصادر الإسرائيلية الحديثة إلى أن تل أبيب تريد منع حزب الله من العودة إلى خط تماس يسمح بالرصد والرمي والاقتحام، لكنها تقول أيضًا، في دراسات الجيش ومعهد دراسات الأمن القومي ومركز دَادو وكتابات أورتال، إن الحزام الأمني قد يتحول من أداة حماية إلى مصيدة استنزاف، وبين بيت ياحون والشقيف، تعود إسرائيل إلى جغرافيا تعرفها جيدًا، لكنها لم تثبت بعد أنها تعلمت كيف تخرج منها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة