السؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم ليس لماذا ترد إيران على الضربات الأمريكية، بل لماذا ترد بهذه الطريقة تحديدا؟
ففي كل مرة تتعرض فيها إيران لهجوم أمريكي، يتكرر المشهد نفسه. واشنطن تضرب، لكن الرد الإيراني لا يذهب دائما نحو حاملات الطائرات الأمريكية أو البوارج المنتشرة حولها. بدلا من ذلك، تمتد آثار التصعيد إلى دول الخليج، وإلى الممرات البحرية، وإلى البنية التحتية الاقتصادية التي تشكل عصب الاقتصاد الإقليمي والعالمي.
وهذا النمط ليس وليد الحرب الحالية. فمن حرب الناقلات في ثمانينيات القرن الماضي، إلى استهداف الملاحة في الخليج عام 2019 وما تلاه من ضربات طالت منشآت الطاقة، وصولا إلى ما نشهده اليوم، يتكرر السلوك ذاته عبر أربعة عقود تقريبا، رغم تغير الإدارات في واشنطن وتبدل الظروف في طهران. وحين يتكرر سلوك بهذا الثبات عبر أنظمة وأزمات مختلفة، فإن تفسيره لا يمكن أن يكون ظرفيا أو انفعاليا؛ بل لا بد أن يكون بنيويا، أي نابعا من عقيدة إستراتيجية راسخة لا من ردة فعل لحظية.
التفسير الشائع يقول إن إيران تريد الضغط على الولايات المتحدة عبر مصالحها في المنطقة. لكن هذا التفسير لا يجيب عن سؤال جوهري: لماذا يتكرر استهداف الخليج حتى عندما يكون واضحا أن دول الخليج ليست الطرف الذي اتخذ قرار الهجوم على إيران؟
الجواب ربما يكمن في أن إيران لا تنظر إلى الخليج بالطريقة التي ينظر بها الخليجيون إلى أنفسهم.
ففي الرؤية الإيرانية التقليدية، الخليج ليس مجرد مجموعة دول مستقلة ذات سيادة، بل هو المجال الحيوي الذي يتحدد من خلاله ميزان القوة الإقليمي. ومنذ الثورة الإيرانية، ظل هناك تصور إستراتيجي ثابت مفاده أن أي نظام أمني في الخليج يجب أن يمر عبر طهران، أو يأخذ مصالحها بعين الاعتبار.
من هذا المنطلق، تصبح الضربات التي تطال الخليج أكثر من مجرد ردود عسكرية. إنها محاولة مستمرة لتذكير الجميع بأن أمن الخليج لا يمكن عزله عن العلاقة مع إيران.
وفي أدبيات العلاقات الدولية تمييز جوهري وضعه توماس شيلينغ بين استخدام القوة لتحقيق نصر عسكري، واستخدامها كلغة تفاوض ورسالة سياسية. الضربات الإيرانية على الخليج تنتمي بوضوح إلى الفئة الثانية؛ فهي ليست حربا بالمعنى التقليدي تسعى إلى كسب الأرض أو تدمير الجيوش، بل ما يمكن تسميته دبلوماسية العنف: عنف محسوب هدفه تعديل حسابات الخصوم، لا القضاء على قدراتهم.
بمعنى آخر، عندما تتعرض إيران للضغط، فإنها لا تسأل: كيف أؤذي الولايات المتحدة؟ بل تسأل: كيف أجعل الجميع يشعر أن تجاهل إيران سيجعل المنطقة أقل استقرارا؟
حين يصبح استقرار الخليج مصلحة عالمية مشتركة لا ورقة إقليمية قابلة للتداول، تفقد فكرة الضغط عبر الخليج جدواها من أساسها. وعندها فقط يتحول السؤال من: لماذا تضرب إيران الخليج؟ إلى: لماذا لم يعد بإمكانها ذلك؟
وهنا تظهر نقطة غالبا ما نغفل عنها:
إيران تدرك أنها لا تستطيع هزيمة الولايات المتحدة عسكريا. وتدرك أيضا أن استهداف القطع العسكرية الأمريكية مباشرة يحمل مخاطرة من نوع مختلف: ردا أمريكيا قد يتجاوز الردع إلى تهديد النظام نفسه. أما استهداف البنية الاقتصادية في الخليج، فيبقى في الحسابات الإيرانية تحت عتبة الحرب الشاملة، بينما يحقق أقصى قدر من الضغط. إنها معادلة كلفة وعائد: أقل خطرا على بقاء النظام، وأكثر تأثيرا في الاقتصاد العالمي.
ذلك أن واشنطن ليست اللاعب الوحيد الذي يجب التأثير عليه. فهناك أسواق الطاقة، وشركات التأمين، والمستثمرون، وحكومات العالم، والدول المستوردة للنفط والغاز. وكل هؤلاء يتأثرون بأي اضطراب يصيب الخليج أكثر مما يتأثرون بأي ضربة تقع داخل الأراضي الإيرانية. فارتفاع أسعار الشحن والتأمين البحري وحده كفيل بنقل كلفة الأزمة إلى كل عاصمة في العالم، من دون أن تطلق إيران صاروخا واحدا باتجاه هدف أمريكي.
بالتالي، من منظور إستراتيجي بحت، قد تكون إصابة منشأة خليجية أو تهديد الملاحة أكثر تأثيرا على الاقتصاد العالمي من استهداف قطعة عسكرية أمريكية محدودة.
لكنّ هناك بعدا آخر أكثر أهمية:
إيران لا تحاول فقط رفع كلفة الحرب، بل تحاول منع تشكل واقع إقليمي جديد تكون فيه دول الخليج أكثر استقلالا عنها. فخلال السنوات الماضية شهدت المنطقة تحولات كبيرة؛ تنويع الشراكات الدولية، تعزيز القدرات الدفاعية الخليجية، صعود أدوار إقليمية جديدة في الوساطة والطاقة والاستثمار.
هذه التحولات تثير قلقا إستراتيجيا لدى طهران؛ لأنها تعني أن الخليج قد يتحول تدريجيا من مساحة نفوذ تتأثر بإيران إلى كتلة إقليمية تمتلك هامشا أكبر من الاستقلالية، وتحدد بنفسها شروط أمنها ومستقبلها. خصوصا أن النظام الإيراني اعتمد على مفهوم تصدير الثورة لسنوات لخلق بنية إقليمية هو من يملك القدرة على تشكيلها كونه جزءا من المعادلة.
ومن هنا يمكن فهم جانب من السلوك الإيراني. فالضربات لا تستهدف فقط أهدافا مادية، بل تستهدف فكرة سياسية أعمق: تذكير المنطقة والعالم بأن إيران ما زالت تمتلك القدرة على التأثير في أمن الخليج متى شاءت.
وهذا يقودنا إلى المفارقة الأهم. فعندما تضرب إيران الخليج بعد كل أزمة مع الولايات المتحدة، فإنها ترسل رسالتين في الوقت نفسه:
لهذا السبب تبدو بعض الضربات وكأنها غير منطقية عسكريا، لكنها منطقية جدا سياسيا. فالهدف ليس تحقيق انتصار عسكري، بل منع تشكل بيئة إستراتيجية تشعر فيها إيران بأنها أصبحت أقل تأثيرا في مستقبل المنطقة.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي قد لا يكون لماذا تضرب إيران الخليج؟ السؤال الأهم هو: لماذا ما زالت إيران ترى الخليج جزءا من معادلة أمنها القومي كلما دخلت في أزمة مع الولايات المتحدة؟
الإجابة عن هذا السؤال تكشف أن ما يجري اليوم ليس مجرد ردود فعل على ضربة أمريكية أو أزمة عابرة، بل هو صراع أعمق على تعريف من يملك حق التأثير في أمن الخليج، ومستقبل النظام الإقليمي بأكمله.
ولهذا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في الصواريخ نفسها، بل في الفكرة التي تقف خلفها: فكرة أن أمن دول الخليج يمكن أن يتحول في أي لحظة إلى أداة تفاوض أو ورقة ضغط كلما دخلت إيران في مواجهة مع العالم.
والرد الأنجع على هذه الفكرة لا يكون بالتصعيد المضاد ولا بالاسترضاء، بل بمواصلة ما بدأته دول الخليج فعلا: تحويل نفسها إلى عقدة لا غنى عنها في الاقتصاد العالمي والدبلوماسية الدولية، بحيث يصبح المساس بأمنها مكلفا على الجميع، بما في ذلك إيران نفسها. فحين يصبح استقرار الخليج مصلحة عالمية مشتركة لا ورقة إقليمية قابلة للتداول، تفقد فكرة الضغط عبر الخليج جدواها من أساسها. وعندها فقط يتحول السؤال من: لماذا تضرب إيران الخليج؟ إلى: لماذا لم يعد بإمكانها ذلك؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة