آخر الأخبار

من البرازيل إلى غانا والمكسيك.. الصين تبني عالمها الموازي

شارك

ترسم تطورات العلاقة بين الصين وبعض دول الجنوب ملامح "عالم موازٍ" تبنيه بكين بتؤدة وتنسيق إستراتيجي، يقوم على التجارة والتكامل الصناعي، ورفض الهيمنة والتدخل الخارجي، وعلى خطاب جديد عن السيادة والعدالة في النظام الدولي.

وبينما تنشغل وسائل الإعلام الغربية بصراعات الكبار في الشمال، يتشكّل في الأطراف مسرح مواز تتحرك فيه دول الجنوب من موقع المبادر، فتظهر الصين شريكا اقتصاديا وسياسيا يسعى إلى إعادة تشكيل قواعد اللعبة عبر سلاسل التوريد، واتفاقيات التجارة، ومبادرات الصداقة والمصير المشترك مع دول تمتد من أمريكا اللاتينية إلى أفريقيا.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 قضاء وإعلام وانتخابات.. هل تهتز واشنطن تحت ضغط ترمب؟
* list 2 of 2 صحافة عالمية: سباق مع الزمن لمحاصرة إيبولا والمهاجرون يصعدون بإسبانيا إلى قمة أوروبا end of list

في تغطية لصحيفة هوان تشيو الصينية، يبرز الحوار الإستراتيجي الخامس على مستوى وزراء الخارجية بين الصين والبرازيل في بكين بوصفه آلية اتصال مهمة لتنسيق الأجندات الثنائية والإقليمية والدولية.

مصدر الصورة الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يسار) يلقي خطابًا في قمة مجموعة الـ77+الصين (الصحافة الفرنسية)

شراكة وحدة المصير

ويشدد وزير الخارجية الصيني وانغ يي -وفق الصحيفة- على أن بلاده تقدّر تمسك البرازيل بمبدأ "صين واحدة"، وتدعم برازيليا في الدفاع عن سيادتها واستقلال قرارها، داعيا إلى استخدام آليات التنسيق العليا بين البلدين لتعميق التعاون في البنية التحتية والصناعة والتكنولوجيا والثقافة.

وعلى الجانب البرازيلي، نقلت الصحيفة عن وزير الخارجية ماورو فييرا وصفه للعلاقة مع الصين بأنها "نموذج لاستقلالية الدول النامية وتضامنها"، مؤكدا على أن "الصداقة هي اللون الأساسي" في العلاقة الثنائية، وأن بناء مجتمع مصير مشترك صيني برازيلي يهدف إلى تحقيق عالم أكثر عدلا وكوكب أكثر استدامة.

برازيليا ترى في تعميق التعاون مع الصين طريقا لإطلاق عملية إعادة التصنيع عبر الاستثمار في البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا المتقدمة

بواسطة جوو جي وي

التجارة مركز ثقل العلاقات

وتظهر البيانات التي أوردتها الصحيفة أن التجارة بين الصين والبرازيل بلغت في عام 2025 نحو 170.9 مليار دولار، مسجلة رقما قياسيا للعام العاشر على التوالي، مع فائض لصالح البرازيل يقارب 29 مليار دولار، مما يجعل الصين أكبر شريك تجاري للبرازيل الـ17 على التوالي.

إعلان

ووصف الباحث الصيني في معهد أمريكا اللاتينية التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، جوو جي وي، هذه العلاقات التجارية بأنها "الصندوق الثقيل" الذي يثبّت العلاقة السياسية، مشيرا إلى أن برازيليا ترى في تعميق التعاون مع الصين طريقا لإطلاق عملية إعادة التصنيع عبر الاستثمار في البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا المتقدمة.

ونقل تقرير لصحيفة غلوبال تايمز عن الخبير نفسه قوله "أن التعاون الصيني البرازيلي يقدّم بوصفه نموذجا لتعاون "جنوب جنوب" المختلف كليا عن النمط التقليدي "شمال جنوب"، لأنّه يركّز على التكامل التكنولوجي والتنمية المشتركة، كما يتيح للطرفين الاستفادة المتبادلة من رأس المال والسوق والموارد والتكنولوجيا.

التصدّي للتحديات الخارجية

وربطت صحيفة غلوبال تايمز زيارة فييرا لبكين بسياق أوسع من "تصاعد الحمائية ومحاولات فك الارتباط وتعطيل سلاسل التوريد عالميا"، ونقلت عن متحدثة الخارجية الصينية ماو نينغ أن بكين ترى في هذا الحوار وسيلة "لتعزيز الثقة السياسية، وبناء مجتمع مصير مشترك، وإظهار مسؤولية مشتركة في تعزيز تضامن الجنوب العالمي".

كما أشارت الصحيفة إلى أن هذا اللقاء يأتي قبيل قمة " بريكس"، حيث تزداد أهمية التنسيق بين القوى الصاعدة في مواجهة الضغوط على التعددية وإصلاح نظام الحوكمة العالمية.

وفي هذا السياق، قدم تقرير صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست زاوية إضافية، إذ نقل عن وزير الخارجية الصيني دعوته "للتصدي المشترك للتحديات الخارجية" في إطار الحوار الإستراتيجي، مع التأكيد على أن الشراكة الصينية البرازيلية لم تعد مقتصرة على التجارة، بل امتدت إلى التكنولوجيا والابتكار.

مصدر الصورة الرئيسة المكسيكية كلاوديا شينباوم اتهمت وزارة العدل الأميركية بمحاولة التدخل في الشؤون الداخلية لبلادها (رويترز)

السيادة في مواجهة واشنطن

وأبرزت وكالة الأنباء الصينية (شينخوا) تصريحات رئيسة المكسيك كلوديا شينباوم التي اتهمت فيها وزارة العدل الأميركية بمحاولة التدخل في الشؤون الداخلية لبلادها عبر اتهام 10 مسؤولين حاليين وسابقين بالتورط مع تنظيم " كارتل سينالوا" الإجرامي المكسيكي، وطلب اعتقالهم وتسليمهم للولايات المتحدة.

ونقلت شينخوا تصريحات شينباوم أمام حشد سياسي أن "المكسيك لا تقبل التدخل" وأنها "دولة حرة مستقلة ذات سيادة"، مع تشكيكها في أن يكون الهدف الحقيقي هو مساعدة المكسيك على مكافحة الجريمة، ملمّحة إلى توظيف القضية في سياق الانتخابات النصفية الأميركية لعام 2026 أو محاولة التأثير في الانتخابات النصفية المكسيكية لعام 2027.

ويرتبط ضمنيا هذا الخطاب عن السيادة، ورفض تسييس ملفات الجريمة -في سياق القراءة الصينية- برؤية أوسع ترفض احتكار الولايات المتحدة لخطاب محاربة المخدرات ومحاربة الإرهاب كذريعة للتدخل في شؤون دول أخرى.

توسيع الصين لسياسة الرسوم الجمركية الصفرية لتشمل جميع الدول الأفريقية التي تربطها بها علاقات دبلوماسية تعد سياسة تحولية ومبتكرة للغاية

بواسطة إريك دودو أمو

الرسوم الصفرية للتنمية والتصنيع

ونقلت صحيفة تشاينا ديلي عن إريك دودو أمو، رئيس قسم الشؤون الصينية في وزارة المالية الغانية، وصفه لتوسيع الصين لسياسة الرسوم الجمركية الصفرية لتشمل جميع الدول الأفريقية الـ53 التي تربطها بها علاقات دبلوماسية، بأنها "سياسة تحولية ومبتكرة للغاية".

إعلان

ويرى المسؤول الغاني أن هذا الإجراء سيسهم في تطوير الزراعة والصناعات الزراعية والخفيفة في أفريقيا، وأنه يفتح المجال أمام انتقال القارة من تصدير المواد الخام إلى بناء سلاسل قيمة محلية، بدعوة المستثمرين الصينيين إلى إقامة صناعات تحويلية داخل البلدان الأفريقية نفسها.

ويضيف إريك أن هذه السياسة تمنح الدول الأفريقية فرصة حقيقية "للتنمية والتصنيع"، لأنها لا تقتصر على فتح السوق الصينية -حسب اعتقاده- وإنما تشجّع على استقدام التكنولوجيا والاستثمار الصناعي بما يسمح بتوسيع حلقات القيمة المضافة داخل أفريقيا بدل استمرار "نزيف المواد الخام" إلى الخارج.

مصدر الصورة تتشكل لوحة لعالم موازٍ تعمل الصين على بنائه مع دول الجنوب (أسوشيتد برس)

سيادة الجنوب والشبكة الموازية

في قراءة متقاطعة لتقارير الصحافة الصينية، تتشكل لوحة لعالم موازٍ، تعمل الصين على بنائه مع دول الجنوب عبر ثلاث مستويات متداخلة: شراكات إستراتيجية، وأدوات اقتصادية وتجارية، وخطاب سيادة ومناهضة للتدخل.

ولا يقوم هذا العالم على القطيعة الكاملة مع النظام الغربي، لكنه يسعى إلى إعادة التوازن داخله عبر ترسيخ بدائل في التمويل والتجارة وسلاسل التوريد والحوكمة الدولية، مستندا إلى لغة الجنوب العالمي والمصير المشترك بدل التحالفات والمعسكرات.

في هذا المسار، تتحول البرازيل إلى شريك محوري في أمريكا اللاتينية، وغانا إلى نموذج لأفريقيا التي تبحث عن موطئ قدم جديد في التجارة العالمية، بينما ترفع المكسيك راية السيادة في مواجهة تدخلات الحليف التقليدي في الشمال.

ويشكل هذا مسارا تتقاطع فيه مصالح الجنوب مع طموحات الصين، لتنتج فضاء موازيا للنظام الدولي السائد، مفتوحا على فرص جديدة، لكنه محاط أيضا بأسئلة معلّقة عن حدود الاستقلال الفعلي، ومآلات التوازن بين الشركاء غير المتكافئين.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا اسرائيل لبنان أمريكا إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا