على مدى عقود، احتكرت إسرائيل السردية الإعلامية في كبريات المؤسسات الغربية، وتحولت روايتها للأحداث إلى مسلّمات تُعاد صياغتها من دون تدقيق أو تحقيق جاد، في حين بقيت الرواية الفلسطينية حبيسة الهوامش أو مشروطة بسقوف لا يُسمح بتجاوزها.
غير أن حجم الكارثة الإنسانية التي أعقبت أحداث أكتوبر/تشرين الأول 2023، والدمار غير المسبوق الذي لحق بقطاع غزة نتيجة العدوان الإسرائيلي المستمر منذ ذاك الحين، وضغط وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام البديل؛ أحدث تصدعات حقيقية في هذا الجدار المحكم، ودفع صحفيين ومحققين ومنصات غربية مؤثرة إلى كسر حاجز الصمت والانحياز المطلق.
وتجلّى هذا التحول في نماذج بارزة؛ إذ نشرت صحيفة نيويورك تايمز تحقيقا للصحفي الحائز على جائزة بوليتزر مرتين نيكولاس كريستوف بعنوان "الصمت أمام اغتصاب الفلسطينيين"، ووثق فيه شهادات لأسرى تعرضوا لانتهاكات جنسية داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية.
وفي بولندا، فتحت الأسبوعية الساخرة "ني" (Nie) صفحاتها للصوت الفلسطيني رغم انسحاب كتّاب احتجاجًا على ذلك. كما أجرت واشنطن بوست تحقيقات فنّدت الادعاءات الإسرائيلية بشأن مستشفى الشفاء، وكشفت فايننشال تايمز هشاشة الملف الاستخباراتي الإسرائيلي المقدم ضد مؤسسات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( أونروا).
وفي المقابل، واجهت إسرائيل هذا الاختراق بحملات منظمة لا تستهدف الوقائع بل تعدت إلى من يكشفها؛ فأعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نيته مقاضاة نيويورك تايمز، وشنّت أجهزته الرسمية حملة غير مسبوقة على المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان ورئيسه بحجة أنه الواقف خلف تحقيق الصحيفة، ساعية بذلك إلى نقل النقاش من الجرائم الموثّقة إلى هوية من وثّقها.
وبينما تتصاعد هذه المواجهة بين الحقيقة ومحاولات طمسها وتتراكم الانتهاكات الإسرائيلية على الأرض، وسّعت المحكمة الجنائية الدولية دائرة المساءلة بإصدار مذكرات توقيف سرية بحق 5 مسؤولين إسرائيليين جدد، ليبلغ العدد الإجمالي 7 مطلوبين، في تحوّل ينقل الملف من الجدل الإعلامي إلى مسار قانوني دولي ستكون له تداعياته.
خلال السنوات القليلة الماضية، لم يعد بإمكان كبريات المؤسسات الإعلامية الغربية التعامل مع بيانات الجيش الإسرائيلي بوصفها حقائق مسلما بها، فقد أجبرها حجم الأدلة المتراكمة على إجراء تحقيقات مستقلة كشفت زيف كثير من الادعاءات الرسمية الإسرائيلية، وفتحت مساحات واسعة أمام الرواية الفلسطينية لأول مرة في صحف كانت تُعد تاريخيا منحازة لإسرائيل.
الناشط الفلسطيني ورئيس الجمعية الاجتماعية الثقافية للفلسطينيين في بولندا عمر فارس يرى أن الصوت الفلسطيني "نجح خلال السنوات الأخيرة، لا سيما بعد الحرب على غزة، في تحقيق اختراق واضح داخل المجتمعات الغربية وحتى داخل بعض وسائل الإعلام التي كانت لعقود تتبنى الرواية الإسرائيلية بشكل شبه مطلق"، مشيرًا إلى أن "وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورا كبيرا في كسر الاحتكار الإعلامي، كما أن صور الضحايا المدنيين والدمار الهائل جعلت من الصعب إخفاء الحقيقة".
ولعلّ أبرز تجليات هذا التحول ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز من تحقيقات؛ ففي فبراير/شباط 2024 فنّدت الصحيفة إلى جانب شبكة سي إن إن (CNN) الرواية الإسرائيلية حول "مجزرة الطحين" (دوار النابلسي) بتحليل المقاطع الصوتية والمرئية، مؤكدتين أن نيران الدبابات الإسرائيلية أُطلقت بكثافة على الحشود المدنية، في حين حاولت إسرائيل التنصّل من المسؤولية بزعم أن الضحايا ماتوا نتيجة التدافع.
ثم جاء تحقيق الصحفي نيكولاس كريستوف المنشور في 11 مايو/أيار الحالي بعنوان "الصمت أمام اغتصاب الفلسطينيين" ليوثّق شهادات 14 رجلا وامرأة تعرضوا لانتهاكات جنسية داخل السجون وأماكن الاحتجاز الإسرائيلية، في تحقيق أثار زلزالا في المؤسسة الرسمية الإسرائيلية ودفع رئيس الوزراء نتنياهو إلى التهديد بمقاضاة الصحيفة.
ولم تكن نيويورك تايمز وحدها في هذا المسار؛ ففي ديسمبر/كانون الأول 2023 شكّل تحقيق واشنطن بوست حول مستشفى الشفاء ضربة قاصمة للرواية الإسرائيلية، إذ حللت الصحيفة صور الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو، وخلصت إلى أن الأدلة المقدمة لا تدعم ادعاءات وجود مركز قيادة وسيطرة لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) تحت المستشفى. كما نشرت فايننشال تايمز وقناة "تشانل 4" (Channel 4) تقارير أكدت زيف ملف إسرائيل المقدم ضد وكالة الأونروا ولم يتضمن أدلة ملموسة، وهو ما أسهم في عودة بعض الدول لتمويل الوكالة.
ولم يقتصر التحول على السياسة التحريرية للصحف نفسها، بل جاء الضغط من قبل الصحفيين أنفسهم؛ إذ كشفت تقارير عن غضب كبير بين العاملين في بعض الوسائل الغربية الذين اتهموا إداراتهم بازدواجية المعايير وتمرير الدعاية الإسرائيلية، أما منصات الإعلام البديل ووسائل التواصل الاجتماعي فقد تبنّت الرواية الفلسطينية بوضوح واستخدمت مصطلحات مثل "الإبادة الجماعية" و" التطهير العرقي".
لطالما اعتمدت إسرائيل على إستراتيجية ثابتة في مواجهة التوثيق الحقوقي: لا تفنّد الأدلة بل تُهاجم من جمعها. وقد بلغت هذه الإستراتيجية ذروتها حين تحوّل الهجوم على المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان من هجمة إعلامية إلى حملة دولة رسمية، شارك فيها نتنياهو ووزير الخارجية جدعون ساعر ووزير شؤون الشتات عميحاي شيكلي، على خلفية تحقيق نيويورك تايمز الذي وثّق العنف الجنسي ضد الأسرى الفلسطينيين.
والمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان تأسس عام 2011 في جنيف على يد مجموعة من الحقوقيين من جنسيات شرق أوسطية وأوروبية مختلفة، هو منظمة مستقلة غير ربحية يشكل ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان نحو 70% من العاملين والمتطوعين بها، ويدافع عن حقوق الإنسان في أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وفي تصريحات للجزيرة نت، يضع رئيس المرصد الأورومتوسطي الدكتور رامي عبده الحملة الإسرائيلية في سياقها الأوسع؛ فهي "لا تستهدف المرصد وحده، بل تستهدف كل جهد مهني مستقل يقترب من الحقيقة ويوثق الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين"، مؤكدا أن إسرائيل "تشن حملتها ضد التوثيق والحقيقة تحت عناوين مختلفة، من التشكيك بالمهنية إلى الادعاء بوجود ارتباطات، وإثارة اتهامات سياسية وأمنية أو اتهامات بمعاداة السامية، لكنها في النهاية تؤدي وظيفة واحدة: نقل النقاش من الجرائم نفسها إلى من كشفها".
وفي سياق ردّه على الاتهام الإسرائيلي بأن "الأورومتوسطي" هو من يقف وراء تحقيق نيويورك تايمز، يوضّح رامي عبده أن "هذا الادعاء مضلل لأنه يختزل تحقيقا صحفيا حساسا أجرته صحيفة دولية كبرى وصحفي مستقل في رواية سياسية هدفها التشكيك لا التحقق"، مذكّرا بأن الصحفي كريستوف "أوضح أن ما نشره استند إلى مقابلات مباشرة مع 14 رجلا وامرأة أفادوا بتعرضهم لانتهاكات جنسية، وأن هذه الروايات خضعت للتدقيق والمقارنة مع مصادر أخرى، بينها شهود ومحامون وأقارب".
ويؤكد أن "الحملة الإسرائيلية لا تقدم أدلة، بل تقدم مادة تشويه صُممت لتؤدي وظيفة الدليل لدى من يريد تصديقها"، مشيرا إلى أنها "لا تقول إن شهادة محددة اختُلقت، ولا إن واقعة بعينها حُرّفت، ولا إن تقريرا للمرصد ثبت خطؤه، بل إن ما يجري تداوله يقوم في معظمه على اجتزاء منشورات وإعادة تدوير صور من مشاركات رسمية ومعلنة".
ومن جانبه، وصف وزير شؤون الشتات الإسرائيلي تحقيق نيويورك تايمز بأنه يعتمد على منظمة "يرأسها عضو في حماس وإرهابي"، في حين قال مسؤول بالوزارة نفسها إن "صحيفة نيويورك تايمز توفر منصة لأيديولوجية منظمة إرهابية قاتلة"، حسب ما جاء في وسائل إعلام إسرائيلية. وهو ما ردّ عليه رئيس الأورومتوسطي بأن "الحملة الإسرائيلية لم تقدّم حتى اللحظة أي تفنيد مادي للشهادات الموثقة، ولم ترد على الأدلة الميدانية، بل اختارت مهاجمة الصحيفة والصحفي".
ويلخّص عبده جوهر المعركة بالقول: "إذا كانت إسرائيل تعتقد أن ما نُشر غير صحيح، فالمسار واضح: أن تفتح مراكز الاحتجاز والسجون أمام تحقيق مستقل، وأن تسمح للجنة الدولية للصليب الأحمر والمحققين الدوليين بالوصول إلى المعتقلين والضحايا. أما مهاجمة المرصد أو الصحفي أو الصحيفة فلا تفند شهادة واحدة".
وفي بولندا، برزت الأسبوعية الساخرة "ني" كنموذج لافت على الاستعداد لدفع ثمن حرية التعبير، حين فتحت صفحاتها للصوت الفلسطيني رغم الضغوط التي كلّفتها خسارة كتّاب بارزين.
رئيسة تحرير الصحيفة والكاتبة السياسية أغنيشكا فولك-لانيسكا كشفت تفاصيل هذا الصراع الداخلي في مقال بعنوان "وداع الفيلسوف"، إذ أعلنت أن البروفيسور يان هارتمان توقف عن الكتابة في الصحيفة عندما لاحظ ظهور الناشط الفلسطيني عمر فارس على صفحاتها. وكان هارتمان قد أثار عاصفة سابقة حين وصف المشاركين في "أسطول الصمود" بأنهم "نازيون بولنديون من حركة حماس"، متمنيا لهم السجن "في زنزانة دافئة في صحراء النقب".
وفي ردها على انسحاب هارتمان من الكتابة في الصحيفة، صاغت لانيسكا موقفا مبدئيا "نحن لا نفهم مواقف البروفيسور يان هارتمان، ونعتبر منشوره مقززا. ومن جهة أخرى، فإن فكرة أن حرية التعبير تمتد فقط بقدر ما تمتد موافقتنا على الآراء المطروحة ضمنها، نعتبرها فكرة سخيفة". ثم أضافت بلهجة حاسمة "نحن نؤمن -كما حدث في حالة الهولوكوست- بأن اليوم سيأتي الذي سيدين فيه جميع الشرفاء في العالم الإبادة الجماعية الإسرائيلية".
وتكتسب هذه الواقعة دلالة خاصة بالنظر إلى أن صحيفة "ني" أسسها جيرزي أوربان، الناطق الرسمي باسم آخر حكومة اشتراكية في بولندا قبل عام 1989، والذي كان يُعرف كشخصية علمانية تنحدر من عائلة تدين باليهودية.
وهذا ما يعلّق عليه عمر فارس -في تصريحاته للجزيرة نت- بأن "الجدل الدائر اليوم لا يتعلق بالديانة أو الخلفية القومية، بل بحرية التعبير وحدود النقد السياسي لإسرائيل داخل الإعلام الأوروبي"، مشيرا إلى أن "هذه الظاهرة لا تتعلق ببولندا فقط، بل نشاهدها في دول أوروبية عديدة، حيث يتعرض صحفيون وأكاديميون لحملات تشويه أو اتهامات جاهزة بمجرد انتقادهم للسياسات الإسرائيلية".
ومن التداعيات التي يمكن توثيقها على الصدع الكبير الذي يتعرض له جدار السردية الإسرائيلية في الغرب بوسائله الإعلامية أو مؤسساته القانونية، يمكن الوقوف أمام تطور يُعد الأخطر على الصعيد القانوني الدولي منذ بدء الحرب على غزة، إذ كشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية أمس الأحد عن إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف سرية بحق 5 مسؤولين إسرائيليين جدد، هم 3 سياسيين واثنان من العسكريين.
ليرتفع بذلك العدد الإجمالي إلى 7 مسؤولين إسرائيليين مطلوبين للمحكمة، بعد مذكرتي التوقيف الصادرتين في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بحق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت.
أستاذ القانون الدولي في الجامعة العربية الأمريكية رائد أبو بدوية يرى أن هذه المذكرات تشكل "تطورا قانونيا وسياسيا بالغ الأهمية، لأنها تعكس انتقال المحكمة إلى توسيع دائرة المسؤولية الجنائية الفردية بحق قيادات إسرائيلية سياسية وعسكرية"، موضحا أن التحقيق الجاري أمام المحكمة يتعلق بـ"جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وربما أفعال يجري بحثها ضمن إطار الإبادة الجماعية، وفق ما يتيحه نظام روما الأساسي".
ويشير أبو بدوية -في تصريحاته للجزيرة نت- إلى أن التحقيق "لا يقتصر على الحرب في قطاع غزة، بل يشمل أيضا الانتهاكات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، بما فيها الاستيطان والتهجير القسري ومصادرة الأراضي والعنف ضد المدنيين الفلسطينيين"، لافتا إلى أن التسريبات "تفتح الباب أمام احتمالات أن تشمل التحقيقات شخصيات ارتبطت بشكل مباشر بملفات الاستيطان، مثل بتسلئيل سموتريش وإيتمار بن غفير".
وعن سرية المذكرات وعدم الكشف عن الأسماء، يوضح أستاذ القانون الدولي أنه "إجراء قانوني معمول به داخل المحكمة في القضايا الحساسة، بهدف حماية التحقيقات الجارية ومنع التأثير على الأدلة أو تعطيل الإجراءات، كما تساعد السرية على تقليل الضغوط السياسية والدبلوماسية المبكرة".
وتكمن خطورة هذه المذكرات، وفق أبو بدوية، في "تداعياتها السياسية والدبلوماسية الواسعة، خصوصا أن غالبية الدول الأوروبية أطراف في نظام روما الأساسي، مما يعني أنها ملزمة قانونيا بالتعاون مع المحكمة وتنفيذ مذكرات التوقيف في حال دخول المطلوبين إلى أراضيها"، مؤكدا أن ذلك "يضع إسرائيل أمام تحدٍ غير مسبوق يتعلق بحركة مسؤوليها، ويحوّل أي زيارة رسمية أو مشاركة دولية إلى أزمة قانونية ودبلوماسية محتملة".
ويخلص أبو بدوية إلى أن "هذه التطورات تنقل ملف الانتهاكات الإسرائيلية من دائرة الجدل السياسي والإعلامي إلى مسار قانوني دولي مفتوح وطويل الأمد"، مشيرا إلى أنها "تعزز عزلة إسرائيل القانونية والأخلاقية على المستوى الدولي، وتمنح زخما إضافيا لحملات المقاطعة والمساءلة، وقد تفتح الباب أمام دعاوى وإجراءات قضائية موازية داخل بعض الأنظمة القضائية الوطنية الأوروبية التي تعتمد مبدأ الولاية القضائية العالمية".
إن ما يتكشّف اليوم لا يعد انقلابا جذريا في الإعلام الغربي، لكنه يمثل كسرا حقيقيا للاحتكار الإسرائيلي للسردية الذي استمر عقودا، فقد أُجبرت الصحافة الغربية، تحت وطأة الأدلة الدامغة وضغط قواعدها الصحفية والرأي العام المتحوّل، على التراجع عن كونها مجرد ناقل للرواية الإسرائيلية في مواقف مفصلية عديدة.
والسؤال الذي يطرح الآن ليس عما إذا كانت السردية الإسرائيلية ستتصدع أكثر، بل عن حجم الثمن الذي ستدفعه لمنع هذا التصدع، وعما إذا كان العالم مستعدا لمواجهة الحقيقة كاملة والمضي في طريق المساءلة حتى نهايته.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة