في ورقته "في سياق الحرب على إيران: لبنان بين الحزب والدولة"، المنشورة في مركز الجزيرة للدراسات، يرسم الباحث شفيق شقير صورة للبنان بوصفه ساحة يتقاطع فيها مساران متوازيان: مسار يقوده حزب الله لإعادة ربط الجبهة اللبنانية بالحرب الإقليمية الدائرة حول إيران، ومسار آخر تقوده الدولة اللبنانية لمحاولة فصل لبنان عن هذا الاشتباك، واستعادة قرار الحرب والسلم إلى المؤسسات الرسمية.
لكن الورقة لا تقدم هذا الانقسام بوصفه صراعًا بسيطًا بين "دولة" و"حزب"، بل بوصفه أزمة بنيوية تتداخل فيها الحرب بالتفاوض، والطائفة بالإقليم، والسيادة اللبنانية بإعادة تشكيل المنطقة كلها. فلبنان، كما يشرح شقير، لم يعد يناقش فقط مستقبل سلاح حزب الله، بل موقعه داخل نظام إقليمي جديد يتشكل على وقع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران.
يرى الباحث أن التحول الأهم وقع عندما انتقل حزب الله من إدارة "جبهة إسناد" لغزة إلى الانخراط المباشر في الحرب الإقليمية بعد اغتيال المرشد الإيراني، علي خامنئي، في فبراير/شباط 2026.
فالحزب لم يقدم تدخله الجديد باعتباره مجرد رد على إسرائيل داخل الجنوب اللبناني، بل بوصفه "ثأرًا لدماء الإمام الخامنئي ودفاعًا عن لبنان"، وهو توصيف يكشف – بحسب الدراسة – كيف أعاد الحزب دمج الساحة اللبنانية بالسياق الإيراني الكامل، سياسيًّا وعقائديًّا وعسكريًّا.
وهنا يلفت شقير إلى أن حزب الله لم يكن يدافع فقط عن إيران بوصفها حليفًا إستراتيجيًّا، بل عن تصوره لوجود "شيعي" إقليمي مهدد. ولهذا استعادت أدبياته رمزية "كربلاء" والقتال حتى النهاية، باعتبار الحرب معركة وجود لا مجرد مواجهة حدودية.
من أهم ما تتوقف عنده الدراسة أن إسرائيل، ربما دون قصد، ساعدت حزب الله على استعادة جزء كبير من تماسكه الداخلي. فالحرب الإسرائيلية، خصوصًا بعد توسعها إلى الضاحية وبيروت والقرى الجنوبية، لم تعد تُقرأ داخل البيئة الشيعية بوصفها حربًا على الحزب فقط، بل حربًا على "الشيعة" أنفسهم.
ويشير الباحث إلى أن استمرار الاغتيالات والقصف خلال الهدنة، ثم التدمير الواسع للقرى الجنوبية واستهداف النازحين، دفع كثيرين داخل البيئة الشيعية إلى إعادة الالتفاف حول الحزب، حتى بعد التململ الأولي من عودته إلى الحرب.
ولهذا عاد نبيه بري وحركة أمل تدريجيًّا إلى الاصطفاف خلف الحزب في معركة الجنوب، رغم استمرار التباينات السياسية الأخرى. كما نجح الحزب، وفق الدراسة، في إعادة تقديم نفسه باعتباره المدافع عن لبنان لا مجرد ذراع إيرانية، عبر التركيز على وقف الاعتداءات الإسرائيلية واستعادة الأراضي اللبنانية وفرض الانسحاب الإسرائيلي.
في المقابل، يرصد شقير كيف حاولت السلطة اللبنانية بناء مسار موازٍ يقوم على التفاوض المباشر مع إسرائيل، وتكريس الدولة مرجعية وحيدة لقرار الحرب والسلم.
فمنذ انتخاب جوزاف عون وتكليف نواف سلام، بدأت السلطة – بحسب الدراسة – عملية تدرج في التمايز عن حزب الله. في البداية عبر الخطاب السياسي، ثم عبر خطوات مؤسساتية أكثر وضوحًا، وصولًا إلى قرار الحكومة اللبنانية حظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب واعتبارها خارج الشرعية القانونية.
لكن التحول الأهم جاء مع دخول الوفد اللبناني في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في واشنطن خلال أبريل/نيسان 2026، في خطوة تعكس – كما يرى الباحث – محاولة لنقل مركز الثقل من الميدان العسكري الذي يهيمن عليه الحزب، إلى طاولة تفاوض تديرها الدولة وتحظى بدعم أمريكي ودولي.
وهنا تظهر معادلة دقيقة: الدولة اللبنانية لا تستطيع فعليًّا امتلاك قرار الحرب، لكنها تحاول على الأقل استعادة قرار السلم.
من أكثر الأفكار أهمية في الدراسة أن لبنان لم يعد يفاوض عبر مسار واحد، بل عبر طاولتين متداخلتين: طاولة لبنانية-إسرائيلية في واشنطن، وطاولة أمريكية-إيرانية في إسلام آباد.
وترى الورقة أن العلاقة بين الطاولتين ليست انفصالًا كاملًا ولا اندماجًا كاملًا، بل "تداخل جزئي". فالدولة اللبنانية تحاول منع نقل الملف اللبناني إلى التفاوض الأمريكي-الإيراني، حتى لا تفقد السيطرة عليه، بينما يسعى حزب الله وإيران إلى إبقاء لبنان جزءًا من التفاوض الإقليمي الأشمل.
ولهذا تصر الدولة على التفاوض المباشر بوصفه أداة سيادية، بينما يفضل الحزب التفاوض غير المباشر الذي يسمح ببقاء الملف ضمن شبكة النفوذ الإيراني الأوسع.
لكن المفارقة، كما يشرح شقير، أن الدولة اللبنانية نفسها لا تستطيع تجاهل تأثير التفاوض الأمريكي-الإيراني، لأن أي اتفاق إقليمي سينعكس حتمًا على لبنان، سواء في ملف سلاح الحزب أو شكل التسوية الأمنية مع إسرائيل.
ترى الدراسة أن إسرائيل تتحرك وفق هدف إستراتيجي يتجاوز الحدود اللبنانية نفسها، وهو تفكيك ما تسميه الورقة "الجبهة الشيعية" في المنطقة.
ولهذا لا تكتفي إسرائيل بالمطالبة بإبعاد حزب الله عن الحدود، بل تسعى إلى فرض ترتيبات أمنية وديمغرافية أعمق: شريط حدودي عازل، مناطق منزوعة السلاح، تدمير قرى جنوبية، وربما إعادة تشكيل البيئة السكانية نفسها.
ويحذر شقير من أن استمرار الضغط الإسرائيلي قد يقود إلى تحولات ديمغرافية واسعة داخل لبنان، مع نزوح مئات الآلاف من الجنوب نحو الساحل وبيروت، بما قد يؤدي إلى تشكل "حزام شيعي" جديد يمتد من الجنوب إلى العاصمة، على غرار ما حدث بعد الحرب الأهلية اللبنانية.
واحدة من الخلاصات المهمة في الورقة أن الصراع الحالي لا يبدو متجهًا نحو حسم نهائي بين الطرفين. فالدولة اللبنانية لا تملك القدرة على إلغاء الحزب أو تفكيكه بالقوة، كما أن حزب الله لا يستطيع السيطرة الكاملة على الدولة أو احتكار الشرعية السياسية.
ولهذا يتوقع الباحث أن تتجه المرحلة المقبلة إلى إعادة توزيع للأدوار داخل النظام اللبناني أكثر من اتجاهها إلى انتصار كامل لأي طرف.
فمصادر القوة، كما يشرح، ما تزال موزعة:
ومن هنا يبقى لبنان محكومًا بإدارة هذا التداخل لا إنهائه.
في النهاية، يخلص شفيق شقير إلى أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في الحرب، بل في احتمال دخول لبنان مرحلة إعادة تشكيل عميقة، ديمغرافيًّا وسياسيًّا وطائفيًّا، تحت ضغط الحرب والتفاوض معًا.
فالبلاد، كما يرى، لم تعد تتحرك فقط داخل توازناتها الداخلية التقليدية، بل أصبحت جزءًا من عملية أوسع لإعادة تشكيل النظام الإقليمي نفسه. ولهذا فإن مستقبل لبنان لن يُحسم فقط في بيروت أو الجنوب، بل أيضًا في طهران وواشنطن وتل أبيب، وعلى طاولات التفاوض التي تتقاطع فوق الساحة اللبنانية.
الدراسة كاملة
https://studies.aljazeera.net/ar/article/6536
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة