آخر الأخبار

هل يتغير شيء في بغداد؟

شارك

في دراسته "العراق: كيف يعيد النظام السياسي العراقي إنتاج أزماته عبر التسويات؟" يحاول الباحث باسل حسين رئيس مركز كلوذا للدراسات وقياس الرأي العام العراقي ، في ورقة صادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، قراءة تكليف رجل الأعمال علي الزيدي برئاسة الحكومة العراقية بوصفه تعبيرًا عن أزمة أعمق من مجرد خلاف على الأسماء أو صراع على المناصب. فالمشكلة، كما يراها، لا تكمن في الشخص الذي يصل إلى السلطة بقدر ما تكمن في النظام السياسي نفسه، الذي بات يعالج انسداداته المتكررة عبر التسويات المؤقتة، لا عبر إصلاح جذري لبنية الحكم.

ومنذ 2003، لم تعد الانتخابات العراقية، بحسب الدراسة، كافية وحدها لإنتاج السلطة. فالحكومة لا تولد من صناديق الاقتراع بقدر ما تولد من توازنات معقدة بين الداخل والخارج، وبين القوى الشيعية والكردية والسنية، وبين النفوذين الأمريكي والإيراني، مع حضور مرجعية النجف بوصفها عنصر ترجيح عند الأزمات الكبرى. ولهذا تبدو كل عملية تشكيل حكومة وكأنها جولة جديدة من "إدارة التناقضات" أكثر منها انتقالًا طبيعيًا للسلطة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 كيف انتقلت واشنطن من "الاستسلام الإيراني" إلى التفاوض على فتح هرمز؟
* list 2 of 2 أين الصين من الحرب على إيران؟ end of list

الدستور وحده لا يحكم العراق

تتوقف الدراسة عند ما جرى بعد انتخابات 2025 بوصفه نموذجًا واضحًا على الفجوة بين النص الدستوري والواقع السياسي. فالمهل الزمنية التي يحددها الدستور لتشكيل السلطة جرى تجاوزها مرارًا بسبب المقاطعات والخلافات الحزبية وتعطيل النصاب، إلى أن انتهت الأمور بانتخاب نزار آميدي رئيسًا للجمهورية، ثم تكليف علي الزيدي بعد عجز الإطار التنسيقي عن الاتفاق على مرشح تقليدي، خصوصًا بعد الاعتراض الأمريكي على عودة نوري المالكي.

وهنا يرى باسل حسين أن التسوية العراقية لا تنتج "الأقوى"، بل غالبًا ما تنتهي إلى اختيار الشخصية التي لا يرفضها الجميع، حتى لو كانت تفتقر إلى قاعدة سياسية صلبة أو مشروع واضح. فالزيدي، القادم من عالم الأعمال، لا يمتلك كتلة برلمانية تحميه، ولا قاعدة شعبية تمنحه هامش المناورة، ما يجعله منذ اللحظة الأولى أسير التوازنات التي جاءت به.

رئيس حكومة أمام دولة موازية

في القسم المتعلق بالملفات الداخلية، تبدو الدراسة شديدة التشاؤم حيال قدرة الزيدي على إحداث اختراق فعلي.

إعلان

فملف الفصائل المسلحة، بحسب الباحث، لم يعد مجرد قضية أمنية بل تحول إلى جزء من بنية السلطة نفسها. القوى المرتبطة بهذه الفصائل تمتلك نفوذًا برلمانيًا وميدانيًا واسعًا يجعل أي حديث عن حصر السلاح أو تفكيك المنظومات المسلحة أقرب إلى الطموح النظري منه إلى السياسة الممكنة.

ولا يقف الأمر عند السلاح فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد والفساد والخدمات. فالعراق، كما تعرضه الدراسة، يعيش داخل نموذج ريعي يستنزف معظم عائداته النفطية في الرواتب والإنفاق التشغيلي، بينما تظل مشاريع الإصلاح الاقتصادي أسيرة شبكات المصالح السياسية. وحتى ملف الكهرباء، الذي تحوّل إلى رمز لفشل الحكومات العراقية المتعاقبة، لم يعد مجرد أزمة تقنية، بل عقدة تتشابك فيها إيران والفساد والعقود المتعثرة والبنية التحتية المنهكة.

وتضيف الدراسة بُعدًا حساسًا يتعلق بشخص الزيدي نفسه، بوصفه رجل أعمال يملك عقودًا بمليارات الدولارات مع الدولة، وهو ما يثير أسئلة حول تضارب المصالح وحدود الفصل بين السلطة السياسية والمصالح الاقتصادية الخاصة.

مصدر الصورة رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته محمد شياع السوداني (يمين) يلتقي رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي في القصر الحكومي ببغداد (الفرنسية)

العراق بين واشنطن وطهران والخليج

في الجانب الخارجي، تبدو الحكومة الجديدة – كما يصورها الباحث – محاصرة بتناقضات يصعب التوفيق بينها. فالعراق يحتاج إلى الخليج اقتصاديًا واستثماريًا، لكنه في الوقت نفسه يعيش داخل شبكة نفوذ إيرانية عميقة تمتد من الفصائل إلى الاقتصاد والطاقة. كما أن واشنطن تواصل الضغط من أجل تقليص النفوذ الإيراني وضبط الفصائل المسلحة، وهو ما يضع الزيدي أمام معادلة شبه مستحيلة: كيف يرضي الأطراف المتصارعة في وقت واحد؟

وتتوقف الدراسة مطولًا عند أزمة الثقة الخليجية تجاه بغداد، خصوصًا بعد استخدام الأراضي العراقية في هجمات نفذتها فصائل مسلحة باتجاه دول الخليج والأردن. فالمشكلة هنا، كما يشرح الباحث، ليست في البيانات الدبلوماسية بل في قدرة الدولة العراقية نفسها على فرض سيادتها. ولذلك تبدو محاولات إعادة بناء الثقة الخليجية بالعراق مشروطة بإثبات فعلي لقدرة بغداد على ضبط الفصائل، وهو أمر لا يملك الزيدي أدواته الكاملة.

الشارع الغائب.. والخطر المؤجل

ربما يكون القسم الأكثر أهمية في الدراسة هو ذاك المتعلق بالشارع العراقي. فالباحث يرى أن النخب السياسية تعاملت منذ 2003 مع الشارع بوصفه متغيرًا يمكن احتواؤه، لا قوة يجب الاستجابة لها، إلى أن جاءت انتفاضة تشرين لتكشف حجم الاحتقان الكامن تحت السطح.

واليوم، يرث الزيدي مجتمعًا مرهقًا اقتصاديًا وسياسيًا، مع بطالة مرتفعة وتراجع الثقة بالانتخابات والمؤسسات، في وقت لم تعد فيه الوعود كافية لاحتواء الغضب الشعبي. فالمواطن العراقي، بحسب الدراسة، بات يقيس نجاح الحكومة بمعيار واحد بسيط: هل تغير شيء في حياته اليومية؟

لكن المشكلة الأعمق، كما يطرحها باسل حسين، أن النظام السياسي العراقي نفسه لا ينتج آلية حقيقية لتحويل مطالب الناس إلى سياسات. فالانتخابات لا تفرز حكومات برامجية، والبرلمان لا يحاسب على تنفيذ البرامج، والتوافقات الحزبية تبقى أقوى من فكرة الدولة نفسها. ولهذا يظل الشارع العراقي، في نظر الدراسة، كتلة غضب مؤجلة أكثر منه حالة رضا مستقرة.

مصدر الصورة الرئيس العراقي نزار أميدي (في الوسط) يصافح رئيس الوزراء العراقي المُعيّن حديثًا علي الزيدي (على اليمين) في بغداد (الفرنسية)

خاتمة

العراق الغني والدولة العاجزة

يرى الباحث أن العراق لا يعاني نقصًا في الموارد أو الموقع أو القدرات البشرية، بل أزمة نظام سياسي أعاد إنتاج نفسه عبر المحاصصة والتسويات، بدل بناء مؤسسات قادرة على الحكم الفعلي.

إعلان

* السلطة المثقلة بديون القوى السياسية

كل رئيس حكومة يصل إلى السلطة، وفق الدراسة، يكون محمّلًا بالتزامات للقوى التي أوصلته، ما يجعل فكرة "الدولة القوية" تهديدًا ضمنيًا لمصالح هذه القوى نفسها.


* الزيدي ليس استثناء

لا تقدم الدراسة علي الزيدي باعتباره منقذًا أو كارثة، بل امتدادًا لبنية سياسية أكبر منه، مع الإشارة إلى أن نجاحه أو فشله سيتحدد بقدرته على تجاوز حدود التسوية التي جاءت به.


* الإصلاح أم إدارة الأزمة؟

ترى الدراسة أن العراق ما يزال يدير أزماته بدل حلها، وأن أغلب الحكومات المتعاقبة فضلت الاستقرار الهش على الإصلاح الحقيقي، خوفًا من الصدام مع مراكز القوة الراسخة.


* لحظة التغيير لم تصل بعد

تنتهي الورقة إلى أن العراق لا يحتاج إلى "بطل فرد"، بل إلى لحظة سياسية ومجتمعية تدرك فيها القوى الفاعلة أن كلفة استمرار النظام الحالي باتت أعلى من كلفة إصلاحه، وهي لحظة لم تنضج بعد، لكنها تقترب تدريجيًا من الشارع أكثر مما تقترب من البرلمان.

الدراسة كاملة

https://studies.aljazeera.net/ar/article/6528

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا