على الحدود، حيث كان من المفترض أن تكون العيون شاخصة نحو الأهداف العسكرية، كانت هناك مشاهد أخرى تجري في الخفاء والعلن. الرقيب (أ) -كما أسمته صحيفة يديعوت أحرونوت- لم يستطع نسيان تلك اللحظة التي أُحبطت فيها عملية نهب بتشديد قائد سريته، لكنه يعرف جيدا أن تلك كانت حالة استثنائية وسط بحر من التجاوزات في قطاع غزة.
"قابلنا الكثير من جنود الاحتياط عند الحدود"، يستذكر (أ) قائلا "لقد استولوا على كل شيء وقعت عليه أيديهم: أسلحة، مجوهرات، بطانيات، وحتى الصور الشخصية التي لا تعني أحدا سواهم".
في القطاع، تحول المشهد إلى ما يشبه الفوضى العارمة، يروي (أ) حادثة تركت في نفسه أثرا غريبا: "دخل أحدهم إلى شاحنة عسكرية وهو يجر أريكة يريد أخذها معه، واندلع هناك شجار عنيف وكنا نحن من تدخلنا ومنعنا تلك المهزلة".
لكنّ المنع في مكان لم يكن يعني التوقف في مكان آخر. فقبل 7 أشهر، وفي مناطق التجمع داخل غزة، كانت كل سرية قد أنشأت لنفسها "عالمها الخاص"، زوايا ومناطق مفروشة بالكامل بأثاث ومعدات جُلبت من بيوت القطاع، حتى إن بعضها كان يحتوي على غرف معيشة كاملة.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، ففي ميادين الرماية كان المشهد أشد صدمة. يقول (أ): "كل منطقة رماية كانت مفروشة، حرفيا صالونات كاملة موضوعة هناك لدرجة أن البعض كان يسألني بسخرية: ‘أتساءل حقا من أين أتت هذه المعدات؟'"، لم يكن هناك خجل، ولا محاولة لإخفاء المسروقات، بل كان الأمر يبدو كأنه "حق طبيعي".
بالنسبة للرقيب (أ)، القصة لا تتعلق فقط بجنود أخطؤوا، بل بمنظومة غاب عنها الحساب، "المشكلة الحقيقية هي غياب الرقابة الشاملة"، ويختم قوله، "الأمر يعتمد فقط على مستوى قيم القائد الميداني، فعلى مستوى قائد السرية، لا يوجد نظام".
في الأسابيع الأولى من القتال، وتحديدا في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أدلى النقيب (احتياط) بشهادته لصحيفة يديعوت أحرونوت، عندما كان شاهدا على ما يحدث في حي الرمال بمدينة غزة، يقول النقيب إن المتاجر كانت ممتلئة والحياة تدب في كل مكان، مما جعل النهب أكثر شيوعا في تلك الفترة.
ويروي النقيب أنه رأى جنود الهندسة يدخلون متجرا للتبغ ويفرغونه تماما، حيث نقلوا الصناديق والعبوات إلى الملجأ، دون أن يعلق أي قائد على ذلك، كما أُخذت أوشحة فلسطينية وقمصان الشرطة العسكرية كـ"تذكارات". وفي حادثة أخرى، نُهبت ثلاجة ونُقلت إلى خارج قطاع غزة لاستخدامها في تبريد المشروبات والطعام بالثلج.
ومع استمرار القتال، لاحظ النقيب أن الظاهرة تراجعت، ولكنّ السبب لا علاقة له بتشديد الأوامر، بل لأن غزة أصبحت ذات موارد قليلة. ويوضح الجندي الشعور الذي ساد في البداية: "كان لدينا شعور بالدمار والبقاء، وكأننا في رحلة إلى الخارج لن تتكرر". ولكنْ مع العودة المتكررة للقطاع كل بضعة أشهر، اختفى "الحماس" للنهب لأنه لم يعد هناك شيء ليُؤخذ.
وعن التبريرات التي كانت تدور في الميدان، يقول النقيب إن الاعتقاد السائد كان: "إذا أخذنا شيئا يجعلنا مقاتلين أفضل، فلا يعتبر ذلك نهبا"، ويطرح مثالا قائلا إن أخذ السجائر يُعتبر وسيلة لمنحهم الهدوء وجعلهم مقاتلين أفضل، وكذلك كان أخذ الطعام واستخدام الأسرّة أمرا مقبولا، بينما ظل أخذ المال هو الأمر الوحيد المرفوض تماما.
إذا كان نطاق الظاهرة انخفض في غزة، فإن وجود المقاتلين الإسرائيليين الآن في لبنان جعل الوضع يتفاقم من جديد. تقول صحيفة يديعوت أحرونوت إن النقيب (احتياط)، قائد الفرقة 98، يقوم بجولة احتياطية على طول الحدود الشمالية.
وقد شهد قائد الفرقة حالات نهب قام بها جنود جيش الدفاع الإسرائيلي في لبنان، ويقول: "لقد استولوا بشكل رئيسي على أشياء من متاجر الأجهزة الكهربائية والمنزلية في المنطقة التي نعمل بها، محمّصات خبز، غلايات، خلاطات. كما استولوا على أدوات مطبخ خاصة، أكواب، أطقم قهوة وشاي، شيشات، وسجاد من منازل السكان".
ويقول إن القادة كانوا قد تحدثوا سابقا عن هذه الظاهرة غير المقبولة وحظروها، لكنْ لم يكن هناك أي تطبيق فعلي للحظر، مشيرا إلى الفجوة بين التحذير والتنفيذ إذ يقول "أكد القادة مسبقا أن هذا خطأ، حتى عندما رأى قائد اللواء أو قائد الكتيبة شخصا ينهب، حذروه، لكنهم لم يطبقوا التحذير فعليا، واستمر الناس في فعل ما يحلو لهم".
ويضيف النقيب "حذرت الجنود من أنني رأيت نهبا، فجادل بعضهم وتركه آخرون، ولكنْ عندما تغيب السياسة، ويقرر كل قائد ما يفعله بنفسه، يصبح الوضع هكذا. وللأسف، اعتاد الجنود على ذلك من غزة، حيث تكرر الأمر مرات عديدة".
ويرى أن حل هذه الظاهرة الخطيرة بسيط: "هناك نقاط عبور على السياج المحيط، يحرسها جنود. ويمكن أيضا وضع جندي من الشرطة العسكرية هناك، ليقوم بدوريات دورية للتأكد من عدم قيام الجنود بالنهب".
ويرى النقيب أن وضع حد لهذه الظاهرة ليس أمرا مستحيلا، بل هو "حل بسيط" يتلخص في الرقابة الميدانية، يقول "هناك نقاط عبور على السياج المحيط يحرسها الجنود، ويمكن ببساطة وضع جندي من الشرطة العسكرية هناك، ليقوم بدوريات تفتيش دورية للتأكد من عدم خروج الجنود بأي ممتلكات منهوبة".
"إن ظاهرة النهب، إن وجدت، هي أمر شائن قد يلطخ سمعة الجيش بأكمله". بهذه الكلمات خاطب رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير القيادة العليا للجيش في مؤتمر عُقد الأسبوع الماضي. ولم يكتف زامير بالوصف، بل أعطى أوامر صريحة لقادة الكتائب بتقديم تقارير مفصلة خلال أسبوع واحد، مع توعده بإحالة أي دليل على النهب إلى الشرطة العسكرية للتحقيق الجنائي.
هذا الموقف الرسمي يتناقض بحدة مع شهادات حية من قلب الميدان تؤكد أن الأوامر العليا تتبخر بمجرد الدخول إلى عمق الأراضي اللبنانية أو أزقة غزة.
ويتناقض هذا الوعيد الجنائي أيضا مع "المنطق" الذي خلقه الجنود لأنفسهم وتحدثوا به علانية، حيث أصبح أخذ الممتلكات في غزة ولبنان (سجائر، أجهزة، أثاث) يصنف كأدوات لتحسين الحالة النفسية للمقاتل، وليس كجريمة سرقة ونهب.
وفي شهادة أخرى لرقيب (احتياط)، من الفرقة 162، عاد للتو من خدمة استمرت شهرا ونصفا في لبنان، يروي لصحيفة يديعوت أحرونوت واقعة غريبة حدثت في مهمتهم الأخيرة يوم الأحد الماضي، حين رافقوا قوة "ناحال" النظامية، يقول "وصل الجنود وهم يحملون صناديق مليئة بممتلكات لا علاقة لها بالعمل العسكري، كان مشهدا غريبا".
لكنّ نقطة التحول -وفق حديثه- كانت في رد فعل قائد الفصيلة، الذي قرر مواجهتهم قبل العودة، حيث جمعهم وأعلن بوضوح: "بمجرد عودتنا، سنُجري تفتيشا دقيقا وأي شخص يُضبط في حقيبته غرض لا يخصه، سيُفصل من الخدمة فورا".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة