عندما تنطلق الصواريخ من جنوب لبنان باتجاه شمال إسرائيل، يتراجع كل شيء إلى الخلف: البيانات الرسمية والخطط الأمنية. فالمشهد الميداني وحده كفيل، بحسب مراقبين، بتقويض الرواية التي تحدثت قبل شهرين عن تفكيك البنية العسكرية لحزب الله جنوب نهر الليطاني.
ففي وقت أعلنت فيه السلطات اللبنانية، في يناير الماضي، انتهاء المرحلة الأولى من سحب سلاح حزب الله من تلك المنطقة والانتقال إلى مرحلة ثانية، جاءت الحرب الدائرة اليوم لتكشف واقعاً مختلفاً. فقد انخرط الحزب في المواجهة “إسناداً” لإيران، معلناً التصدي لمحاولات تقدّم قوات إسرائيلية في مناطق حدودية جنوب لبنان، واستهداف عدد من المواقع في شمال إسرائيل.
في المقابل أعلن الجيش الإسرائيلي “تدمير عشرات منصات القذائف الصاروخية التابعة لحزب الله والتي تم زرعها جنوب نهر الليطاني وكان يستخدمها حزب الله لإطلاق القذائف والصواريخ نحو الأراضي الإسرائيلية”.
هذا التباين بين ما تعلنه الدولة وما يجري على الأرض، ترافق مع إصدار المحكمة العسكرية اللبنانية حكماً ، أمس الاثنين، قضى بإخلاء سبيل ثلاثة عناصر من حزب الله كانوا قد أوقفوا أثناء نقلهم أسلحة من دون ترخيص في طريقهم إلى الجنوب، مقابل غرامة مالية رمزية.
كلّ ذلك، زاد حدة الجدل حول ما إذا كان تباطؤ السلطة في حسم ملف السلاح خارج إطار الدولة قد ساهم في جرّ لبنان إلى حرب جديدة، يدفع المواطنون ثمنها اليوم.
تطبيقاً لاتفاق وقف إطلاق النار الذي أُبرم بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية في نوفمبر 2024، أعلن الجيش اللبناني، في الثامن من يناير الماضي، بسط السيطرة العملياتية على جنوب البلاد، موضحاً أن هذه المرحلة ركزت على بسط السيطرة على الأراضي وتأمين المناطق الحيوية، وتعزيز انتشاره في منطقة جنوب نهر الليطاني، باستثناء المواقع التي لا تزال تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي.
وعقب بيان الجيش، اعتبر مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أن الجهود التي تبذلها الحكومة والجيش اللبنانيان في هذا الاتجاه تمثل “بداية مشجعة”، لكنها “بعيدة كل البعد عن أن تكون كافية مع مساعي حزب الله لإعادة التسلح وإعادة بناء بنيته التحتية الإرهابية بدعم إيراني”، مؤكداً أن نزع سلاح حزب الله “ضروري لأمن إسرائيل ومستقبل لبنان”.
ويرى مراقبون أن بقاء السلاح خارج سلطة الدولة جعل البلاد عرضة لقرارات عسكرية تتخذها جهة حزبية، في وقت تعاني الدولة من ضعف سياسي وأمني يحد من قدرتها على فرض احتكارها للسلاح.
وفي هذا السياق، يشدد العميد المتقاعد يعرب صخر على أن “الدولة اللبنانية تتحمل مسؤولية مباشرة، وبالمستوى نفسه الذي يتحمّله حزب الله، في انزلاق البلاد إلى الحرب”، نتيجة ما يصفه بـ”تراخيها وترددها في التعامل مع سلاح الحزب”.
ويعتبر صخر في حديث لموقع “الحرة” أن التطورات الأخيرة في قرى الشريط الحدودي تعكس “فشل العهد الجديد الذي عُقدت عليه آمال للخروج من سطوة الميليشيات”، ويشير إلى أن إعلان الجيش فرض “السيطرة العملياتية جنوب الليطاني لا يعني عملياً خلوه من السلاح، وهو ما كشفت عنه الأحداث الأخيرة مع استمرار وجود عناصر وسلاح للحزب جنوب الليطاني”.
كما يلفت إلى أن “اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024 نصّ على انتشار الجيش اللبناني بدءاً من جنوب الليطاني ونزع سلاح الميليشيات من كامل الأراضي اللبنانية خلال مهلة لا تتجاوز ستين يوماً”. إلا أن الدولة، بحسب قوله، “أهدرت نحو ثمانية أشهر من دون اتخاذ خطوات حاسمة”.
ويذهب مدير البرنامج القانوني في مركز سيدار، المحامي محمد صبلوح في الاتجاه نفسه، قائلاُ لـ”الحرة” إن تجربة اللبنانيين مع وعود المسؤولين تظهر أنها غالباً ما تبقى “حبراً على ورق”.
في المقابل، يرفض رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية، شارل جبور، تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية جرّ البلاد إلى الحرب، معتبراً أن القرارات التي اتخذتها الحكومة ومواقف رئيسي الجمهورية والحكومة التي وصفت ما قام به الحزب بأنه “خطيئة”، تؤكد أن الدولة ليست شريكة في هذا القرار.
ويشير جبور في حديث لموقع “الحرة” إلى أن الحكومة اتخذت في الثاني من مارس “قراراً تاريخياً يقضي بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله، وإلزامه تسليم سلاحه ومنع استخدام الأراضي اللبنانية منطلقاً لأي أعمال عسكرية”، ويضيف أن رئيس الجمهورية أكد أن “الحزب يتحمل مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع من دمار وخراب.
من جهته، يرى مصدر في حزب “الكتائب” أن ما تحقق خلال العام الماضي، رغم أنه “غير كافٍ”، يشكل تقدماً ملحوظاً على صعيد القرار السيادي للحكومة اللبنانية، ويشير إلى أنه بعد عقود من “شرعنة سلاح حزب الله ومنظومته الأمنية والعسكرية، بدأت الدولة عبر قرارات متعاقبة التعامل مع هذا السلاح باعتباره خارج إطار القانون”.
كما يلفت المصدر في حديث لموقع “الحرة” إلى أن “الجيش اللبناني قام بخطوات كبيرة جنوب الليطاني، من بينها تفكيك أكثر من مئة نفق ومصادرة أطنان من الأسلحة”.
وكان رئيس الجمهورية جوزاف عون أكد أن قرار الحكومة المتعلق بحصر السلاح بيد الدولة سينفذ وفق الخطة التي وضعتها قيادة الجيش عندما تسمح الظروف الأمنية بذلك، مشدداً على أن التعرض للجيش أو التشكيك بقدراته “يصب في محاولات تقويض سلطة الدولة”.
في المقابل، اعتبر رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد أن الحكومة لم تتمكن من مواجهة “الخروقات الإسرائيلية” أو الضغط على إسرائيل لوقف ضرباتها، معتبراً أن “تبرير هذا العجز يجري بالتلطي خلف مطلب نزع سلاح الحزب”.
وتزامن الجدل السياسي مع حكم أصدرته المحكمة العسكرية بإطلاق سراح ثلاثة عناصر من حزب الله كانوا قد أوقفوا لنقلهم أسلحة من دون ترخيص خلال توجههم إلى الجنوب، مقابل غرامة مالية رمزية.
وجاء القرار بعد أيام من إعلان مجلس الوزراء حظر أي نشاط عسكري أو أمني للحزب وإلزامه تسليم سلاحه إلى الدولة، ما أثار انتقادات واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر معلقون أن الحكم يعكس استمرار التساهل مع ملف السلاح خارج إطار الشرعية.
وفي هذا السياق، استحضر ناشطون قضية الفنان فضل شاكر، المرتبطة بأحداث عبرا عام 2013، مشيرين إلى أنه لا يزال يحاكم رغم تبرئته من تهمة القتال ضد الجيش.
ويرى صبلوح أن “نفوذ حزب الله داخل بعض الأجهزة الأمنية والقضائية يظهر في طريقة التعامل مع بعض الملفات”، مشيراً إلى ما يصفه بـ”ازدواجية المعايير” التي تتحملها، كما يشدد، “النيابة العامة العسكرية التي توزع الاتهامات بدون وجه حق وحسب الاصطفافات السياسية”.
ويضيف صبلوح أن ملف عناصر الحزب “انتقل خلال أيام من التوقيف إلى المحاكمة، بينما تستغرق ملفات أخرى سنوات قبل الوصول إلى المحكمة، داعياً إلى إلغاء القضاء العسكري أو حصر صلاحياته بالعسكريين، ومحاسبة المسؤولين عن الادعاءات في هذه الملفات”.
كذلك ينتقد صخر إطلاق سراح عناصر الحزب مقابل غرامة مالية رمزية “رغم أن الجرم واضح والإثباتات موجود، ما يعني أن القضاء في لبنان لم يتحرر بعد من تأثير الميليشيات”.
أما جبور فيقول إن الملف أُعيد فتحه وإن “وزير العدل عادل نصّار اتخذ إجراءات بحق القاضي الذي أصدر القرار”.
لا تقتصر الانتقادات الموجهة إلى الدولة اللبنانية على فشلها في حسم ملف سلاح حزب الله قبل أن ينزلق لبنان إلى حرب جديدة، بل تمتد أيضاً إلى اتهامها بعدم توفير الحماية الكافية لبعض البلدات الجنوبية ذات الغالبية المسيحية، خلال المواجهات الدائرة.
وفي هذا السياق، أعلن رئيس حزب “الكتائب” سامي الجميل، في تغريدة عبر منصة “إكس”، أنه تواصل مع قائد الجيش عدة مرات محذّراً من خطورة غياب الجيش عن الأرض في منطقة القليعة-مرجعيون وبعض القرى الأخرى.
وعما جرى في القليعة، قال الجميل “للأسف، ما كنّا نحذّر منه حصل. فقد دخل مسلّحو حزب الله إلى أحد المنازل، ما أدى إلى استهدافه بقصف إسرائيلي، وإصابة كاهن الرعية الأب بيار الراعي إصابة بالغة”، ل يفارق الحياة لاحقاً، قائلاً إن “ترك الناس لمصيرهم من دون حماية أو توجيه واضح أمر معيب وغير مقبول”.
ويعتبر جبور أن ما جرى في بلدة القليعة “غير مقبول”، مشدداً على أن “دور الدولة والجيش يبقى أساسياً في منع تسلل أي مجموعات مسلحة إلى بعض المناطق وتجنّب تكرار ما حدث”.
كما طالت الانتقادات بيان قائد الجيش العماد رودولف هيكل الذي اعتبر فيه أن الحل للأزمة القائمة “لا يكون عسكرياً فقط، بل سياسياً أيضاً”.
وفي هذا السياق، انتقد الأمين العام لحزب الكتلة الوطنية ميشال حلو موقف هيكل، قائلاًَ في تعليق على البيان “ما حصل في أحداث الروشة في شهر أيلول يتكرر اليوم علناً وعلى نطاق أوسع: يعلّق قائد الجيش على قرارات السلطة التنفيذية ولا ينفّذها. هذا البيان سياسي ويثير الاستغراب. على الحكومة ورئيس الجمهورية تصحيح المسار”.
ويُذكر أن ما عُرف بـ”أحداث الروشة” يعود إلى قيام عناصر من حزب الله بإضاءة صخرة الروشة بصور الأمين العام السابق للحزب حسن نصر الله، خلافاً لقرار حكومي كان يقضي بمنع هذه الخطوة، من دون أن يتدخل الجيش لتنفيذ القرار.
من جانبه، يشدد جبور على ضرورة تسريع خطوات الدولة لتنفيذ قراراتها وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، معتبراً أن رئيس الجمهورية طرح مبادرة واضحة للخروج من الأزمة التي وضع حزب الله البلاد فيها.
بدوره يعرب المصدر نفسه في حزب “الكتائب” عن أمله في أن” يواصل الجيش جهوده أولاً عبر تأمين القرى الجنوبية الصامدة ومنع دخول المسلحين إليها، وثانياً من خلال الانتشار على كامل الأراضي اللبنانية وتولي مسؤولية الأمن بالتعاون مع الأجهزة الأمنية الأخرى.
كما دعا المصدر إلى مداهمة مخازن السلاح المعروفة لدى الجيش، وضبط عمليات نقله، وتفكيك البنى الأمنية الرديفة، “بما يمكّن الدولة من إعادة تثبيت سلطتها وإثبات قدرتها في حال الدخول في مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة” (مع إسرائيل).
المصدر:
الحرة