آخر الأخبار

لماذا يحتاج بن غفير لأن يذهب إلى مروان البرغوثي في زنزانته؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في صباح لم تتوقف فيه أصوات القصف جيش الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، ولم تتوقف معه أعداد القتلى والجرحى والنازحين والموجوعين، كان بن غفير يجمع حراسه، وكاميراته ويتوجه بهم إلى زنزانة في سجن غانوت ليسجل تلك اللقطة التي كان يصرخ فيها منفعلا ومحذرا: إنكم لن تنتصروا، ويجب أن تدركوا ذلك..

ويواصل: من قتل أولادنا ونسائنا سنمحوه، عليك معرفة هذا الأمر على مر التاريخ..

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 شابه أباه فظلم.. من أين جاء سموتريتش وماذا يريد؟
* list 2 of 2 قاتل المصلّين مثله الأعلى.. من أين جاء بن غفير بكل هذا القبح؟ end of list

يبدو منطقيا أن نتساءل عن حاجة إيتمار بن غفير لاستعراض قواته على مسجون لبث بين أسوار سجون الاحتلال لعقود، حتى مع الأخذ بعين الاعتبار رمزية القائد الفلسطيني مروان البرغوثي الذي ينتظر الفلسطينيون خروجه ورفاقه من الأسر، فما الذي يفسر سلوك السياسي الإسرائيلي الذي وصل إلى رأس وزارة الأمن القومي منذ عام 2022 بالتجول بين الحين والآخر في السجون الإسرائيلية، ليصرخ على الأسرى، ويأمر بتعذيبهم، ويشهد وقائع التعذيب؟

في كتاب الإنسان المهدور يطرح الدكتور مصطفى حجازي تساؤلا حول ما يحدث داخل النفس ليصبح العدوان على إنسان آخر ممكنا، ولأن يُمارس بإصرار وتفنن وتشفٍّ أيضا، لمدة طويلة وبشكل مقصود ومبرمج حتى يتحول من كونه مقبولا إلى اعتباره أمرا يُطلب لذاته.

نعم، العداوات مفهومة، ولها أسبابها وأطيافها، لكن أن تتخذ طابع عنف شديد ممنهج ولفترات طويلة، فإن هذه سلوكيات تحتاج لتفسير وتحليل وتبصّر بالبواعث التي تقود إنسانا لهذا المستوى الصاخب من الأذى والتشفّي. هنا يعود حجازي لبحث علاقة الضحية والجلاد وتحولاتها، وللبحث في سيكولوجية الجلاد لتفسير ما نشاهده.

تشرح عدة مفاهيم الروافد التي تصنع سيكولوجية الجلاد؛ إذ ينقطع الرباط الإنساني بين الجلاد وضحيته، وتتحول الضحية إلى أسطورة تلتصق بها صفات الإجرام أو غيرها من الصفات التي تنزع عن الإنسان بشريته، وهنا يصبح فعل التعذيب عاديا ومقبولا، لا اعتداءً على مُحرّمات ولا هو تجاوزا في حق إنسان آخر.

السجّان الذي كان منبوذا

تتضافر عوامل مختلفة لتنتج أفعال الجلاد وسلوكه، تبدأ بطبيعة الإنسان وظروف نشأته وتمر بتأثير البيئة المحيطة به، لتنتج في النهاية السلوك المُشاهد، ولدى وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير عوامل متعددة تتضافر لتنتج لديه سيكولوجية السجان، على النحو "الأمثل".

إعلان

في بحث بعنوان "الانفصال الأخلاقي وبنيات التطرف" يشير الباحث لؤي جبر إلى أن البنية الاجتماعية الثقافية قد تفرز شخصيات مأزومة، فحين يرى الفرد العالم بوصفه غابة، سيشعر بالضرورة بالتهديد والشك والكراهية، وسيحاول أن يكون الأقوى، وسيتشكل لديه نمط من الشخصية التسلطية، فيلتزم بالقيم بشكل جامد ومتشدد ويخضع للسلطة دون نقد ويتجنب التفكير التأملي ويرفض كليا أفكار الآخرين المخالفين.

بدت هذه السمات مبكرا على السياسي الذي عرف الإسرائيليون وجهه شابا لم يتجاوز العشرين عاما، وهو يهدد بالوصول إلى إسحق رابين، ثم بعد اغتيال رابين على يد طالب القانون اليميني المتطرف، ظهر مرة أخرى في حملة تطالب بالإفراج عن القاتل.

ظل بن غفير الشاب عنوانا للتطرف لوقت طويل، حتى أن رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك تنبأ بأيام سوداء إذا دخل بن غفير في الائتلاف الحكومي، وها نحن اليوم نشاهده لا بوصفه مسؤولا هامشيا في ائتلاف، بل باعتباره وزيرا للأمن القومي، وشخصا مؤثرا في قرارات الحكومة.

وقد استسقى بن غفير أفكاره المتشددة من مدرسة الحاخام مائير كاهانا، مؤسس حركة "كاخ" الذي فاز بمقعد في الكنيست الإسرائيلي عام 1984 قبل أن تصنف حركته "إرهابية وفاشية"، وعرفت مدرسة كاهانا باسم "الكهانية"، التي تجمع بين المغالاة القومية والتدين السياسي والممارسات العنيفة.

ووفقا للكهانية، يؤمن بن غفير بفكرة أن العرب في فلسطين أعداء يجب إخراجهم بالعنف ولا يقبل التعايش معهم، وعلى يهود العالم كافة أن يهاجروا إلى فلسطين. وقد اشتهر بوضعه على جدار منزله صورة لمنفذ مجزرة المسجد الإبراهيمي -التي راح ضحيتها 29 مصليا في 25 فبراير/شباط 1994- باروخ غولدشتاين، ووصفه بـ"البطل".

في الواقع، لا يمكن أن يكتمل فهم الأبعاد التي تشكّل شخصية المتطرف، دون النظر للحاضنة الاجتماعية التي جاء الشخص منها وما زال يتأثر بها، حيث إن وجود دعم اجتماعي للتطرف، يحول السلوك العنيف من سلوك مخالف إلى سلوك مقبول بل ووسيلة للترقي الاجتماعي والوظيفي، ووفق هذا المعطيات، تصبح المجازر والعنف ضد المدنيين مبررا.

فحين يقوم مجموعة من السجانين بفعل منافٍ للأخلاق، يشعر كل فرد منهم بمستوى لا يكاد يُذكر من المسؤولية، خاصة إذا ما دعمته السلطة أو المؤسسة التي يعمل فيها، كما يزيد من عنف الجلاد وجود أيديولوجيا تسوغ له القتل والشر، يعمل باسمها وتحت رايتها وتمنحه الشعور بأن ما يقوم به إنما هو أمر من سلطة أعلى، وأن ما يقوم به جزء مما تتطلبه الوظيفة.

وقد شهد المجتمع الإسرائيلي هذه التحولات حتى أصبحت جزءا من تكوينه، إذ هو مجتمع نشأ وتطوّر في أساسه على احتلال أرض لشعب آخر (من حيث حقائق الأمور لا من حيث الدعاية التي روّجتها إسرائيل عن نفسها بأسطورة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض")، وهذا لا يتم إلا بإعادة هندسة الوعي تجاه طبيعة المجتمع الآخر الذي سيتم تهجيره قسريا وقتل شريحة واسعة منه.

بالعودة لبن غفير، وبعد دراسته للقانون لم يحصل إيتمار على عضوية نقابة المحامين بسبب سجله الجنائي وأنشطة العنف التي تورط بها مع اليمين المتطرف، فقدمت الشرطة الإسرائيلية ضده 50 لائحة اتهام أُدين في 10 منها على الأقل، وأُعفيَ من الخدمة الإلزامية في جيش الاحتلال للسبب ذاته.

إعلان

لكن الرجل الذي كان مستبعدا ومنبوذا في التسعينات لم يعد كذلك اليوم فيما يعكس التحول الذي حدث في المجتمع الإسرائيلي، وهو تحول لم يقتصر على تعريف العنف تجاه الآخر، بل وامتدّ تجاه معنى العنف المقبول داخل المجتمع نفسه.

لاحظنا ذلك في ارتفاع الدعم الشعبي الذي حصل عليه بن غفير لينجح في دخول الكنيست عام 2021، وهو يحظى اليوم بشعبية جارفة في الأوساط اليمنية، وبشكل عام في المجتمع الإسرائيلي، وهي الشعبية التي يرتكن إليها بن غفير ويحتمي وراءها تصريحاته واشتباكاته ومساوماته التي طالت نتنياهو نفسه.

مصدر الصورة وزير الأمن الداخلي إيتمار بن غفير يزور معتقل راكيفيت في مدينة الرملة (الصحافة البريطانية)

الشرُّ كان كامنا

في بحث نشره مركز حرمون للدراسات المعاصرة عام 2017، بعنوان "سيكولوجية الشر بين النظرية والتطبيق" يحاول الكاتب البحث عن إجابة للسؤال التالي؛ من أين يأتي البشر بهذا الكم الهائل من الشر؟ والأهم، هل هو مستكين داخل النفس البشرية؟ أم إن البيئة يمكن أن تحول الإنسان الطبيعي والسوي إلى مجرم وقاتل؟

للإجابة، يعود الباحث لأشهر تجربتين في هذا الصدد، الأولى هي تجربة ملغرام التي عٌرضت نتائجها في إحدى المجلات العلمية عام 1963، تقيس التجربة مدى انصياع الإنسان للسلطة حين تتناقض الأوامر مع ضميره، ومقدار الألم الذي يمكن لإنسان أن يسببه لإنسان آخر، بتوجيه من السلطة (يمثلها في التجربة العالم المشرف عليها).

أخفى ملغرام الهدف الحقيقي من التجربة لتبدو للمشاركين وكأنها تجربة للتعلم، يستخدمون فيها "الألم" عن طريق الضغط على مفاتيح تعرّض الطالب (وهو في الحقيقة ممثل يتواجد في غرفة لا يراها المشاركين ) للصعق الكهربائي عندما يخطئ في الإجابة عن الأسئلة، وتتوفر المفاتيح بدرجات متفاوتة الشدة من 30 فولت إلى 450 فولت. في الحقيقة، لم تكن هناك صعقات كهربائية، بل كان الممثلون يُصدرون صرخات تتناسب مع شدة الصعق الكهربائي.

أبدى بعض المشاركين تعاطفا مع المتعلمين (الممثلين) وتراجعوا عن صعقهم عند الخطأ، لكن الباحث كان يطلب منهم الاستمرار، كانت التجربة تقضي بأن يتوقف الباحث عن طلب الاستمرار من المشاركين في المرة الثالثة، وتتوقف التجربة أيضا إذا ما وصل المشارك إلى استخدام الصعقات الكهربائية بالشدة القصوى (450 فولت).

وجاءت النتائج مفاجئة ومخيفة، فقد وصل 65 % من المشاركين إلى استخدام الحد الأقصى في الصدمات الكهربائية (450 فولت)، ولم يُبد أحد من المشاركين رغبته في إنهاء التجربة قبل أن يصل لاستخدام الصعقات الكهربائية الأكثر شِدَّة.

في نسخ أخرى من التجربة، كانت ردات الفعل تختلف حين يتعرف المشاركون على المتعلمين، حيث كان التعاطف أكبر، وانخفض حينها مستوى الانصياع للسلطة.

التجربة الثانية التي يستشهد بها الباحث هي تجربة سجن ستانفورد الشهيرة التي أجراها فريق الباحثين بجامعة ستانفورد وعلى رأسهم فيليب زيمباردو عام 1971، وشارك فيها عدد من الطلاب المتطوعين، حيث قسمهم فريق البحث إلى حراس ومسجونين، في بيئة تحاكي السجون تماما، ليتابع الباحثون استجابات كل منهم وسلوكهم في هذه البيئة.

بعد أيام قليلة اندمج الطلاب في التجربة، والمفاجئ أن من قاموا بدور السجانين أبدوا رغبة في العمل لساعات إضافية رغم أنها لم تكن تعني أجرا إضافيا، وعلى الجانب الآخر عانى السجناء من الممارسات السادية والمُهينة للحراس، وبدت على بعضهم علامات الاضطراب العاطفي، خلال أيام بدأ بعضهم التمرد وتطوع السجانون بالقضاء على التمرد بتفريق المسجونين وإساءة معاملتهم، فصار دخول الحمام امتيازا.

توقفت تجربة ستانفورد بعد أسبوع فقط وكان مقررا لها أن تستمر لمدة أسبوعين على إثر تقمص المشاركين لوظيفة الحراس وتحول 33% منهم إلى "ساديين".

إعلان

ورغم الصدى الإعلامي الكبير لتجربة ستانفورد، فإن المؤرخ الفرنسي لعلوم النفس تيبو لو تيكسييه قدّم نقدا شديدا لهذه التجربة في كتاب "التحقيق في تجربة سجن ستانفورد: تاريخ كذبة"، فإنه يكشف من خلال مصادر أرشيفية وتحليل نصوص المقابلات بين المشاركين، أن التجربة وبخلاف ما تم الإعلان عنه فإن القسوة التي مارسها الحراس لم تكن نتيجة تلقائية لشعور المشاركين بالسيطرة والسلطة، فقد كانت في الحقيقة موجهة مسبقا من فريق البحث، بهدف خلق بيئة عدائية.

وفي كتابه، يشير لو تيكسييه إلى أن التجربة بقيت راسخة في الوعي العام نظرا لمهارة زيمباردو الإعلامية ودعم جامعته، ويؤكد أن التجربة كانت ضعيفة علميا، لكنه لم يعد ممكنا بسهولة محوها من خيال الناس إذ إنها تقدم تفسيرا جذابا لسبب تحول الناس العاديين إلى أشرار.

وبغض النظر عن التجربة نفسها والنقد الذي دار حولها، فإنه وللوهلة الأولى يبدو من هذه التجارب أن الشر يتكون داخل الإنسان بسبب البيئة المحيطة به، لكن الباحث يوضح أن التجارب تشير إلى فروقات تظهر على سلوك الأفراد في البيئة نفسها. هنا يبرز دور السمات الشخصية والمعايير القيمية والأخلاقية التي يرتكز إليها في سلوكه.

مصدر الصورة بن غفير شارك في شارك عشرات المستوطنين في تأدية طقوس تلمودية في المسجد الإبراهيمي (الأناضول)

متى سمع السجانون صوت ضمائرهم؟

كان المشاركون في تجربة ملغرام أقل انصياعا للسلطة عندما جمعتهم علاقة مباشرة بالضحية، بينما وحين كان الجدار يفصل بينهم كانوا أقدر على تعريضهم للصدمات الكهربائية. إلا أن وقوفهم أمام الضحية، بوصفه إنسانا، كان يزيد عبء المسؤولية، وحينها كانوا يستجيبون أكثر لقيمهم الخاصة، بينما كان وجود الباحث في المكان -وهو رمز السلطة- وتوجيهه بشكل مباشر لهم، يشُعرهم بأنهم ليسوا في موقع المسؤولية الأولى وبالتالي كانوا أكثر انصياعا للسلطة.

في مواجهة الأسرى الفلسطينيين المجردين من كل قوتهم، يبدو الوجه الحقيقي لإيتمار بن غفير إذن، هو هنا المسؤول والسلطة، وهذه حقيقته المجردة، ومن ورائه جموع غاضبة تصفق وتشجع ما يقوم به.

هنا نعود للدكتور مصطفى حجازي في وصفه لأمر آخر يتعلق بسيكولوجية الجلاد، ومتعته. فقهر إرادة السجين وتحطيمه هي هدف الجلاد، والتعذيب هو أداته لتحقيق ذلك.

والمفارقة أن الجلاد يفضل السجين العنيد الذي يقاوم ليُظهر الجلاد مهارته، فما جدوى أن يعترف السجين أو ينكسر من اللحظة الأولى، إذ يجب أن تأتي تلك اللحظة بعد مدة، لتمنح الجلاد فرصة التلذذ في هذه المبارزة.

لكن ما يثير جنون السجّان هو أن تفشل فنونه في كسر مقاومة السجين، إذ تكشف له تلك اللحظات عن عجزه هو وتحرمه من إحساس السيطرة والسطوة، وهو في تفجر سلوكه العدواني يريد في الحقيقة الاطمئنان إلى قوته وسطوته اللامحدودة، وهذا وحده ما يحسم مشاعر القلق والتهديد لديه، ويريحه من شعوره بالخواء واللاقيمة.

تاريخ قديم من الاضطهاد

ربما لا يمكن حين النظر إلى أفعال بن غفير، أن نغفل انتمائه إلى اليهود الشرقيين، وموقع هذه الفئة في المجتمع الإسرائيلي العنصري والمنقسم على ذاته.

ففي عام 1998 نشرت مجلة الدراسات الفلسطينية مقالا لإيلا حبيبة شوحط وهي كما تعرف نفسها يهودية عربية من أصل عراقي، الكاتبة التي غادرت فلسطين نهائيا لتستقر في نيويورك وتدرّس في إحدى جامعاتها. كانت إيلا تدعو في مقالها لتوسيع دائرة النقاش بشأن واقع الصراع العربي – الصهيوني ومستقبله، والنظر له من عدة زوايا، بدلا من الحديث عن ثنائية العربي – الصهيوني، كانت شوحط ترى ضرورة النظر إلى النتائج السلبية للصهيونية على " المزراحيم" الذين يشكلون أكثرية السكان اليهود في إسرائيل.

فبآليات أقل وحشية لكنها أكثر خبثا أنكر الكيان الصهيوني " المزراحيم" أو اليهود الشرقيين، وكان صوت إسرائيل الطاغي هو صوت اليهود الأوروبيين (الأشكناز).

وفي الذاكرة لا تغيب عن أبناء هذه الطائفة تاريخ من الاضطهاد الممنهج، فعند قدومهم للدولة الناشئة، كان المزراحيم يوضعون بصورة مُهينة في المعسكرات، وقد عانوا من السكن السيء، وسوء التغذية، وإزاء هذه الظروف السيئة، تناثرت المعلومات في الأرجاء لتحمل معها أنباء التمييز الذي يطال اليهود الشرقيين. وعلى إثر ذلك، قلت نسبة الهجرة، وغادر بعضهم المعسكرات للعودة إلى بلدانهم الأصلية، لكن التاريخ سجل اقتيادهم إلى سطح المراكب بالقوة للعودة نحو الأراضي المحتلة الجديدة.

إعلان

مثّل اليهود الشرقيين في السنوات الأولى قوة عاملة رخيصة وضرورية للبناء الاقتصادي للدولة الناشئة، حققت بفضل أجورها المنخفضة مكاسب سريعة في شركات البناء التي كان يملكها يهود الأشكناز، وفي المسكن لم تتوفر لها البنية التحتية اولا الحماية العسكرية التي توفرت لليهود الأشكناز، فقد سكنوا في المناطق الحدودية الأقل ثراءً، وكانت السلطات تجمع أعداد كبيرة منهم في المسكن الواحد باعتبار أنهم يألفون هذه الحالة، وكانوا في حاجة لتنظيم تظاهرات عنيفة للمطالبة بتطوير سكنهم والانتقال إلى ضواحي فقيرة " حديثة" كما تصف الكاتبة.

لم يقف جميع اليهود في "الوطن الصهيوني" على حد سواء، فقد كانت الموارد والطاقات في خدمة اليهود الأوروبيين، بينما كان اليهود الشرقيين أشبه بأمة مستعمرة داخل الأمة.

تتداخل كل هذه العوامل الخارجية، مع عامل شخصية بن غفير نفسه وتكويني النفسي والاجتماعي والثقافي، لتُخرج لنا هذا الرجل الذي يصرخ في كل مكان.

هزيمة اللقطة وهزيمة القيمة

على مدار حياته السياسية، تبدو سلوكيات بن غفير أقرب للهرج السياسي، فهو الرجل الذي سجل مشوارا طويلا من العنف والعداء للفلسطينيين والعرب في مختلف محطات حياته، وانتقادا دائما للـ"تهاون" الذي تبديه السياسات الإسرائيلية إزاءهم، وقد وظّف بن غفير علمه بالقانون، لدفع التطرف نحو حدوده القصوى.

يرفع بن غفير بتصريحاته العنصرية نسبة المشاهدة في القنوات الإعلامية، وهو يستخدم بمهارة آلة إعلامية قادرة على وضع أفعاله في إطار إعلامي وإكسابها دلالة كبرى وتحويل خطاب معاداة العرب إلى روتين يألفه الإسرائيلي ويتعاطف معه، والحقيقة أن استعراضه المطعم بالعنف يستند لأيديولوجية تجمع بين الرهاب من العرب والفكر الصهيوني الديني الساعي إلى تطهير أرض إسرائيل من "الأغيار".

كما يعزف إيتمار على وتر بناء الهيكل وتأسيس مملكة توراتية جديدة، وهو خطاب ديني يدغدغ أحلام شريحة واسعة في المجتمع الإسرائيلي الذي بات ينحو كل يوم نحو اتجاهات أكثر تطرفا، وهي الاتجاهات التي يعبر عنها بن غفير من موقعه السياسي.

ووفق كل ما سبق، يقف بن غفير كنموذج سياسي قائم على اتجاه شعبي مساند ومؤيد ومشجع لسلوكياته، وهو التشجيع الذي يدفع بن غفير كل يوم نحو ضجة جديدة، وإثارة جديدة، وربما إبادة جديدة تزيد من صعود أسهمه السياسية في مجتمع نشأ على قتل وتهجير السكان الأصليين، ولا يجد حلا في استمراره سوى عبر تكرار ذات الأمر، مرارا وتكرارا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا