آخر الأخبار

مظاهرات إيران: هل وصلت الأزمة الاقتصادية في إيران إلى نقطة اللاعودة؟

شارك
مصدر الصورة

بعد بضعة أشهر من سقوط نظام الشاه في إيران عام 1979، اقتحم طلاب إيرانيون السفارة الأمريكية في طهران واحتجزوا دبلوماسيين كرهائن. كانت تلك لحظة مفصلية سمّمت العلاقة بين إيران والغرب لعقود، ومهّدت لمسار طويل من العقوبات، سيترك أثراً عميقاً على اقتصاد بلد يملك واحدة من أكبر ثروات الطاقة في العالم.

اليوم، وبعد نحو 47 عاماً على تلك الحادثة، يعيش الاقتصاد الإيراني أزمة خانقة: عملة شبه منهارة، تضخم مرتفع ومزمن، وضغوط معيشية تتسع لتطاول شرائح كانت تعد تاريخياً عماد الاستقرار الاجتماعي، وعلى رأسها الطبقة الوسطى.

ورغم أن الاقتصاد الإيراني حقق معدلات نمو معتدلة في عام 2024، مدفوعاً بارتفاع إنتاج النفط إلى نحو أربعة ملايين برميل يومياً، وبمناخ من التفاؤل الحذر بإمكانية إعادة إحياء الاتفاق النووي، إلا أنه عاد إلى الانكماش مجدداً بواقع 1.7 بالمئة في عام 2025 بحسب تقديرات البنك الدولي الذي توقع انكماشاً أعمق خلال العام الحالي.

جاء هذا التراجع في سياق تطورات مفصلية شهدها عام 2025، من بينها اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين إيران وإسرائيل في يونيو/حزيران استمرت 12 يوماً، ومشاركة الولايات المتحدة في ضرب منشآت نووية إيرانية، إضافة إلى عودة العقوبات الأممية المفروضة على طهران.

مصدر الصورة

ويقول مدير برنامج إيران في مجموعة الأزمات الدولية، علي واعظ، إن المواجهة كسرت "عتبة نفسية" لطالما قامت على الاعتقاد بأن إيران، رغم أزماتها الاقتصادية، تبقى بلداً آمناً نسبياً.

ويضيف واعظ أن هذا التحول أثر سلباً على رواد الأعمال والمستثمرين، وعلى قرارات التخطيط للمستقبل داخل البلاد. كما يشير إلى أن انهيار المسار الدبلوماسي المرتبط بالملف النووي، وتعثر فرص التوصل إلى اتفاق، عمّقا حالة عدم اليقين، ما زاد من حدة الأزمة الاقتصادية في إيران وساهم في تفجر الوضع في البلاد.

ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، سجل الريال الإيراني تراجعاً تاريخياً مقابل الدولار، إذ وصل سعر صرف العملة المحلية إلى نحو 1.5 مليون ريال مقابل الدولار في السوق الموازية.

هذا التدهور الحاد في قيمة العملة أسهم في اندلاع احتجاجات شعبية واسعة في مدن إيرانية متعددة، عكست غضباً متزايداً من تدهور الأوضاع الاقتصادية، وحملت في طياتها تحدياً مباشراً للنخبة الحاكمة، ما يضع إيران أمام مفترق طرق حقيقي.

مصدر الصورة

إيران والنفط

كانت إيران من بين أوائل دول المنطقة التي اكتشفت فيها ثروة نفطية مطلع القرن العشرين، لتصبح مع الوقت صاحبة ثالث أكبر احتياطي مؤكد من النفط في العالم.

عام 1909 تأسست شركة النفط الأنجلو-فارسية بامتيازات واسعة للتنقيب والإنتاج، ثم استحوذت الحكومة البريطانية بعد سنوات على حصة أغلبية فيها، ما منح لندن نفوذاً مباشراً على النفط الإيراني.

ومع قرار ونستون تشرشل، الذي كان يشغل منصب وزير البحرية البريطانية قبيل الحرب العالمية الأولى، تحويل اعتماد أسطول البحرية البريطانية إلى النفط بدلاً من الفحم، تحوّل نفط إيران إلى مورد استراتيجي وربط اقتصادها مبكراً بالأسواق الغربية وبحسابات الجيوسياسة.

خلال العقود التالية ظل النفط محورياً، لكنه لم يترجم إلى تحول صناعي شامل، إذ تسرب جزء كبير من العائدات إلى الخارج وبقيت البنية الاقتصادية تميل إلى الزراعة التقليدية مع نمو محدود للصناعة التحويلية.

بلغ هذا التناقض ذروته مطلع خمسينات القرن الماضي مع تأميم النفط بقيادة محمد مصدق، قبل أن تنتهي التجربة بالإطاحة به عام 1953 وعودة الشاه، في محطة رسخت التحالف مع الغرب وأعادت تركيز القرار الاقتصادي والسياسي في يد النظام الملكي.

مصدر الصورة

ومع ارتفاع أسعار النفط في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، شهد الاقتصاد الإيراني معدلات نمو قوية. توسعت المدن، واستثمرت الدولة في البنية التحتية والتعليم والصناعة. وأسهمت إصلاحات الشاه، ولا سيما "الثورة البيضاء"، في تحسين أوضاع شرائح كبيرة من الطبقة الوسطى ورفع مستويات التعليم والخدمات.

غير أن هذا النمو السريع كان غير متوازن، إذ تركزت الثروة بشكل كبير في أيدي النخب وفي المراكز الحضرية الكبرى، ما ولّد شعوراً بالتهميش لدى فئات عديدة، ولا سيما في الأرياف والأطراف الحضرية. ومع غياب المشاركة السياسية واستمرار القمع، تراجعت شرعية نظام الشاه مع نهاية السبعينات، ما مهّد الطريق لانفجار الغضب الشعبي الذي أفضى إلى قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979.

مصدر الصورة

نموذج اقتصادي جديد

بعد إقامة الجمهورية الإسلامية في إيران عام 1979، تبلور في البلاد نموذج اقتصادي جديد. فقد اتجهت السلطة الجديدة إلى توسيع دور الدولة عبر التأميم وضبط الأسعار وتقديم دعم واسع للسلع الأساسية، في محاولة لحماية الفئات الأفقر وترسيخ شرعية النظام الوليد.

لكن هذا المسار الاقتصادي تشكّل منذ بداياته في بيئة سياسية شديدة التوتر وفي ظل عقوبات ما فتئت تتوسع.

تقول المستشارة السابقة في البنك الدولي، نادرة شاملو، إن إيران تعد من بين أكثر الدول تعرضاً للعقوبات في العالم، سواء من حيث شدة العقوبات أو أمدها الزمني. وتضيف أن الإيرانيين "طوّروا قدرة على التكيف مع اقتصاد العقوبات"، لكن هذه العقوبات، بحسبها، "أثرت في كل قطاعات الاقتصاد وكل تفاصيل الحياة اليومية".

فخلال الأشهر الأولى من عمر النظام الجديد، ومع فشل السلطات الإيرانية في إطلاق سراح الرهائن الأمريكيين، جمّدت إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر أصولاً إيرانية قدّرت بين 9-12 مليار دولار، في وقت كان الناتج المحلي الإجمالي لإيران يقدر بنحو 90 مليار دولار. كما قطعت العلاقات التجارية مع طهران، بما في ذلك واردات النفط الإيراني.

وتقول شاملو إن هذه الخطوة شكّلت ضربة قاسية للاقتصاد الإيراني. وتوضح أن "إيران كانت قبل الثورة اقتصاداً منفتحاً نسبياً على التجارة العالمية، لذا عندما قطع الشريك التجاري الأكبر في العالم علاقاته معها بشكل شبه كامل، كان الأثر فورياً وعميقاً."

لكن العقوبات لم تكن التحدي الوحيد الذي واجه الاقتصاد الإيراني في سنواته الأولى. فبعد أقل من عام على أزمة الرهائن، اندلعت الحرب العراقية الإيرانية في سبتمبر/أيلول 1980، لتدخل البلاد في صراع عسكري واسع استمر ثماني سنوات، وكبّد الاقتصاد الإيراني خسائر فادحة.

فقد تراجعت الصادرات النفطية، وتقلصت الإيرادات الحكومية، في وقت ارتفعت النفقات العسكرية بشكل كبير. كما تضررت أجزاء من البنية التحتية، ولا سيما في المناطق الحدودية والمنتجة للنفط.

خلال الحرب، اضطرت الدولة إلى توجيه مواردها لتمويل الجهد العسكري على حساب الاستثمار والتنمية، في ظل محدودية التمويل الخارجي والتكنولوجيا، ما أدى إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي وارتفاع التضخم ونقص بعض السلع الأساسية.

ومع نهاية الحرب عام 1988، دخل الاقتصاد الإيراني مرحلة إعادة إعمار قادها الرئيس آنذاك هاشمي رفسنجاني، ركزت على إعادة تأهيل القطاعات الإنتاجية وتحريك الاستثمار، خصوصاً في قطاعات الصناعة والطاقة والبنية التحتية.

وتشير بيانات البنك الدولي إلى تحسن نسبي في الأداء الاقتصادي خلال النصف الأول من التسعينيات، مع تسجيل معدلات نمو بين 4-6 بالمئة، وارتفاع مساهمة الصناعة التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 14-15 بالمئة في أواخر الثمانينيات، إلى حوالي 18-20 بالمئة بحلول منتصف التسعينيات.

"خاتم الأنبياء"

شهدت سنوات الحرب توسعاً في حجم ودور الحرس الثوري الإيراني. ومع نهاية القتال بدأ هذا الحضور يتخذ شكلاً اقتصادياً أكثر وضوحاً عبر المشاركة في تنفيذ مشاريع كبرى اعتبرت أساسية لمرحلة إعادة البناء.

فعلى سبيل المثال، لعبت مؤسسة "خاتم الأنبياء للإنشاءات"، التي تعد الذراع التنفيذي للحرس الثوري، دوراً بارزاً في مشاريع البنية التحتية، ونشطت في مجالات مثل بناء الطرق والسدود والأنفاق ومشاريع الطاقة والنفط والغاز. وقد مكّنها حجمها وقدراتها التنظيمية من لعب دور متزايد في تنفيذ المشاريع الثقيلة، في وقت كانت فيه الدولة تبحث عن أدوات سريعة لإعادة الإعمار.

غير أن توسع هذه الكيانات كان محل نقاش، إذ يشير منتقدون إلى أن اعتماد الدولة عليها في عقود حكومية كبيرة، في كثير من الأحيان عبر الإسناد المباشر، زاحم القطاع الخاص وحدّ من نموه، في ظل عدم خضوع هذه المؤسسات دائماً قواعد المنافسة والشفافية نفسها والضرائب التي تحكم الشركات الخاصة، واتهامات طالتها بالفساد.

عكست هذه المرحلة أثراً أعمق لتجربة الحرب على خيارات الدولة الاقتصادية. فالقيود التي واجهتها إيران في الحصول على السلاح والتكنولوجيا العسكرية خلال الحرب عززت التوجه نحو التصنيع الدفاعي وتحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي العسكري، بالتوازي مع بناء شبكات نفوذ إقليمية عبر دعم حلفاء خارج الحدود.

ورغم أن هذا المسار دعم بعض الأنشطة الصناعية، يرى اقتصاديون أن أثره بقي محدوداً على الاقتصاد المدني الأوسع مقارنة بحجم الموارد التي استثمرت فيه.

الغاز: الفرصة الضائعة

في الأثناء، كان نطاق العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران يتوسع تدريجياً، على خلفية قضايا شملت سياسات طهران الإقليمية واتهامات بدعم جماعات مسلحة خارج حدودها، إضافة إلى مخاوف متزايدة بشأن برامج الصواريخ والتكنولوجيا العسكرية.

وتشرح نادرة شاملو أن هذا النوع من القيود بدأ بالظهور منذ تسعينيات القرن الماضي، حين فرضت الولايات المتحدة قيوداً على استثمارات الشركات الأجنبية في قطاع الطاقة الإيراني، وإن لم تفرض في تلك المرحلة حظراً على شراء النفط الإيراني نفسه. وتضيف أن هذه السياسات دفعت العديد من الشركات الدولية إلى الاختيار بين السوق الإيرانية والسوق الأمريكية، لترجح الكفة في معظم الحالات لمصلحة الأخيرة نظراً لحجمها وأهميتها.

كما قيّدت العقوبات قدرة إيران على استغلال ثروتها الغازية، رغم امتلاكها ثاني أكبر احتياطي في العالم. إذ جاء اكتشاف وتطوير أكبر حقول الغاز الإيرانية في التسعينيات، في ظل القيود الأمريكية التي حدّت من استثمارات الشركات الأجنبية ونقل التكنولوجيا، ما أعاق تطوير القطاع على نطاق واسع، وأبقى الاستفادة من الغاز محصورة إلى حد كبير في السوق المحلية دون تحويله إلى مصدر رئيسي للصادرات أو العائدات.

بحلول عام 2010، أصبحت العقوبات الثانوية أكثر تشدداً وانتشاراً، إذ استهدفت بشكل مباشر القطاع المصرفي وقنوات التمويل والتجارة، في سياق تصاعد القلق الدولي من البرنامج النووي الإيراني.

وتوضح شاملو أن هذه العقوبات لم تقتصر على حرمان إيران من الوصول إلى الأسواق الأمريكية، بل جعلت التعامل معها محفوفاً بالمخاطر بالنسبة للشركات والمصارف في أوروبا وآسيا، بسبب الخشية من أن يؤدي أي تعامل مع إيران إلى فقدان الوصول إلى النظام المالي الأمريكي.

2012: بداية الركود التضخمي

تزامن ذلك مع تصاعد القلق الدولي بشأن البرنامج النووي الإيراني، في ظل اتهامات لها بعدم الإفصاح الكامل عن بعض الأنشطة النووية.

ورغم تأكيد طهران المتكرر أن برنامجها مخصص لأغراض سلمية، قادت الشكوك الدولية المتزايدة إلى فرض عقوبات أوروبية وأممية على إيران. وبحلول عام 2012 كانت إيران تخضع لحزمة واسعة من العقوبات الدولية، التي استهدفت قطاعات حيوية كالنفط والقطاع المصرفي.

شكّل عام 2012 نقطة تحوّل حاسمة في مسار الاقتصاد الإيراني، مع دخول العقوبات حيّز التنفيذ، ولا سيما حظر بيع نفط إيران لأوروبا وفصل بنوكها عن نظام الدفع الدولي "سويفت"، ما أدى إلى تراجع حاد في تدفقات العملة الصعبة وانهيار سريع في قيمة الريال.

وانعكس ذلك مباشرة على الأسعار، لترتفع معدلات التضخم إلى أكثر من 30 بالمئة في السنوات اللاحقة، ولا سيما في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد.

في مواجهة هذه الضغوط، وسّعت السلطات الدعم الحكومي ولجأت إلى تمويل العجز عبر المصرف المركزي، وهي إجراءات ساعدت في التخفيف المؤقت من الأعباء لكنها غذّت اختلالات أعمق وأسهمت في ترسيخ تضخم مرتفع ومزمن.

ويرى مدير برنامج إيران في مجموعة الأزمات الدولية، علي واعظ، أن عام 2012 دشّن مرحلة طويلة من الركود التضخمي ما زالت آثارها مستمرة، إذ أرهقت الشرائح الأفقر التي تمثل قاعدة اجتماعية تقليدية للنظام، وأسهمت في الوقت نفسه في تآكل الطبقة الوسطى مع تبخر المدخرات وغياب فترات تعاف حقيقية.

ويضيف واعظ أن الأزمة المناخية، ولا سيما الجفاف وتراجع الموارد المائية، فاقمت الضغوط الاقتصادية القائمة، إذ ضربت قطاعات حيوية مثل الزراعة، وزادت من هشاشة الأوضاع المعيشية في البلاد.

في الوقت نفسه، أسهم دعم الوقود، الذي أبقى أسعار البنزين والديزل في إيران من بين الأدنى عالمياً، في تنشيط تهريب المشتقات النفطية إلى دول مجاورة وبيعها بأسعار أعلى، ما شكّل استنزافاً للمالية العامة وأضعف فعالية الدعم في تحقيق أهدافه الاجتماعية.

اعتمدت الدولة الإيرانية كذلك نظام تعدد أسعار الصرف، لتوفير دولار مدعوم لاستيراد السلع الأساسية، في محاولة لحماية المستهلكين من تقلبات العملة.

لكن هذا النظام أتاح، بحسب نادرة شاملو، فرصاً كبيرة للاستفادة لمن يملكون النفوذ والقدرة على الوصول إلى الدولار المدعوم، مقابل اضطرار الغالبية للتعامل بأسعار السوق المرتفعة.

وتشير شاملو أن هذه التشوهات فتحت المجال أمام ما تصفه بـ "مافيا العقوبات". فبحسبها، أوجدت العقوبات، إلى جانب تعدد أسعار الصرف وقيود التجارة والتمويل، بيئة سمحت لجهات تمتلك النفوذ والقدرة على الالتفاف على القيود بالاستفادة من الفوارق السعرية وندرة السلع.

وتقول إن هذه الشبكات راكمت أرباحاً من خلال التحكم بقنوات الاستيراد والتمويل غير الرسمية، في وقت كانت فيه الغالبية تتحمل الكلفة المعيشية المباشرة للعقوبات.

"توابيت طائرة"

لم تقتصر تداعيات العقوبات على ارتفاع الأسعار، بل شملت أيضاً ندرة المواد. فرغم أن الأدوية والمواد الغذائية مستثناة نظرياً من العقوبات، إلا أن القيود المفروضة على النظام المالي والتجاري أدت إلى نقص الأدوية وارتفاع أسعارها، بما في ذلك أدوية السرطان والأمراض المزمنة.

وتوضح شاملو أن المشكلة لا تكمن في حظر استيراد الأدوية بحد ذاته، بل في صعوبة تنفيذ عمليات الدفع، إذ تتردد الشركات الأجنبية في التعامل مع إيران بسبب القيود المصرفية وتعقيدات التحويلات المالية، ما يجعل تأمين الأدوية أكثر كلفة وتعقيداً وأحياناً غير ممكن عملياً.

تداعيات العقوبات امتدت أيضاً لتشمل سلامة الطيران في إيران. فقد حرمت القيود المفروضة على التعاملات التجارية شركات الطيران الإيرانية من شراء طائرات جديدة أو قطع غيار، حتى بات بعض الإيرانيين يصفون طائراتهم بـ"التوابيت الطائرة" في ظل تقادم الأسطول وتكرار الحوادث المرتبطة بذلك.

جدل السياسات الإقليمية

في موازاة تشديد العقوبات وتدهور الأوضاع المعيشية، تحوّلت السياسات الإقليمية لإيران إلى موضع جدل اقتصادي داخلي متزايد. فقد رأى كثير من الإيرانيين المتضررين من الغلاء وتراجع المدخول أن تخصيص موارد لدعم حلفاء خارج الحدود جاء على حساب الإنفاق الداخلي، في وقت تتآكل فيه القدرة الشرائية وتتراجع فرص العمل.

وتشير تقارير وتقديرات بحثية متعددة إلى أن حجم الدعم الذي كانت تقدّمه إيران لجماعات حليفة لها في لبنان وغزة واليمن والعراق وصل في بعض السنوات إلى نحو مليار دولار سنوياً، يذهب القسم الأكبر منها إلى حزب الله اللبناني.

غير أن الكلفة الأثقل اقتصادياً، بحسب محللين، جاءت من الانخراط الإيراني في سوريا على مدى نحو عقد ونصف العقد من الزمن.

ومع سقوط نظام بشار الأسد في سوريا لاحقاً، تعزّز لدى قطاعات واسعة من الإيرانيين الشعور بأن هذا الاستثمار استُنزف دون عائد ملموس، في وقت كانت الأزمة الاقتصادية الداخلية تتفاقم.

في المقابل، يجادل مؤيدو النهج الإقليمي بأن هذا النفوذ وفّر لإيران هوامش سياسية وأمنية، وأحياناً اقتصادية في مواجهة العقوبات.

يشير هؤلاء إلى العراق تحديداً، إذ استفادت طهران من تعمّق نفوذها في عراق ما بعد صدام، حيث تشير تقارير إلى أن العراق شكّل في مراحل مختلفة إحدى قنوات الالتفاف على العقوبات عبر معاملات تجارية ومالية غير مباشرة، قبل أن تُشدّد الولايات المتحدة لاحقاً الرقابة على المصارف العراقية.

كما أوجدت واردات العراق من الكهرباء والغاز الإيراني (المستثناة من العقوبات الأمريكية) ترتيبات سمحت باستخدام جزء من هذه العائدات في تغطية احتياجات تجارية محددة لطهران.

الاتفاق النووي: نافذة أمل

منح توقيع الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى عام 2015 الاقتصاد الإيراني متنفساً مؤقتاً. إذ تشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي في إيران سجل نمواً استثنائياً في عام 2016 تجاوز 10 بالمئة، مدفوعاً بعودة صادرات النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية بعد رفع العقوبات.

كما تراجع معدل التضخم من مستويات تجاوزت 30 بالمئة في عام 2013 إلى خانة الأرقام الأحادية بحلول عام 2017، في حين شهد سعر الصرف قدراً من الاستقرار النسبي مقارنة بالسنوات السابقة.

غير أن هذه المكاسب بقيت محدودة ومتركزة إلى حد كبير في قطاع النفط، قبل أن تغلق هذه النافذة مجدداً مع انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018 وإعادة فرض العقوبات الأمريكية على طهران، بما فيها العقوبات الثانوية التي تستهدف تعاملات أطراف غير أمريكية مع إيران.

في ظل تشديد العقوبات، أصبحت الصين الوجهة الرئيسية لصادرات النفط الإيراني، التي تباع غالباً بخصومات كبيرة مقارنة بالأسعار العالمية. وتشير تقديرات غربية إلى أن جزءاً كبيراً من هذه الصادرات يتم عبر ما يعرف بـ"أسطول الظل"، مع صعوبات في وصول إيران إلى عائداتها، التي تستخدم أحياناً عبر آليات غير مباشرة مثل المقايضة أو الاستثمارات أو تحتجز خارج النظام المالي التقليدي.

جرت خلال السنوات اللاحقة عدة محاولات لإعادة إحياء الاتفاق النووي، لكنها باءت بالفشل. وسعت الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق، فرنسا وألمانيا وبريطانيا، إلى الحفاظ عليه عبر آليات تهدف إلى استمرار بعض أشكال التبادل التجاري مع إيران وحمايتها جزئياً من العقوبات الثانوية الأمريكية، إلا أن هذه الجهود بقيت محدودة الأثر، ولم تنجح في تعويض انسحاب واشنطن أو إعادة تدفقات الاستثمار والتمويل.

في المقابل، عادت إيران تدريجياً إلى توسيع أنشطتها النووية، بما في ذلك رفع مستويات تخصيب اليورانيوم، ما زاد من تعقيد المسار الدبلوماسي. كما تعثرت المفاوضات غير المباشرة مع إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن لإحياء الاتفاق، في ظل تطورات جيوسياسية أوسع وتباين عميق في مواقف الأطراف المعنية.

"انتحار سياسي"

ومع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2025، ازداد المشهد تعقيداً مع تشديد الولايات المتحدة تطبيق العقوبات وتصاعد حدّة لهجة واشنطن تجاه طهران.

وفي سبتمبر/أيلول 2025، فعّل الأوروبيون المشاركون في الاتفاق النووي آلية فض النزاع التي تسمح بإعادة فرض العقوبات على إيران، وهو ما أفضى إلى عودة العقوبات الأممية على طهران، وأعاد الضغوط الاقتصادية إلى مستويات أعلى، وأغلق فعلياً أي نافذة لتخفيف العقوبات في المدى المنظور.

أطلقت حكومة بزشكيان منذ 2024 إصلاحات اقتصادية محدودة شملت تعديل نظام الدعم ومراقبة الأسعار، لكنها واجهت تحديات واسعة وشكوكاً حول فعاليتها في كبح التضخم وتراجع المعيشة.

لكن نادرة شاملو تشير إلى أن أثر أي سياسات إصلاحية داخلية يبقى محدوداً، حتى عندما تكون مصممة بشكل تقني سليم، بسبب طبيعة الاقتصاد الإيراني نفسه. وتشير في هذا الإطار إلى كيانات اقتصادية برزت بعد الثورة تُعرف بـ"البنيادات"، وهي مؤسسات تعمل رسمياً تحت مظلة العمل الخيري لكنها تدير أصولاً وشركات ضخمة خارج إطار الموازنة والرقابة التقليدية. وتوضح أن جزءاً كبيراً من النشاط الاقتصادي "يقع خارج إطار الموازنة الرسمية وآليات الرقابة الحكومية، ولا يخضع للضرائب أو لقواعد الشفافية المعتادة".

وتقول شاملو إن دور هذه الكيانات توسّع خلال العقود الماضية لتتحول إلى "فاعل اقتصادي رئيسي في قطاعات متعددة"، مضيفة أنها "تحتكر في بعض الحالات أنشطة اقتصادية كاملة، وتشوه الأسعار والبنى التحتية للاقتصاد الإيراني"، ما يحد من قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد عبر أدواتها التقليدية ويقوّض أي محاولات إصلاحية من داخل النظام.

بدوره، يرى علي واعظ أن "الفساد في إيران بات متجذراً" إلى درجة تجعل أي محاولة إصلاح جدي تهديداً مباشراً لمصالح واسعة داخل النخبة السياسية والاقتصادية الحاكمة. ويضيف أنه "في ظل الضغوط الاجتماعية المتزايدة وتراجع شعبية الحكومة، فإن خوض مواجهة مع هذه النخب قد يرقى إلى انتحار سياسي".

ويخلص واعظ إلى أنه لا توجد مخارج سهلة أو سريعة من الأزمة الاقتصادية الإيرانية في إطار السياسات الحالية، موضحاً أن المشكلة لا ترتبط فقط برفع العقوبات، بل بالحاجة إلى إصلاحات هيكلية عميقة تتطلب إجراءات اقتصادية مؤلمة سيكون تنفيذها بالغ الصعوبة في ظل تراجع شرعية الحكومة في نظر قطاعات واسعة من الإيرانيين.

أما نادرة شاملو، فترى أن أي مسار حقيقي لإنقاذ الاقتصاد الإيراني يظل مرتبطاً في جوهره بتغيير جذري في السياسة الخارجية يسمح برفع العقوبات وإنهاء "حالة العداء المزمنة" مع الغرب. لكن في ظل تصاعد حدّة التوتر بين طهران وواشنطن، واشتراط الولايات المتحدة وقف إيران تخصيب اليورانيوم بشكل كامل كمدخل لأي اتفاق جديد، تستبعد شاملو إمكانية التوصل إلى تسوية في المدى المنظور. وترى أن القيادة السياسية الحالية "غير جاهزة" لاتخاذ الخطوة المطلوبة لإنهاء المواجهة أو إجراء التحول اللازم في السياسة الخارجية.

وعليه، تعتقد شاملو أن "تغييراً كبيراً بات قيد التشكل"، مؤكدة أنه بغض النظر عن الشكل الذي قد يتخذه هذا التغيير، فإنه سيكون مرتبطاً في نهاية المطاف "بتحول راديكالي في السياسة الخارجية الإيرانية" كمدخل لأي انفراج اقتصادي حقيقي.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
بي بي سي المصدر: بي بي سي
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا