كشفت دراسة دولية حديثة عن نتائج مذهلة تظهر أن العلامات الحيوية لمرض السكري من النوع الأول تظهر في دم الحبل السري للطفل عند الولادة.
وهذا الاكتشاف الذي نشرت تفاصيله في مجلة Nature Communications، قد يعيد كتابة فهمنا لبداية المرض، ويشير إلى أن المسار الالتهابي الذي يقود للإصابة يبدأ فعليا أثناء الحمل.
وحلل باحثون من جامعة لينشوبينغ السويدية وجامعة فلوريدا الأمريكية عينات دم الحبل السري لنحو 400 طفل ضمن دراسة الطويلة الأمد تسمى ABIS، والتي تابعت أكثر من 16 ألف طفل سويدي منذ ولادتهم في أواخر التسعينيات.
ومن خلال هذه العينات، التي يتم التخلص منها عادة بعد الولادة، حدد الفريق البحثي نمطا مميزا من البروتينات المرتبطة بالالتهاب والوظيفة المناعية لدى الأطفال الذين أصيبوا لاحقا بالسكري من النوع الأول.
وكانت النتيجة الأكثر لفتا للانتباه أن هذا النمط البروتيني التنبؤي ظهر بغض النظر عن العامل الجيني، أي حتى لدى الأطفال الذين لم يكن لديهم استعداد وراثي عال للمرض.
ووفقا للبروفيسور جوني لودفيغسون، قائد الدراسة، يمكن لهذا النمط التنبؤ بأكثر من 80% من الحالات التي ستصاب بالمرض في المستقبل.
وتقدم الدراسة رؤية جديدة تدمج بين دوري الجهاز المناعي وخلايا البنكرياس. وتقترح النظرية أن خلايا بيتا المنتجة للإنسولين في البنكرياس تكون تحت ضغط أو إجهاد ما أثناء الحمل، ربما بسبب عوامل التهابية أو استقلابية. وهذا الإجهاد يجعلها أكثر هشاشة وعرضة لهجوم الجهاز المناعي لاحقا، ما يؤدي في النهاية إلى تدميرها وظهور أعراض السكري.
وأكد الباحثون أن الدراسة لا تهدف إلى التنبؤ الفردي بمن سيمرض، بل لفهم الآليات البيولوجية المبكرة للمرض. وأوضحت الدكتورة أنجيليكا أهرينز، المؤلفة الرئيسية للدراسة، أن هذه النتائج لا تعني أن الإصابة بمرض السكري من النوع الأول "مصير حتمي" للطفل منذ ولادته. بل تكشف أن المسارات البيولوجية المؤدية للمرض تبدأ بالتكون في مرحلة مبكرة جدا من الحياة، وهي فترة ما تزال فيها أجهزة الجسم مرنة وقابلة للتعديل والتأثر بالعوامل المحيطة.
وأضافت الدراسة بعدا مهما يتمثل في تأثير العوامل البيئية. فقد وجد الباحثون أن بعض البروتينات المرتبطة بزيادة المخاطر قد تتأثر بتعرض الأم لمواد كيميائية ضارة مثل مركبات "المواد الكيميائية الأبدية (PFAS). وهذا يسلط الضوء على أن الوقاية من الأمراض المزمنة قد تتطلب سياسات مجتمعية وتشريعات للحد من التعرض للملوثات البيئية، وهي أمور خارجة عن سيطرة الفرد.
ويعد هذا البحث خطوة أولى نحو هدف أكبر، وهو تمكين الكشف المبكر جدا عن المرض، ما قد يفتح الباب أمام تدخلات وقائية قبل ظهور الأعراض بسنوات. كما يشير البروفيسور إريك تريبلت إلى الميزة الكبيرة لاعتماد تحليل دم الحبل السري، فهو عينة غير جارحة ولا تثير مخاوف الخصوصية المرتبطة بالفحص الجيني، ويمكن تخزينها لتحليلها في المستقبل.
باختصار، تحول هذه الدراسة النظرة إلى السكري من النوع الأول من كونه مرضا مناعيا يبدأ في الطفولة، إلى حالة تبدأ جذورها في بيئة الرحم، ما يضع الحمل والصحة العامة في مركز أي استراتيجية مستقبلية للوقاية.
المصدر: ميديكال إكسبريس
المصدر:
روسيا اليوم