قبل عقدين من الزمن، رفعت إيطاليا كأس العالم للمرة الرابعة في تاريخها، وكان دوريها يستقطب نخبة من أكبر نجوم كرة القدم في العالم، بينما غاب منتخبها الوطني لكرة القدم هذا العام عن كأس العالم للمرة الثالثة على التوالي، وفي موسم 2025-2026 لم يبلغ أي ناد إيطالي الدور نصف النهائي في أي من المسابقات الأوروبية الثلاث.
ويأتي هذا الفشل الرياضي رغم أن أندية الدوري الإيطالي حققت نحو 3 مليارات يورو من الإيرادات في موسم 2024-2025، ولدى إيطاليا 3 أندية بين أعلى 20 ناديا في العالم من حيث الإيرادات:
هذه المفارقة بين التراجع الرياضي واستمرار القوة الاقتصادية لدوري يُعد أحد الدوريات الخمسة الكبرى في أوروبا، تنقل السؤال إلى ما وراء المستطيل الأخضر:
ولفهم جذور الأزمة، يبدو السؤال المالي نقطة البداية: هل تراجعت إيطاليا كرويا لأنها لم تعد تملك المال الكافي لمنافسة كبار أوروبا؟
يكشف الإصدار الـ35 من التقرير السنوي لتمويل كرة القدم 2026، الصادر عن مجموعة أعمال الرياضة في ديلويت أن الدوري الإيطالي الممتاز حقق نموا في إيراداته الإجمالية بنسبة 4%، لتصل إلى 3 مليارات يورو خلال موسم 2024-2025.
لكنّ هذا النمو لا يتوزع بالتساوي بين أندية الدوري؛ إذ تستحوذ 3 أندية فقط، وهي يوفنتوس وإنتر ميلان وإيه سي ميلان، على 45% من إجمالي إيرادات الدوري الإيطالي (الكالتشيو)، بعدما كانت حصتها مجتمعة 39% في الموسم السابق.
وارتفعت عائدات يوم المباراة بنسبة 3% لتصل إلى 452 مليون يورو، مع تركز أكبر الزيادات لدى الأندية المشاركة في دوري أبطال أوروبا، كما ارتفعت الإيرادات التجارية بنسبة 8% إلى نحو مليار يورو .
بيد أن نمو إيرادات الدوري الإيطالي بنسبة 4% جاء أبطأ من وتيرة النمو المسجلة لدى عدد من منافسيه الأوروبيين، مثل إنجلترا وألمانيا وإسبانيا.
وتظهر مقارنة الدوري الإيطالي بنظرائه من الدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى في الموسم نفسه، فارقا واضحا في حجم الإيرادات:
ويظهر أحد القيود على نمو الإيرادات في حقوق البث المحلية الجديدة للدوري الإيطالي، إذ انخفض متوسط قيمتها السنوية بنحو 3% مقارنة بالدورة السابقة، وفق ديلويت.
تظهر هذه المقارنة أن إيرادات الدوري الإيطالي رغم نموها، لا تزال دون مستويات عدد من منافسيه الأوروبيين، كما أن وتيرة نموها كانت أبطأ خلال الموسم نفسه.
وبذلك لا يبدو السؤال متعلقا بحجم الإيرادات وحده، بل بقدرة الأندية الإيطالية على تنمية مصادرها بالسرعة نفسها التي يحققها المنافسون. فما الذي يحد من هذه القدرة؟
وإذا كانت حقوق البث تمثل أحد القيود، فإنها لا تفسر وحدها الفجوة مع المنافسين.
ففي الوقت الذي وسعت فيه أندية أوروبية مواردها من استغلال الملاعب والضيافة والأنشطة التجارية المرتبطة بها، تكشف بيانات الاتحاد الإيطالي للعبة عن تعثر واضح في تحديث الملاعب وتنميتها، ما يفتح بابا آخر لفهم الفجوة المالية، ويقود إلى أحد أكثر أوجه الأزمة الاقتصادية لكرة القدم الإيطالية وضوحا.
تتجه أندية أوروبية من نموذج الملعب المنفرد إلى مفهوم "الأحياء الرياضية المتكاملة"، بحيث يصبح الملعب نواة لمشروع متعدد الاستخدامات يضم التجزئة والضيافة والسكن والترفيه، بهدف تنويع الإيرادات وتقليل الاعتماد على عائدات يوم المباراة وحقوق البث، وفق تقرير "ديلويت" السنوي لتمويل كرة القدم 2026.
وتجلى هذا التوجه في إسبانيا من خلال التشغيل التجاري الموسع لملعب "سانتياغو برنابيو"، فيما استفاد برشلونة من ترتيبات "تراخيص المقاعد الشخصية" المرتبطة بالملعب المعاد تطويره، التي حققت للنادي دخلا استثنائيا بنحو 70 مليون يورو (نحو 75 مليون دولار). وفي إنجلترا، أعاد "فولهام" افتتاح مدرج "ريفرسايد" الموجه تجاريا.
ووفق تقرير ديلويت المالي للأندية (Deloitte Football Money League) ارتفعت عائدات يوم المباراة، في موسم 2024-2025 إلى 2.4 مليار يورو (نحو 2.6 مليار دولار)، بزيادة 16% عن الموسم السابق.
وفي إنجلترا، تجاوزت عائدات يوم المباراة لأندية الدوري الممتاز مليار جنيه إسترليني (نحو 1.3 مليار دولار) للمرة الأولى في موسم 2024-2025، بعدما ارتفعت بنحو 133 مليون جنيه ، مع زيادات في أسعار التذاكر وتحسين تجارب المشجعين داخل الملاعب.
وحقق ريال مدريد وحده 233 مليون يورو من عائدات يوم المباراة في الموسم ذاته، ورغم أن الرقم يمثل انخفاضا بنسبة 6% مقارنة بالموسم السابق، فإنه ظل ثاني أعلى عائد من يوم المباراة يسجله ناد في تاريخ تصنيف ديلويت.
في المقابل، يكشف تقرير للاتحاد الإيطالي لكرة القدم عن تأخر واضح في البنية التحتية للملاعب، إذ لا تتجاوز نسبة الملاعب غير المملوكة للقطاع العام 8% من ملاعب كرة القدم الاحترافية في البلاد.
وتكتسب مسألة توظيف أصول الملاعب أهمية اقتصادية متزايدة، في وقت ترصد فيه "ديلويت" اعتماد الأندية الأوروبية الكبرى بصورة أكبر على استثمار الملاعب ومحيطها في غير أيام المباريات لتوسيع إيراداتها التجارية.
وتكشف طريقة تمويل عملية تحديث المنشآت الرياضية الإيطالية تحديا آخر، حيث قال وزير الرياضة والشباب الإيطالي أندريا أبودي في أبريل/نيسان الماضي إن نحو 3.5 مليارات يورو من الاستثمارات القابلة للتعبئة في مشروعات ملاعب قيد المسار الإداري تعتمد على تمويل خاص، بينما يظل التمويل العام محدودا ويتركز في المشروعات ذات المبادرة العامة.
يأتي ذلك بعد سنوات من التأخر الاستثماري؛ فبحسب الاتحاد الإيطالي، لم تشيد البلاد سوى 6 ملاعب جديدة بين عامي 2007 و2024، ولم تستحوذ إلا على 1% من إجمالي الاستثمارات الأوروبية في الملاعب خلال الفترة، فيما يبلغ متوسط عمر ملاعب الدوري الإيطالي الممتاز نحو 56 عاما.
وتعيد استضافة إيطاليا و تركيا المشتركة لبطولة أمم أوروبا 2032 ملف الملاعب إلى الواجهة، لتضعه في صدارة الأولويات، فهل تتحول البطولة إلى فرصة لإعادة بناء اقتصاد الملاعب الإيطالية، بعد نحو عقدين من ضعف الاستثمار وتأخر تحديث المنشآت؟
لا تتوقف مشكلة الكرة الإيطالية عند قدرتها على زيادة الإيرادات؛ فرغم نمو الإيرادات بوتيرة أسرع من التكاليف خلال السنوات الأخيرة، لا تزال موارد منظومة كرة القدم الإيطالية الاحترافية غير كافية لتغطية تكاليفها، بحسب الاتحاد الإيطالي لكرة القدم.
وبحسب تقرير 2025 الصادر عن الاتحاد الإيطالي، سجلت أندية الدرجات الاحترافية الثلاثة خسائر مجمّعة بلغت 731 مليون يورو في موسم 2023-2024، بينما بلغ إجمالي ديون الأندية الاحترافية 5.5 مليارات يورو في الموسم نفسه.
ولا تبدو هذه الخسائر ظاهرة مرتبطة بموسم واحد؛ فمنذ موسم 2007-2008، راكمت أندية الدرجات الاحترافية الثلاثة خسائر بنحو 9.3 مليارات يورو ، فيما أغلقت 80% من القوائم المالية التي حللها الاتحاد خلال 17 عاما بخسائر.
وخلال الفترة نفسها، ارتفع إجمالي الديون من 2.4 مليار يورو في موسم 2007-2008 إلى 4.8 مليارات يورو قبيل جائحة كورونا، ثم إلى 5.5 مليارات يورو في 2023-2024.
مع ذلك، تظهر البيانات تحسنا خلال السنوات الأخيرة؛ فبين موسمي 2021-2022 و2023-2024 ارتفعت الإيرادات بنسبة 32.3%، مقابل زيادة بنسبة 7.2% في التكاليف التشغيلية، مما ساعد في خفض الخسائر من نحو 1.4 مليار يورو إلى 731 مليون يورو .
وتكشف أحدث أرقام الدوري الإيطالي الممتاز لماذا لم يؤد نمو الإيرادات بعد إلى تحقيق توازن مالي كامل.
فبحسب التقرير السنوي لتمويل كرة القدم 2026، الصادر عن ديلويت، حققت أندية الدوري الإيطالي الممتاز نحو 3 مليارات يورو من الإيرادات في موسم 2024-2025، في حين بلغت تكاليف الأجور نحو ملياري يورو، وارتفعت التكاليف التشغيلية الأخرى إلى نحو مليار يورو، ليقتصر الربح التشغيلي المجمع على نحو 9 ملايين يورو.
ومع ذلك، أنهت أندية الدوري الإيطالي الممتاز الموسم بخسائر مجمعة قبل الضرائب بلغت نحو 300 مليون يورو، بانخفاض 18% عن الموسم السابق.
وفي مؤشر آخر على تكاليف سوق اللاعبين على مستوى كرة القدم الاحترافية، يقول الاتحاد الإيطالي إن ما دفعته الأندية للوكلاء تجاوز 300 مليون يورو في 2025، مسجلا أعلى مستوى على الإطلاق، مع زيادة مهمة شملت أيضا أندية الدرجات الثانية والثالثة إلى جانب دوري السيدات المحترف.
ومع ارتفاع الأجور والعمولات واستمرار الضغوط المالية، هل تصبح الحلول قصيرة الأجل في سوق الانتقالات أكثر جاذبية من الاستثمار طويل الأمد في تكوين اللاعبين المحليين ومنحهم فرص اللعب؟
يربط الاتحاد الإيطالي بين عدم الاستدامة المالية للمنظومة وبعض خياراتها في سوق اللاعبين، إذ يرى أن الأندية تفضل، في بعض الحالات، التعاقد مع لاعبين من الخارج يكونون أقل كلفة ويخضع تسجيلهم لقيود تنظيمية أقل.
وتظهر بيانات مرصد كرة القدم التابع للمركز الدولي للدراسات الرياضية "سي آي إي إس" (CIES) أن إيطاليا تأتي أوروبيا خلف فرنسا وإسبانيا والبرتغال وهولندا وإنجلترا وألمانيا في إجمالي الإيرادات المتحصل عليها خلال العقد الأخير من الانتقالات الدولية للاعبين الذين جرى تكوينهم محليا.
وعلى مستوى الأندية، لا يظهر ضمن أفضل 50 أكاديمية عالميا من حيث العوائد خلال عقد من الزمن من بيع اللاعبين الذين جرى تكوينهم داخل النادي، سوى أتالانتا ويوفنتوس من إيطاليا، وجاء إنتر ميلان في المرتبة الـ53، وفق بيانات "سي آي إي إس" التي أوردها الاتحاد الإيطالي.
وحل الكالتشيو في المرتبة 49 من أصل 50 دوريا شملها تحليل مرصد "سي آي إي إس"، من حيث نسبة الدقائق التي خاضها لاعبون تحت 21 عاما مؤهلون لتمثيل المنتخب الوطني خلال عام 2025، إذ لم تتجاوز حصتهم 1.9% من إجمالي دقائق اللعب.
وبلغت النسبة 7.8% في الدوري الفرنسي، وهي العليا بين الدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى.
وتصبح الصورة أوضح عند النظر إلى تركيبة اللاعبين في الدوري، فبحسب تقرير الاتحاد الإيطالي المنشور في أبريل/نيسان 2026، استحوذ اللاعبون غير المؤهلين لتمثيل المنتخب الإيطالي، وقت إعداد التقرير، على 67.9% من إجمالي دقائق اللعب في الدوري الإيطالي الممتاز، مقابل 39.6% في إسبانيا و48.3% في فرنسا.
ولا تثبت هذه الأرقام وحدها أن محدودية مشاركة اللاعبين المحليين هي سبب ضعف العائد من الأكاديميات، لكنها تطرح سؤالا حول قدرة الأندية الإيطالية على تحويل التأهيل إلى قيمة اقتصادية؛ وتوثق بيانات مركز "سي آي إي إس" الفارق الكبير بين الدوريات والأندية في إيرادات بيع اللاعبين المتكونين محليا، في وقت تسجل فيه أندية الدوري الإيطالي الممتاز واحدة من أدنى نسب دقائق اللعب للاعبين تحت 21 عاما المؤهلين لتمثيل إيطاليا.
وبذلك تطرح البيانات سؤالا حول مدى قدرة الأندية الإيطالية على تحويل التكوين إلى قيمة رياضية واقتصادية، قياسا بالنماذج الأوروبية التي تحقق عوائد أكبر من بيع اللاعبين الخاضعين للتكوين محليا.
تكشف قراءة الأرقام أن أزمة كرة القدم الإيطالية لا تُختزل في غياب المال؛ فالدوري الإيطالي الممتاز لا يزال يحقق إيرادات بمليارات اليوروهات، وتضم إيطاليا أندية بين الأعلى إيرادا في العالم.
لكنّ المقارنة الأوروبية تظهر نموا أبطأ للموارد مقارنة بعدد من المنافسين، فيما تكشف البنية القديمة للملاعب وتأخر الاستثمار فيها عن فجوة أخرى، وتستمر الخسائر والديون رغم التحسن المالي المسجل خلال السنوات الأخيرة.
وبينما تستعد إيطاليا مع تركيا لاستضافة يورو 2032، سيكون الاختبار الاقتصادي أبعد من نجاح البطولة نفسها؛ فهل تستطيع كرة القدم الإيطالية استغلال السنوات المقبلة لتطوير نموذجها الاقتصادي وتقليص الفجوة مع منافسيها، أم يستمر تدفق المليارات من دون أن يُترجَم إلى استعادة للوهج الرياضي؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة