في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بعد 3 سنوات على اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل/نيسان 2023، لم تعد الخسائر تقتصر على ما دمرته المعارك في البنية التحتية والمصانع والمرافق العامة، بل امتدت إلى طبقات أعمق من الاقتصاد والمجتمع، تشمل اتساع رقعة الفقر، وتضاعف البطالة، وتبدل أنماط كسب العيش، وتعطل مشاريع استراتيجية، وفقدان أسواق خارجية، وضياع سنوات دراسية على أجيال كاملة.
هذه الكلفة المزدوجة، بين خسائر مباشرة وأخرى غير منظورة، تظهر في إفادات وزراء ومحللين اقتصاديين للجزيرة نت، وفي تقارير حكومية تتحدث عن دمار واسع طاول القطاعين العام والخاص، وعن فرص تنموية تعطلت في لحظة كان السودان يحتاج فيها إلى توسيع قاعدة إنتاجه واستعادة توازنه الاقتصادي.
يقول وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية السوداني معتصم أحمد صالح إن الحرب لم تخلّف خسائر مادية مباشرة فقط، بل أفرزت آثارا عميقة ستستمر لسنوات، على رأسها اتساع دائرة الفقر والبطالة وتغير أنماط كسب العيش لدى ملايين السودانيين.
وحسب التقديرات التي أوردها صالح، ارتفعت نسبة الفقر في السودان من نحو 40% إلى 45% قبل الحرب إلى أكثر من 65% إلى 70% حاليا، نتيجة توقف النشاط الاقتصادي في ولايات رئيسية، وفي مقدمتها الخرطوم، وتعطل سلاسل الإنتاج والخدمات، واتساع النزوح، وفقدان مصادر الدخل.
ويضيف أن معدلات البطالة تضاعفت مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، خاصة في القطاعات الحضرية والخدمية، بعد فقدان ملايين العاملين وظائفهم في القطاعين العام والخاص، إلى جانب تأثر القطاع غير المنظم الذي يمثل في الأصل النسبة الأكبر من قوة العمل في السودان.
هذا التحول، بحسب الوزير، دفع أعدادا كبيرة من المواطنين إلى أنشطة اقتصادية اضطرارية وهامشية، مثل العمل اليومي غير المستقر، والتجارة الصغيرة محدودة الدخل، والخدمات المؤقتة، والهجرة الداخلية والخارجية بحثا عن سبل العيش. ويرى أن هذه التحولات تمثل من أخطر الآثار غير المرئية للحرب، لأنها تضرب الاستقرار الاجتماعي مباشرة، وتقلص فرص التعافي الاقتصادي لاحقا، وتضاعف الضغوط على شبكات الحماية الاجتماعية والخدمات الأساسية.
ويشير صالح إلى أن وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية تعمل ضمن برامج الحكومة على توسيع شبكات الحماية الاجتماعية، ودعم التدريب المهني وبرامج كسب العيش، باعتبارها أدوات أساسية لإعادة إدماج المتضررين في النشاط الاقتصادي خلال مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.
على مستوى الخسائر المباشرة، يكشف تقرير حكومي صادر عن وزارة الصناعة والتجارة السودانية عن دمار أصاب البنى التحتية والمناطق الصناعية الحكومية في ولايتي الخرطوم والجزيرة، إلى جانب ولايات دارفور وكردفان، التي خرجت من دائرة الإنتاج بفعل الحرب.
ويقول رجل الأعمال ورئيس اتحاد أصحاب العمل السوداني معاوية البرير إن القطاع الخاص تكبد خسائر فادحة، قدرت في القطاع الصناعي وحده بأكثر من 50 مليار دولار، شملت تدمير المصانع والمعدات وأجهزة التحكم والشبكات الإلكترونية، إلى جانب نهب المواد الخام والمنتجات الجاهزة.
ويضيف أن القطاع الزراعي لم يكن بمنأى عن هذه الخسائر، إذ تقدر خسائره بنحو 30 مليار دولار، شملت محطات الري والآلات والمولدات والمحاصيل. كما تلقى قطاع الخدمات والبنوك ضربات قاسية، بفعل تركز معظم الناتج المحلي والثروة الاقتصادية في العاصمة الخرطوم التي تأثرت بشدة بالحرب.
وفي هذا السياق، سبق أن قال وزير المالية والتخطيط الاقتصادي جبريل إبراهيم، في حديث مع الجزيرة نت، إن خسائر الحرب في البنية التحتية والمرافق العامة والمصانع والشركات والممتلكات الخاصة والعامة، إلى جانب تكلفة الفرص الضائعة، قد تصل إلى مئات المليارات من الدولارات.
كما أشار إلى أن إيرادات الدولة تراجعت بشدة في الفترة التي تلت الحرب مباشرة، مع توقف التحصيل الإلكتروني بنسبة 90%، وانخفاض إنتاج النفط والذهب إلى مستويات مقلقة. وفي الاتجاه نفسه، أوضح تقرير وزارة الصناعة والتجارة أن الحرب تسببت في تشريد العمالة وتوقف مصادر دخلها، كما خلقت فجوات كبيرة في الإنتاج الصناعي للسلع الأساسية، في وقت بلغ فيه عدد المنشآت الصناعية المتضررة في ولاية الخرطوم وحدها نحو 3493 منشأة صناعية متوسطة وكبيرة.
ورغم أن بعض التقديرات ترفع إجمالي الخسائر الاقتصادية إلى نحو 600 مليار دولار، فإن محللين اقتصاديين يرون أن الوصول إلى رقم نهائي دقيق يظل أمرا صعبا في ظل استمرار الحرب وتعذر وصول فرق التقييم إلى جميع المناطق المتأثرة.
بعيدا عن الأصول المدمرة، تظهر كلفة الحرب في مساحات أخرى أقل وضوحا، لكنها أعمق أثرا على المدى الطويل. ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور عادل عبد العزيز إن من أبرز الخسائر غير المنظورة فقدان عدد من الأسواق الخارجية للصادرات السودانية، بعد أن كانت السلع النباتية والحيوانية تتجه بانتظام إلى دول الخليج والصين والهند ومصر، لكن الحرب أوقفت انسياب هذه الصادرات بصورة شبه كاملة، ما دفع المستوردين إلى البحث عن موردين آخرين، وهو ما يعني أن استعادة هذه الأسواق وسلاسل التوريد ستحتاج إلى سنوات.
ويضيف أن الخسائر غير المنظورة تشمل أيضا توقف أو تأخر التطور الطبيعي لمشاريع كبرى، مثل مشروع إدخال الطاقات الجديدة والمتجددة لإنتاج الكهرباء من الرياح والطاقة الذرية، الذي كان يفترض أن يدخل دائرة الإنتاج بحلول 2030، لكن الحرب أرجأت هذا المسار لسنوات إضافية.
ومن الفرص التي تعطلت أيضا، بحسب عبد العزيز، بدء العمل الفعلي في حقل "الراوات" النفطي جنوب مدينة كوستي، إذ كان مطلوبا ضخ نحو 500 مليون دولار لبدء إنتاج 60 ألف برميل يوميا، على أن يرتفع تدريجيا إلى 100 ألف برميل.
ولا تتوقف الكلفة غير المرئية عند الاقتصاد وحده، بل تمتد إلى التعليم وسوق العمل، فاستمرار الحرب، كما يقول عبد العزيز، تسبب في فقدان الطلاب في المدارس والجامعات عددا من السنوات الدراسية، ما يعني خسارة شخصية للطلاب وأسرهم، وخسارة جزء معتبر من الناتج المحلي الإجمالي بسبب خروج أعداد كبيرة من الشباب من سوق العمل أو تأخر دخولهم إليه.
في المحصلة، تكشف 3 سنوات من الحرب في السودان أن الخطر لا يكمن فقط في ما دمرته المعارك، بل أيضا في ما عطلته من فرص، وما أحدثته من تشوهات يصعب قياسها فوريا. فكل يوم إضافي من الحرب لا يضيف خسائر جديدة إلى الحاضر فقط، بل يخصم كذلك من قدرة البلاد على استعادة اقتصادها حين تتوقف المعارك.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة