سمعة الذهب خلال العام الماضي باعتباره الملاذ الأول في أوقات الأزمات تتعرض لضربة قوية، مع اشتعال الحرب في الشرق الأوسط وتهديدها بالاتساع، فيما تتعرض الأسواق المالية لضغوط شديدة.
هوى سعر الذهب الفوري إلى أدنى مستوى له في عام 2026 قرب 4.100 دولار في تعاملات الاثنين المبكرة، قبل أن يعاود الارتفاع الحاد متجاوزا 4.400 دولار، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه يؤجل لخمسة أيام توجيه غارات عسكرية ضد محطات توليد الطاقة في إيران، إثر "محادثات جيدة ومثمرة للغاية" مع طهران؛ ما يعني تقلبا بنحو 300 دولار خلال ساعات قليلة.
ورغم ذلك، فقد المعدن الأصفر أكثر من 20% من قيمته منذ أن سجل مستوى قياسيا بلغ 5.594,82 دولار للأونصة في 29 كانون الثاني/يناير.
أما الفضة، فقد فقدت ما يقرب من نصف قيمتها منذ أن لامست في كانون الثاني/يناير أعلى مستوى تاريخي لها عند 121,67 دولارا، في واحدة من أعنف موجات الهبوط التي يشهدها هذا المعدن النفيس في تاريخه الحديث.
وتراجع سعر الفضة الفورية بنسبة 8,9% إلى 61,76 دولارا، وهو أدنى مستوى لها منذ بداية العام، وما يقرب من نصف مستواها البالغ 117 دولارا في 28 شباط/فبراير، عندما اندلعت الحرب في إيران.
هذه الموجة من عمليات البيع غير البديهية أربكت المستثمرين الذين اندفعوا إلى اقتناء المعادن النفيسة توقعا لصمودها.
وتراجع الدولار أمام اليورو عقب تصريحات ترامب، ليتداول بعد ظهر الاثنين حول 1,1572 دولار لليورو الواحد، بينما صعد الجنيه الإسترليني إلى نحو 1,3341 دولار. وتداول الين الياباني قرب 159,47 ينا للدولار.
يُنظر إلى صدمة النفط على أنها السبب الرئيسي لما يجري. فمع تجاوز سعر الخام عتبة 100 دولار للبرميل، ترتفع عائدات السندات ويزداد الدولار الأمريكي قوة، ما يجعل المعادن النفيسة أقل جاذبية بكثير للمستثمرين الذين يستعدون لمواجهة أسعار فائدة أعلى.
وخرج الدولار كأحد أوضح المستفيدين كعملة ملاذ آمن، مع ارتفاع قيمته بأكثر من 2% منذ بداية الشهر.
بالنسبة لأصل لا يدر عائدا مثل الذهب، تشكل هذه التطورات ضربة مزدوجة.
كما أن توقعات ارتفاع أسعار الفائدة على خلفية الحرب تعزز الإقبال على السندات الحكومية بين المستثمرين، على حساب المعادن النفيسة.
ومع ذلك، يحث محللون متمرسون على الحذر قبل إعلان انتهاء قصة الذهب.
يشير رس مولد، مدير الاستثمار في شركة "AJ Bell"، إلى أن الذهب يقف في خضم ثالث اتجاه صعودي رئيسي له منذ عام 1971، وأن الاتجاهين الصعوديين السابقين شهدا أيضا تقلبات حادة تعصر الأعصاب.
وقال مولد: "لا بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول ولا قوة الدولار الإضافية يساعدان في تعزيز الحالة الاستثمارية للمعادن النفيسة، لكن موجتي الصعود بين عامي 1971-1980 و2001-2010 شهدتا أيضا عدة فترات تراجع لم تُفشل في النهاية تحقيق مكاسب كبيرة".
وأضاف: "لذا قد يكون من المبكر جدا التخلي عن الذهب الآن".
فخلال موجة الصعود الأولى، التي أطلق شرارتها قرار ريتشارد نيكسون فك ارتباط الدولار بمعيار الذهب في عام 1971، قفز الذهب من 35 دولارا إلى ذروة بلغت 835 دولارا للأونصة بحلول كانون الثاني/يناير 1980، لكن بعد مروره بثلاث موجات هبوط صغيرة وخمس موجات تصحيح بنسبة 10% أو أكثر خلال الطريق.
أما الموجة الثانية، التي بدأت في عام 2001 وسط ركام فقاعة "الدوت كوم" وتسارعت خلال أزمة المال العالمية في 2008، فلم تكن أقل تقلبا، إذ شهدت سوقين هابطتين وخمس موجات تصحيح أخرى بنسب مئوية من رقمين، قبل أن يبلغ الذهب ذروته قرب 1.900 دولار في عام 2011.
ولم تكن الموجة الصعودية الثالثة أكثر سلاسة.
وقال مولد إن "انخفاضا بأكثر من 20% فاجأ بعض المتفائلين في عام 2022 مع خروج العالم من الإغلاقات، كما أن التصحيحات التي تجاوزت 10% في أعوام 2016 و2018 و2020 و2021 و2023 حذرت من أن التقلب لم يكن بعيدا في أي وقت".
المفارقة في قلب موجة البيع الحالية هي أن الأزمة ذاتها التي كانت ستدفع المستثمرين سابقا إلى التزاحم على شراء الذهب باتت تعمل ضده اليوم.
فارتفاع أسعار النفط يغذي المخاوف من التضخم، وهذه المخاوف تغذي بدورها توقعات رفع أسعار الفائدة، فيما تجعل أسعار الفائدة المرتفعة الذهب، الذي لا يدر أرباحا موزعة ويكلف مالا للاحتفاظ به، أقل جاذبية.
وقال مولد: "قد تكون مكانة الذهب كملاذ آمن قد تضررت الآن في نظر البعض، إذ إن سعر هذا المعدن النفيس يتراجع حتى في وقت تعصف فيه الحرب بالشرق الأوسط والأسواق المالية معا".
لكن ليس الجميع مقتنعا بأن زمن المعدن النفيس قد ولى.
فالتضخم وحالة الركود التضخمي في سبعينيات القرن الماضي، التي أشعلتها جزئيا صدمتا النفط في عامي 1973 و1979، جعلا الذهب في نهاية المطاف خيار الاستثمار الأبرز في محافظ تلك الحقبة.
وقد يعيد صراع طويل الأمد يضغط على أوضاع المالية العامة للحكومات – من خلال رفع كلفة الإنفاق الاجتماعي وخفض الإيرادات الضريبية، فوق قفزة في الإنفاق الدفاعي – إحياء هذا السيناريو.
وإذا ما ردت البنوك المركزية على الركود بخفض جديد لأسعار الفائدة وإطلاق جولات أخرى من التيسير الكمي، فإن الحجة لصالح الذهب كملاذ لحفظ القيمة ستعود بقوة.
وختم بالقول: "إن الحرب في إيران وتأثيرها في أسعار النفط والغاز تؤجج المخاوف من التضخم، وكيف يمكن أن تدفع البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة".
المصدر:
يورو نيوز