لا يقتصر أثر الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران على أسواق النفط والغاز، بل يمتد إلى مواد إستراتيجية أقل ظهورا لكنها شديدة الحساسية، وفي مقدمتها غاز الهيليوم، الذي يشكّل ركيزة أساسية لصناعات التكنولوجيا المتقدمة وأشباه الموصلات والرعاية الصحية.
وقد أدت الضربات التي استهدفت منشآت الغاز في جنوب إيران، إلى جانب اضطرابات عمليات المعالجة في قطر، إلى تصاعد المخاوف بشأن إمدادات الهليوم عالميا، في وقت أعلنت فيه شركة "قطر للطاقة" توقفا مؤقتا للإنتاج وحالة " القوة القاهرة" على الشحنات.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة مع كون قطر تزود العالم بنحو 20% من حاجته من الغاز الطبيعي المسال، مما يجعل أي خلل في إنتاجها أو صادراتها ذا أثر مضاعف على سلاسل الإمداد المرتبطة بالغاز ومشتقاته.
الهيليوم مورد غير متجدد، يتكوّن عبر عمليات جيولوجية تمتد لملايين السنين، ويُستخرج غالبا منتجا ثانويا من الغاز الطبيعي. وبمجرد إطلاقه في الغلاف الجوي، يتسرب إلى الفضاء، مما يجعل إعادة التقاطه أو تدويره محدودة للغاية، وفقا لمنصة "فيجيوال كابيتاليست".
ويفسر هذا الارتباط الوثيق بين الغاز الطبيعي والهيليوم حساسية الإمدادات لأي اضطراب في إنتاج الغاز، إذ يؤدي تعطل سلاسل المعالجة أو التسييل إلى تقلص مباشر في الكميات المتاحة من الهليوم عالميا.
تكمن أهمية الهيليوم في خصائصه الفيزيائية الفريدة، مثل انخفاض درجة غليانه وخموله الكيميائي، مما يجعله عنصرا لا غنى عنه في تطبيقات لا يمكن للغازات الأخرى أن تحل محلها بسهولة، وفقا لمنصة "إير ليكويد" وهيئة الإذاعة البريطانية.
بلغ الإنتاج العالمي من الهيليوم نحو 190 مليون متر مكعب عام 2025، وفق هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، تصدّرت الولايات المتحدة إنتاجه بـ81 مليون متر مكعب، تلتها قطر بنحو 63 مليون متر مكعب.
ورغم محدودية حجم السوق مقارنة بالنفط والغاز، فإن أهميته الإستراتيجية مرتفعة نظرا لاعتماده في صناعات عالية القيمة، إضافة إلى أن هيكل السوق يعتمد بدرجة كبيرة على عقود طويلة الأجل، مما يجعل تفاعل الأسعار مع الصدمات أقل فورية، لكنه أكثر حدة عند استمرارها.
تشير البيانات إلى بداية انعكاس الاضطرابات الحالية على الأسعار، فوفق فيل كورنبلث، تضاعفت الأسعار الفورية منذ بدء الحرب، بينما أشار أنيش كاباديا إلى ارتفاع بنحو 50%، مع احتمال إعادة اختبار مستويات تجاوزت 2000 دولار لكل ألف قدم مكعب، مقارنة بمتوسط 330 دولارا في 2025.
كما قدّر ألكسندر رومانينكو أن:
تعكس الاحتياطيات تركّزا جغرافيا واضحا، مما يزيد حساسية السوق للصدمات الإقليمية. وأكثر الدول من حيث احتياطيات الهليوم هي:
تكشف التطورات أن تأثير الحرب لا يتوقف عند الطاقة، بل يمتد إلى مدخلات صناعية حيوية. فارتفاع أسعار الهيليوم وتراجع الإمدادات قد يضغطان على سلاسل التوريد في قطاعات التكنولوجيا والرعاية الصحية، مع احتمالات انتقال التأثير تدريجيا إلى تكاليف الإنتاج، خصوصا في صناعة أشباه الموصلات.
وفي ظل محدودية البدائل وصعوبة زيادة الإنتاج بسرعة، تصبح سوق الهليوم نقطة اختناق محتملة في الاقتصاد العالمي، تعكس كيف يمكن لصراع جيوسياسي أن يعيد تشكيل توازنات سلاسل الإمداد في قطاعات تبدو بعيدة ظاهريا عن ساحات الحرب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة