يوحي عنوان رواية "خمس منازل لله وغرفة لجدتي"، للكاتب والطبيب اليمني مروان الغفوري، بانطباع مشوش للقارئ العربي، قبل أن يكتشف أن الكاتب يقصد المقامات والدرجات التي تؤدي إلى الله، أو منازل القرب منه.
والرواية الصادرة عن دار "الساقي" في بيروت، التي وصلت إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية، تشتبك مع الواقع السياسي والاجتماعي وتطرح أسئلة بالغة الدقة والحساسية في مجتمع يمني محافظ. ويؤرخ الغفوري لنشاط الحركات الإسلامية التي تنافست فيما بينها لجذب الأنصار في حقبة التسعينيات من القرن الماضي.
والغفوري روائي وطبيب يمني من مواليد محافظة تعز عام 1979، حصل على البكالوريوس في الطب العام والجراحة من جامعة عين شمس عام 2006.
صدرت له أعمال شعرية وروائية عدة، أبرزها "الخزرجي" و"جدائل صعدة" و"طريق الحوت"، وفازت مجموعته الشعرية "ليال" بجائزة الشارقة للإبداع العربي عام 2024.
في هذا الحوار مع الجزيرة نت، نقترب من كواليس روايته الأخيرة ومواقفه من الأدب والدين والرقابة وقضايا المجتمع اليمني.
هذه الرواية هي رحلة في اللاهوت، بطلها -أو راويها- طالب في الثانوية العامة يقول "نعم" لكل شيء، ويشترك مع شخصية "عبد ربه التائه" (التي ختم بها نجيب محفوظ حياته) في تصالحه مع نفسه وفي تيهه؛ لكنه ذلك التيه الثري الغزير.
أدعي أن اليافع "أبو حرب" في هذه الرواية قد وضعنا في مكان استطعنا من خلاله أن نرى بوضوح خمسة منازل يجلس فيها العباد ويعبدون خالقهم: بماذا وكيف يفكرون؟ ما علاقتهم بالكتاب والمرأة والعالم؟ وكيف يضحكون؟
صودر الكتاب بالفعل من معارض دولية عدة في سياق عنيف، لكن لا الكاتب ولا الناشر يريدان جعل المصادرة مادة للضجيج.
ما أعرفه وتؤكده خبرتي أن دور النشر العربية تتعامل بحذر مع جهاز الرقابة العربي؛ فهي في نهاية المطاف تعرف أن الكتاب بضاعة ولا بد لها من الوصول إلى السوق. يعيش الناشر العربي وضعا صعبا، ويعلم أن تحرشه بالرقابة -شكلا أو مضمونا- قد يفاقم وضعه المالي.
بعض دور النشر، خصوصا تلك التي وصلت متأخرة إلى السوق، تغامر من وقت لآخر وفقا لحسابات معينة، وقد تضع عناوين تحول العمل من فضاء فلسفي معرفي إلى بضاعة ممنوعة.
تاريخ صناعة النشر العربي في القرن العشرين حافل بعناوين صادمة، وهي عناوين أثرت على سمعة النص نفسه. ففي ثقافة "الجواب باين من عنوانه" قد تُرفع ضدك حتى دعوى بسحب جنسية.
إن الإثارة كانت وستبقى جزءا من هذه الصناعة، والعنوان أحد أشكالها، غير أن الكتاب لم يكن قد تحول إلى بضاعة بحتة كما هو الآن؛ مما يعني أنه لم يعد مادة للتنوير و"الهدم والبناء" بالتعبير النيتشوي، بل لكسب العيش، ويخضع لشروطه.
وحتى على مستوى المتن، فالرواية صارت تُكتب بالطريقة ذاتها كما لو أن محررها واحد؛ فالناشر يريد للعمل أن يقنع لجان تحكيم الجوائز، والأخيرة لا تتيح فضاء حرا للتجريب والتمرد.
كانت تلك هي أجواء "اللاهوت" في تسعينيات القرن الماضي. خرج الإخوان المسلمون إلى العلنية مع فتح الباب للنشاط الديمقراطي عام 1990، وعاد السلفيون إلى البلد نتيجة لموقف الحكومة اليمنية من غزو العراق للكويت، وبالضرورة أحيت تلك الصحوة الدينية جماعات أخرى خافت على حصتها في السوق، وأعني الصوفية والتبليغ.
إلى ذلك أضفت منزلة أخرى يرى منها الناس عالمهم، وهي "الكونفشيوسية" ممثلة في مدرسة الكونغ فو. سمح ذلك الثراء بتطور رؤية شعبية للدين وعلاقته بالسياسة والحياة، وقبل أن ينتهي ذلك العقد كانت "نسخة مؤمنة" من التيارات القومية واليسارية قد تطورت واستقرت.
لقد كانت الحقبة الذهبية للتنوع الديني والسياسي في اليمن، قبل أن يسدل عليها الستار ببطء نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، من خلال بناء تيار ديني مسلح في الخفاء، سيأخذ لاحقا مسمى "الحوثي" ويقضي على كل ذلك التنوع.
حكاية الأخ يونس -أفضل أخ يونس في الدنيا- ترينا جانبا إنسانيا من شخصية "الأرثوذكسي المسلم"، وقد طور المنظر الإسلامي سيد قطب في ستينيات القرن الماضي فكرة "العزلة الشعورية"، وأراد من خلالها التأسيس لشخصية الإسلامي المنفصل عاطفيا عن مجتمعه.
ولاحظ نجيب محفوظ، وهو يتذكر علاقته بسيد قطب، أن الأخير بات متجهما على غير سابق عهده قبل سفره إلى أمريكا؛ وعندما ألقى محفوظ نكتة في حضرته -وكان يضحك على مثلها في السابق- لم يضحك قطب.
لدي تجربة مبكرة مع السلفية تعود إلى أيام المدرسة، وأستطيع سماع ضحكات الرجال حتى الآن. هناك "أجنحة أرثوذكسية" داخل اللاهوت الإسلامي لا تعرف للضحك سبيلا؛ فهو في نظرها لا يهد العزيمة وحسب، بل "يميت القلب".
ولنبسط الأمر: الجماعات الدينية المعنية بإصلاح النظام الاجتماعي تضحك وتقول النكات لأنها معنية بتطبيع علاقتها مع الناس، أما الجماعات الجهادية المعنية بتقويض النظام السياسي فلا تضحك، وهي أبعد ما تكون عن اختراع الفكاهة.
يمكنك النظر إلى غرفة الجدة على هذا النحو؛ ربما كانت اختبارا لمتانة تلك "المنازل" ووعودها. فبينما ادعى جميعهم وصلا بالذات العليا وعرفوا مراد الخالق، جاءت الجدة حاملة مرضها على كتفيها وسألتهم الشفاء، فانكشفوا. هنا لم يعد من شيء ممكن سوى أن تضحك الجدة من مكانها العالي المتسامي المنفصل.
في منزل الشيخ شمس الدين (شيخ الصوفية)، تهز الجدة بحكايتها عن "العاهرة" كل ذلك الصرح الإيماني الذي بناه الأب الصوفي في سني عمره.
طلب الأب من زوجته وبناته أن يقرأن عليها القرآن، غير أن القرآن وقف فجأة على الشفاه وتحدثت العجوز عن الدنيا، عن عاهرة خطفت قلب ولدها!
أريد للبيت أن يكتشف جمال الإيمان والقرب، فأرت نساء البيت جمالا آخر وقربا على شاكلة أخرى: الحياة بجمالها القبيح والغرائبي. انسحرت نساء البيت الطاهر بتلك الحكايات الملوثة، وغادرت الجدة المنزل بعد أسبوع وقد زلزلت أركانه، أما مرضها فقد هز يقين الآخرين.
أدعي أن العمل كان واعيا بهذا الفخ؛ أن تتفوق المعلوماتية على السرد، وأن تنزلق الرواية إلى خطاب أيديولوجي جاف. في آخر الأمر، أظن أن شخصية "أبي حرب" كانت مقنعة، وأنها اجتازت الامتحان الروائي التاريخي: السخرية وإثارة التعاطف.
ومهمة السخرية هنا أن تحمي العمل من التورط في مسألتين: الابتذال والوعظية؛ أما التعاطف فعليه أن يمنع السخرية من أن تتحول إلى عدمية واستهزاء.
لن أتحدث كثيرا عما إذا كان العمل قد نجح على هذا النحو، ولكني أكتفي بالقول إن ما كُتِبَ عنه نقديا حتى الآن يشير إلى ذلك النجاح.
سأجيبك بطريقة مختلفة: بعض ما كُتب عن الرواية توقع مني أن أذهب إلى تلك الجماعات وألقي القبض عليها متورطة في قضايا إرهاب! الأدب لا يجري على هذا النحو، والفن لا يُكتب بنية "تصفية الحساب مع الواقع" كما يقول راو عربي معروف. مهمة الفن بكل أشكاله أن يلمس الواقع ولا يلتحم به، وأن يخلق صراعا من لون خاص.
اشتباك الجماعات الأيديولوجية مع مجتمعها سر مفتوح يعرفه كل الناس، لكن ما لا يعرفه الناس هو ما يجري خلف الباب المغلق؛ كيف تنفعل زوجة رجل متدين إذا سمعت قصة مثيرة عن امرأة تخون؟ وما الذي سيفعله شاب متدين بنفسه بعد أن يفرغ من رسم مشهد جنسي؟
بل كيف يشعر الشاب الذي ينتمي إلى الجماعة الدينية (أ) حين يرى شيخا من الجماعة (ب) وقد "أهان" علميا شيخا من جماعته؟ قال الأخ يونس إن ذلك الأمر كسره من الداخل وهد قواه. ذهبت الرواية إلى تلك المناطق النفسية العميقة، وسأدعي أن تلك هي المهمة الأساسية للفن.
لم يكن لدي من هدف خارج النية الكامنة في النص. هل ينتمي الكتاب إلى "رواية السيرة الذاتية"؟ لا أدري، ولا أريد أن أدري بالفعل. كتبته على مدى ثلاثة أعوام، وتوقفت في منتصف الطريق عاما كاملا بعد أن تهت بين المنازل وأضعت الطريق، إلى أن خطر لي أن قصة الجدة -وكنت أفكر بكتابتها مستقلة- ستنقذ الرواية، وأظنها فعلت.
نزل الشاب من الجبل إلى المدينة لإكمال الدراسة الثانوية، وقرر أن ينقل للناس كل شيء. ولأن ما يقوله عن نفسه جريء ومحرج، كان لا بد من السخرية والضحك، ثم من التعاطف.
على موقع "غودريدز" (Goodreads) تعليقات استفزتها الاعترافات الجنسية للشاب، غير أن الشاب لم يكن ينقل مجونا؛ كان يبني طهارته في النهار ويهدمها في الليل، داعيا القارئ إلى تفهم أزمته والتعاطف معه.
إن كان الأخ يونس هو أطيب أخ يونس في الدنيا، فقد كان أبو حرب هو كل "أبو حرب" في الدنيا. ومن أجمل ما كتب عن النص هو أنها حكاية لن تدفعك إلى كراهية أي من شخصياتها.
هذه الزاوية مثيرة جدا؛ فالتداوي بالحكاية فكرة أصيلة في الدراسات الأدبية. ثمة عمل مهم للكاتبتين إيلا بيرتهوود وسوزان إلديركين بعنوان (العلاج بالرواية)، يصنف الروايات وفقا لنوع المرض والاضطراب النفسي؛ فلا تصلح كل الروايات لكل الاضطرابات. والشاعر العربي المجنون قال قديما "وما أنشد الأشعار إلا تداويا".
بمقدور الفن أن يعالج الفرد والمجتمع، وبمقدوره أيضا أن يثير حروبا أهلية وصراعات لا آخر لها، وهذا ما يجعل الفن عملا خطيرا. في عام 1932، في منزل مكسيم غوركي، قال ستالين للضيوف إن "الأدباء هم مهندسو النفس البشرية"، وقرر استخدام تلك الهندسة الخطرة لصالح الدولة من وجهة نظره.
بالعودة إلى سؤالك، أتفق معك في أن الرواية تصبو إلى أن تمنح الصامتين لسانا وشفتين، وتضع على الشفتين كلاما كثيرا يعيد الاعتبار لفكرتي الحق والعدل؛ هي بصورة ما عدالة تنجز في العالم الموازي، عالم الخيال.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة