قبل وقت طويل من تحوّل الطهاة النجوم إلى شخصيات إعلامية، كانت نساء مدينة ليون يدرن مطاعم، ويبنِينَ سمعة ومعايير للطهي أسهمت في تعريف فنون المطبخ الفرنسي.
صحيح أن أسماء رجالية أسطورية مثل بول بوكوز وجويل روبوشون تُقدَّم غالبا بوصفها الآباء المؤسسين للمطبخ الراقي، إلا أنّ إحدى أقوى الركائز في ليون وضعتها نساء عُرفن باسم الأمهات الليونيات "Mères Lyonnaises".
كنّ طاهيات، كثيرات منهن من أوساط متواضعة، عملن أولا في بيوت البورجوازية قبل أن يفتتحن مؤسساتهن الخاصة في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.
كان مطبخهن متجذّرا في منتجات المنطقة، ومع مرور الوقت صار هذا الطهي جزءا من هوية ليون كعاصمة للذواقة وقلب فنون المطبخ الفرنسي النابض.
{{quotation_v2 align="center" size="fullwidth" ratio="auto" quote="كانت النساء دائما جزءا من الأسس التي يقوم عليها فنّ الطهو الفرنسي." author="Nina Métayer" author_description="طاهية حلويات فرنسية مرموقة" }}
ولا يزال تأثيرهن حاضرا في المطابخ الفرنسية حتى اليوم.
بالنسبة لكثير من الطهاة مثل نينا ميتاييه، إحدى أبرز طاهيات الحلويات في فرنسا، فإن قصتهن ليست مجرد فصل من تاريخ الطهي، بل تذكير دائم بأن للنساء دورا أساسيا في تطور المطبخ الفرنسي.
ومن بين أكثر "الأمهات" تأثيرا أوجيني برازْييه، المعروفة أيضا باسم "La Mère Brazier" أو "أمّ المطبخ الفرنسي الحديث".
ولأنها من أكثرهن توثيقا، فقد نشأت مهنيةً على يد مرشدات أكبر سنا مثل فرانسواز فايول، المعروفة أيضا باسم "Mère Fillioux"، ومع أخريات من "الأمهات" في تلك الفترة حملن جميعا لقب الأمهات الليونيات.
حملت لقب الأم "Mère" عبر القرنين التاسع عشر والعشرين أسماء عديدة من بينها "Mère Bourgeois" و"Mère Fillioux" و"Mère Bizolon" و"La Mélie" و"Mère Brazier" و"Mère Léa" وغيرها.
لكن التاريخ الحديث احتفظ ببعض الأسماء التي برزت أكثر من غيرها.
{{image align="center" size="fullwidth" ratio="auto" id="4515788" src=" https://images.euronews.com/articles/stories/09/68/04/84/808x467_cmsv2_47157bee-88db-504e-9a8a-93b1daf39c1e-9680484.jpg " url="https://images.euronews.com/articles/stories/09/68/04/84/{{w}}x{{h}}_cmsv2_47157bee-88db-504e-9a8a-93b1daf39c1e-9680484.jpg" caption="فرانسواز فايول تحضّر طبق دجاج " (="" )="" .="" alt="فرانسواز فايول تحضّر طبق دجاج " credit="LES MÈRES LYONNAISES ®" copyrightlink="" naturalwidth="921" naturalheight="531" }}
غالبا ما توصف "Mère Fillioux" بأنها "إمبراطورة" الأمهات الليونيات.
ساهمت في ترسيخ سمعة هذه المدرسة وأصبحت مرتبطة ارتباطا وثيقا بأطباق دخلت لاحقا تاريخ المطبخ الليوني، خصوصا "الكنيل" و"poularde demi-deuil"، أي الدجاج المحشو بشرائح الكمأة، الذي أصبح لاحقا عنصرا محوريا في قائمة أطباق برازْييه.
وفي الحقبة نفسها تقريبا، افتتحت "Mère Léa" أو ليا بيدو مطعم "La Voûte chez Léa" سنة 1943، واشتهرت بأطباق ليونية دسمة من بينها "choucroute au champagne".
{{image align="center" size="fullwidth" ratio="auto" id="4514356" src=" https://images.euronews.com/articles/stories/09/68/04/84/808x608_cmsv2_4189f407-cb38-502f-a50b-738fdb981854-9680484.jpg " url="https://images.euronews.com/articles/stories/09/68/04/84/{{w}}x{{h}}_cmsv2_4189f407-cb38-502f-a50b-738fdb981854-9680484.jpg" caption="نُزل " Mother="" Blanc="" .="" alt="نُزل " credit="Par Arnaud 25 — Wikipedia" copyrightlink="https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=56663239" naturalwidth="1600" naturalheight="1200" }}
وخارج مدينة ليون نفسها، أثبتت إليزا بلان في بلدة فوناس المجاورة أن النساء قادرات أيضا على حصد تقدير دليل "ميشلان" اعتمادا على المطبخ المناطقي.
حصلت على اعتراف "ميشلان" أول مرة سنة 1929 ثم مجددا سنة 1931، قبل أن تقود شهرتها لاحقا مباشرة إلى نشوء سلالة جورج بلان.
{{image align="center" size="fullwidth" ratio="auto" id="4515886" src=" https://images.euronews.com/articles/stories/09/68/04/84/808x808_cmsv2_fffa7505-9acd-542c-bb32-5c603cf47283-9680484.jpg " url="https://images.euronews.com/articles/stories/09/68/04/84/{{w}}x{{h}}_cmsv2_fffa7505-9acd-542c-bb32-5c603cf47283-9680484.jpg" caption="مِير برازْييه في المطبخ" alt="مِير برازْييه في المطبخ" credit="La Mère Brazier" naturalwidth="1200" naturalheight="1200" }}
انحدرت برازْييه من خلفية متواضعة؛ فقد وُلدت في 12 يونيو 1895 في بلدة لا ترانكليير في إقليم أين، وبعد وفاة والدتها عملت في المزارع منذ صغرها.
وفي سن 19 عاما، وهي حامل وتحت ضغط اجتماعي، غادرت إلى ليون وبدأت تعيد بناء حياتها هناك.
في المدينة، عملت بداية في أحد البيوت البورجوازية، وحين مرضت طاهية الأسرة، انتقلت برازْييه إلى المطبخ.
ومن هناك دخلت مدار "Mère Fillioux"، حيث تعلّمت أطباق هذه المدرسة وصرامتها، ثم طبّقت ما تعلّمته في "Brasserie du Dragon" حيث عززت سمعتها قبل أن تنطلق في مشروعها الخاص.
في الثاني من أبريل 1921 افتتحت برازْييه مطعمها الأول في 12 شارع رويال في ليون.
ورغم صغر حجمه، استندت قائمة طعامه إلى ما أتقنته تحت إشراف فيّو: قلوب الأرضي شوكي مع كبد الإوز، و"كنيل" غراتان، وسمك موسى "sole meunière"، وكافيار مبرد، إلى جانب طبق "poularde demi-deuil" الأسطوري؛ وهي أطباق وضعت مطعمها بقوة تحت أضواء المشهد الذوّاق.
ومع المواظبة على ارتياده من قبل رئيس البلدية إدوار هريو، وزيارات نقاد مثل كورنونْسكي سنة 1925، أصبح مطعم "La Mère Brazier" أحد العناوين الأساسية في ليون.
{{image align="center" size="fullwidth" ratio="auto" id="4515859" src=" https://images.euronews.com/articles/stories/09/68/04/84/808x573_cmsv2_bfa9d60e-6793-5f90-9de5-54c6dcc0c8cb-9680484.jpg " url="https://images.euronews.com/articles/stories/09/68/04/84/{{w}}x{{h}}_cmsv2_bfa9d60e-6793-5f90-9de5-54c6dcc0c8cb-9680484.jpg" caption="أوجيني برازْييه (في الوسط) مع فريقها أمام مطعمها في ممر " Col="" de="" la="" Lu="" re="" .="" alt="أوجيني برازْييه (في الوسط) مع فريقها أمام مطعمها في ممر " credit="La Mère Brazier" naturalwidth="2000" naturalheight="1414" }}
بحلول 1928 كانت برازْييه قد بدأت تمضي وقتا في شاليه بسيط في "Col de la Luère" قرب بوليونّي، خارج ليون بقليل. وبعد عام افتتحت هناك مطعما ثانيا، أصبح بمثابة نظير ريفي لعنوان شارع رويال.
منحت "ميشلان" كلا المطعمين نجمتين سنة 1932 وثلاث نجمات سنة 1933، ليصبح مجموع ما تملكه برازْييه ست نجمات "ميشلان" في الوقت نفسه؛ فكانت أول طاهية تحقق هذا الرصيد عبر مؤسستين، وأول امرأة تصل إلى هذا المستوى.
يصعب المبالغة في وصف حجم هذا الإنجاز؛ فأن تمتلك امرأة من خلفية ريفية فقيرة، من دون تكوين نخبوي في مدارس عريقة، ليس واحدا بل مطعمين يبلغان أعلى مستوى معترف به في فرنسا، أمر استثنائي بكل المقاييس.
هكذا أصبحت برازْييه واحدة من أوائل أيقونات فنون المطبخ الفرنسي؛ فبنكهاتها البسيطة المعتمدة على منتجات المنطقة ومكوّناتها تحوّلت إلى أسطورة طهوية في الإقليم.
{{image align="center" size="fullwidth" ratio="auto" id="4515872" src=" https://images.euronews.com/articles/stories/09/68/04/84/808x573_cmsv2_b0b3da2c-ef2c-5c2b-bed9-1fc2ee6a6df8-9680484.jpg " url="https://images.euronews.com/articles/stories/09/68/04/84/{{w}}x{{h}}_cmsv2_b0b3da2c-ef2c-5c2b-bed9-1fc2ee6a6df8-9680484.jpg" caption="مِير برازْييه مع بول بوكوز شابا" alt="مِير برازْييه مع بول بوكوز شابا" credit="La Mère Brazier" naturalwidth="2000" naturalheight="1414" }}
امتد تأثير برازْييه إلى ما هو أبعد من مطابخها نفسها.
فقد بدأ بول بوكوز، أحد أشهر الطهاة الفرنسيين في القرن الحادي والعشرين، مسيرته متدرّبا لديها؛ فخرج من عالم كانت "الأمهات" قد بنته مسبقا.
وبحسب منصة "Taste France"، كان طعام الأمهات مزيجا من الراحة والرقي، يقوم على لحوم تُطهى ببطء، وصلصات غنية، وخضار موسمية، واستخدام ذكي لمكوّنات متواضعة.
طوّرت برازْييه هذه القاعدة وأثبتت أن مكانها الطبيعي هو أعلى مستويات المطاعم؛ فباتت أطباق مثل "poularde demi-deuil" تُعد اليوم من صميم المطبخ الفرنسي الأصيل.
{{image align="center" size="fullwidth" ratio="auto" id="4515889" src=" https://images.euronews.com/articles/stories/09/68/04/84/808x951_cmsv2_94f74833-8746-5363-9da1-a08e93cf571f-9680484.jpg " url="https://images.euronews.com/articles/stories/09/68/04/84/{{w}}x{{h}}_cmsv2_94f74833-8746-5363-9da1-a08e93cf571f-9680484.jpg" caption="طبق " Poularde="" de="" Bresse="" en="" demi-deuil="" (="" )="" alt="طبق " credit="Anne Bouillot" copyrightlink="" sourcetext="" sourcelink="" calltoactiontext="" calltoactionlink="" naturalwidth="1387" naturalheight="1638" }}
تصف "ميشلان" هذا الطبق بأنه "الطبق الأسطوري للمطبخ الليوني والفرنسي".
انتقل الطبق من "Mère Fillioux" إلى برازْييه، ومن برازْييه إلى بول بوكوز وبرنار باكو، متوارثا من جيل إلى جيل، ومتحوّلا مع لمسات الطهي المعاصر.
سلّمت برازْييه إدارة العمل لابنها غاستون سنة 1968، قبل أن يتوفى سنة 1974، لكن حفيدتها جاكوت برازْييه ساعدت في الحفاظ على هذا الإرث.
{{image align="center" size="fullwidth" ratio="auto" id="4516290" src=" https://images.euronews.com/articles/stories/09/68/04/84/808x608_cmsv2_d0ff2501-d9a9-5c5e-8d76-26f4c9526550-9680484.jpg " url="https://images.euronews.com/articles/stories/09/68/04/84/{{w}}x{{h}}_cmsv2_d0ff2501-d9a9-5c5e-8d76-26f4c9526550-9680484.jpg" caption="مطعم " La="" M="" re="" Brazier="" alt="مطعم " credit="Mohammad Shayan Ahmad" naturalwidth="2000" naturalheight="1500" }}
وفي 2008 أعاد الشيف ماتيو فياني إحياء مؤسسة شارع رويال؛ ولا يزال إرث برازْييه حيا إذ تتضمن قائمة "La Mère Brazier" الحالية طبقي "Artichaut et foie gras 'hommage à la Mère Brazier'" و"Poularde de Bresse en demi-deuil".
هذه الأطباق بمثابة تحية لبرازْييه ولإرثها في عالم المذاقات.
تواصل ليون ومنطقة رون ألب الأوسع التعامل معها بوصفها شخصية مركزية في تاريخ المطبخ الليوني.
{{image align="center" size="fullwidth" ratio="auto" id="4515812" src=" https://images.euronews.com/articles/stories/09/68/04/84/808x808_cmsv2_c6c96249-f1be-5c87-bded-e8681088a4c6-9680484.jpg " url="https://images.euronews.com/articles/stories/09/68/04/84/{{w}}x{{h}}_cmsv2_c6c96249-f1be-5c87-bded-e8681088a4c6-9680484.jpg" caption="نينا ميتاييه - أفضل طاهية حلويات في العالم لسنة 2024" alt="نينا ميتاييه - أفضل طاهية حلويات في العالم لسنة 2024" credit="Mathieu Salome" copyrightlink="" naturalwidth="1200" naturalheight="1200" }}
ومع تزايد أعداد الطاهيات الفرنسيات وطالبات معاهد الطهو، يصبح من المهم أكثر فأكثر تذكّر دور الأمهات الليونيات.
تقول ميتاييه إن أوجيني برازْييه والأمهات الليونيات يجسّدن "الشجاعة والاستقلالية ونقل المعرفة"، وتصفهن بأنهن رائدات أنشأن مطاعمهن الخاصة ووضعن معاييرهن للتميّز في زمن نادرا ما كانت تُتاح فيه للنساء فرصة نيل الاعتراف أو السلطة في عالم الطهو.
آن-صوفي بيك، وهي واحدة من أربع طاهيات يحملن ثلاث نجمات "ميشلان"، حيّت الأمهات في مقابلة مع مجلة "Le Point" مؤكدة أنهن ساهمن في خلق انفتاح أكبر في المطابخ المهنية مقارنة بالماضي، وأن لأوجيني برازْييه "فضلا كبيرا في ذلك".
المصدر:
يورو نيوز