في لحظة إقليمية مشحونة بالضباب الجيوسياسي وتقلبات الطاقة وتردد المستثمرين، برزت بورصة تونس خلال شهر فيفري 2026 كواحدة من أبرز مفاجآت المشهد المالي العربي.
فحسب النشرة الشهرية لأسواق المال العربية الصادرة يوم الخميس 26 مارس 2026 عن صندوق النقد العربي، جاءت السوق التونسية في المرتبة الثانية عربياً من حيث الأداء الشهري، بعد بورصة مسقط، محققة ارتفاعاً بنسبة 5.72 بالمائة، في وقت تراجع فيه المؤشر المركب لصندوق النقد العربي لأسواق المال العربية بنسبة 0.83 بالمائة نهاية الشهر. هذا التموقع لا يكتسب أهميته فقط من زاوية الترتيب، بل من كونه تحقق في سياق عربي ودولي يتسم بارتفاع الحساسية تجاه المخاطر السياسية وأسعار النفط واتجاهات السياسة النقدية العالمية.
ويكتسب هذا الأداء أيضاً بعداً نوعياً، لأن بورصة تونس لم تتحرك في فراغ مضاربي أو موجة سيولة عابرة، بل استندت إلى تحسن ملحوظ في أساسيات عدد من الشركات المدرجة، وإلى استعادة متواصلة لثقة المستثمرين في السوق المحلية حيث أظهرت بيانات بورصة تونس الخاصة بسنة 2025 أن رقم معاملات الشركات المدرجة ارتفع إلى 26.5 مليار دينار، مقابل 25.2 مليار دينار في 2024، أي بزيادة في حدود 3.5 إلى 5.3 بالمائة وفق قاعدة الإفصاحات المعتمدة وعدد الشركات المصرّحة. وتمنح هذه المعطيات الارتفاع المسجل في فيفري قاعدة أكثر صلابة من مجرد حركة ظرفية في الأسعار.
البورصات العربية بين السيولة والصدمة الجيوسياسية
القراءة الأشمل لأداء الأسواق العربية في فيفري تكشف أن المنطقة المالية العربية باتت أكثر حساسية من أي وقت مضى للصدمات العابرة للحدود. فمن جهة، استفادت بعض البورصات من متانة قطاعات البنوك والطاقة والمواد الأساسية، ومن جهة أخرى تعرضت أسواق كبرى لضغوط واضحة، على غرار السوق السعودية التي تصدرت التراجعات بنسبة 5.91 بالمائة، إلى جانب تراجعات متفاوتة في أسواق فلسطين والدار البيضاء وقطر ودمشق. هذا التباين يعكس حقيقة أساسية اذ لم تعد البورصات العربية تتحرك فقط وفق المؤشرات الاقتصادية المحلية، بل أصبحت مرآة يومية لتوقعات المستثمرين بشأن الحرب والممرات البحرية وأسعار الشحن والطاقة وكلفة التمويل العالمية.
وفي ظل الحرب المتواصلة في الشرق الأوسط، تبدو البورصات العربية أمام معادلة دقيقة ذلك ان ارتفاع المخاطر الإقليمية لا يؤثر في كل الأسواق بنفس الدرجة، بل يعيد ترتيب أولويات رؤوس الأموال. على هذا الاساس، تبقى الأسواق ذات العمق والسيولة العالية أكثر قدرة على امتصاص الصدمات، لكنّها في المقابل تصبح أكثر تعرضاً لخروج سريع للأموال الأجنبية عند تصاعد التوترات. أما الأسواق الأصغر حجماً، مثل تونس، فتبدو أحياناً أقل ارتباطاً بالمضاربات العابرة، لكنها تبقى بحاجة دائمة إلى توسيع قاعدة المستثمرين وتحسين جاذبية الإدراج حتى لا تتحول إلى أسواق محدودة التداول رغم جودة بعض الشركات المدرجة فيها.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن آفاق تطور نشاط البورصات العربية خلال المرحلة المقبلة ستعتمد على ثلاثة عناصر حاسمة وهي تتمثل أولاً في قدرة الحكومات والهيئات الرقابية على الحفاظ على الاستقرار المالي وسط ارتفاع المخاطر وثانياً في نجاح الأسواق في استقطاب إدراجات جديدة تعكس الاقتصاد الحقيقي لا مجرد إعادة تدوير السيولة داخل نفس الأسهم وثالثاً، في التقدم في أجندة الحوكمة والإفصاح والاستدامة، وهي عناصر باتت شرطاً شبه إلزامي أمام المستثمر المؤسسي الإقليمي والدولي.
بورصة تونس: من سوق تقليدية إلى بنية تمويلية أكثر نضجاً
إذا كان صعود فيفري قد لفت الانتباه، فإن الأهم يتمثل في مسار التحديث الذي تعرفه بورصة تونس خلال السنوات الأخيرة، فالسوق لم تعد تكتفي بدور منصة لتبادل الأسهم، بل بدأت تتحرك تدريجياً نحو دور أوسع كأداة تعبئة للادخار الوطني وتوجيهه نحو الاستثمار المنتج. وقد شهدت البورصة في السنوات الماضية جملة من التطورات المؤسسية والتنظيمية، من بينها تعزيز منظومة الإفصاح، وتطوير تصنيف الشركات المدرجة، وتوسيع استخدام أدوات السوق، إلى جانب مواصلة إدراج سندات الخزينة وتنشيط البنية التحتية للتداول.
كما واصلت البورصة خلال 2025 و2026 برامج مرافقة المؤسسات في مجالات التقارير غير المالية والاستدامة، بالتعاون مع مؤسسات دولية، وهو تطور مهم لأنه ينقل السوق التونسية تدريجياً من منطق “السوق السعرية” إلى منطق “السوق المؤسسية” التي تكافئ الجودة والشفافية.
ولا يقلّ أهمية عن ذلك البعد الثقافي والتربوي في بناء سوق مالية أكثر عمقاً، اذ واصلت بورصة تونس مبادرات نشر الثقافة المالية، ومنها مسابقة التداول الافتراضي “ماي انفستيا”، بما يساعد على تكوين جيل جديد من المستثمرين الأفراد الأكثر فهماً لأدوات الادخار والاستثمار. ورغم أن هذا المسار يبدو “ناعماً” مقارنة بالإصلاحات التنظيمية، فإنه في الواقع جزء جوهري من توسيع قاعدة السوق على المدى المتوسط.
سنوات من الصعود… ولكن التحدي الحقيقي لم يبدأ بعد
ما تحقق في بورصة تونس خلال الأعوام الأخيرة لا يمكن اختزاله في تحسن شهري أو حتى سنوي، فمع نهاية 2025، سجل المؤشر المرجعي “توناندكس” ارتفاعاً للسنة الخامسة على التوالي بنسبة 35.12 في المائة، بعد زيادات متتالية في 2024 و2023 و2022 و2021. ويعكس هذا المسار تحسناً ملحوظاً في تسعير الأصول وفي جاذبية السوق، لكنه يطرح في الآن ذاته سؤالاً أكثر عمقاً: هل نجحت السوق فعلاً في التحول إلى رافعة هيكلية لتمويل الاقتصاد؟
الإجابة، إلى حد الآن، هي جزئياً فقط. فمن جهة، ساهمت البورصة في توفير قناة تمويل بديلة للمؤسسات، وفي تحسين حوكمة عدد من الشركات، وفي تشجيع الأسر على تنويع مدخراتها خارج القنوات التقليدية، لكنها من جهة أخرى ما تزال دون الإمكانات التي يتيحها الاقتصاد الوطني، سواء من حيث عدد الإدراجات أو عمق السيولة أو الوزن النسبي للسوق في تمويل الاستثمار الخاص. وما تحتاجه المرحلة المقبلة هو الانتقال من “نجاح الأداء” إلى “نجاح الوظيفة الاقتصادية” .
ويعني ذلك عملياً ضرورة إطلاق موجة جديدة من الإدراجات، خاصة في قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والخدمات القابلة للتصدير، وتحفيز المؤسسات العائلية الكبرى على الانفتاح على السوق، وتوسيع قاعدة المستثمر المؤسسي المحلي، لا سيما صناديق الادخار والتقاعد والتأمين. كما يعني تطوير سوق السندات الخاصة، وتعزيز جاذبية أدوات التمويل المبتكرة، وربط السوق المالية بشكل أوثق بمشروع السيادة الاقتصادية الوطنية.
في هذا المعنى، فإن المركز الثاني عربياً في فيفري 2026 ليس مجرد خبر مالي جيد، بل يمكن اعتباره إشارة مبكرة إلى أن بورصة تونس بدأت تستعيد موقعها كأداة ثقة وتمويل وقراءة استباقية للاقتصاد، غير أن تثبيت هذا المسار سيظل رهين قدرة البلاد على تحويل السوق من فضاء أداء ظرفي إلى مؤسسة تمويلية كاملة الوظيفة، قادرة على تعبئة الادخار الوطني وتوجيهه بكفاءة نحو الاستثمار والنمو والتشغيل. هنا فقط، يصبح صعود المؤشر خبراً اقتصادياً ذا معنى، لا مجرد رقم عابر في نشرة شهرية.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية