يبقى الكلام خطيرا واللسان مهددا بالقطع متى انفلت بقول ما لا يجب أن يُقال في ذلك الموضع أو ذاك المقام أو الزمان.
لكن الإنسان لم ينفك يبحث عن طرق لتصريف تلك الرغبة في الكلام والشوق إلى التعبير وإن كان عبر لغة سرية؛ فانطلق في اجتراحها في كل مكان ترتفع فيه أسوار الرقابة والمنع ليعبر من خلالها شفويا وحسيا عن أفكاره وهواجسه وأحاسيسه.
لم ترتبط كتابة بالسرية كما ارتبطت اليوميات، فقد ظلت الأقفال المشدودة إلى الدفاتر واحدة من أهم الصور الدالة على أن الدفتر ينتسب إلى اليوميات، نظرا لارتباطها بالبوح الشخصي والحميمية، وأنها لا تتوجه إلا لكاتبها، وإذا ما تجاوزته قد تؤذي صاحبها أو مَن تذكره.
حرص واضعو اليوميات على إبعادها عن عيون الآخرين وأياديهم التي تعبث في الأدراج المفتوحة بشتى الوسائل
عمد بعض الكتاب في تسجيل يومياتهم إلى التشفير، عبر اعتماد لغة غير متداولة كما فعل المؤلف الإنجليزي صموئيل بيبس (1633-1703م) الذي سجل يومياته اعتمادا على لغة مشفرة تسمى نظام توماس شيلتون الاختزالي (Thomas Shelton Shorthand)، مما أخر ترجمتها ونشرها لسنوات حتى تم تحقيقها بعد العثور عليها.
وقد عانى جون سميث من أجل تحويل النسخة الأصلية المختزلة إلى لغة إنجليزية عادية تسمح بنشرها وقراءتها في كل مكان والاستفادة من ذلك التأريخ الدقيق لمدينة لندن والأحداث الكبرى التي شهدتها وقتها، مثل وباء عام 1665 وحريق لندن؛ وقد صمدت اللغة المختزلة والمشفرة أكثر من قرن بعد وفاة صاحبها.
عربيا، يمكننا استحضار يوميات الكاتب والأديب والفنان العراقي حسن مطلك (1961-1990) التي نشر منها ما كان مكتوبا باللغة العربية، ولكن الروائي والناقد محسن الرملي -شقيق الكاتب الذي يرعى موروث حسن مطلك- كشف أن عددا مهما من يوميات حسن مطلك لم ينشر لأنها كانت مكتوبة بلغة رمزية ابتكرها حسن مطلك ولكنه لم يترك دليلا لحل شفرتها.
حسن مطلك كان يعيش حياة نفسية صعبة يعاني فيها من العزلة والتهميش وكشف عن بعض ملامح حياته في يوميات له
والواضح من مصير حسن مطلك، الذي قبض عليه في عهد نظام صدام حسين واتهم بالانتماء إلى مجموعة مسلحة سعت إلى إحداث انقلاب وأعدم، وكان واحدا ممن نفذ فيهم حكم الإعدام شنقا يوم 18 يوليو/تموز 1990، أنه كان يخشى أن تقع تلك اليوميات في أيدي مَن سيجعلها بين أيدي النظام، فعمد إلى اختراع تلك اللغة التي جعلت اليوميات إلى اليوم غير مقروءة.
ولا يمكن الجزم بأن اليوميات سياسية أو فيها كشف لأنشطته في المجموعة المعارضة التي انتمى إليها، فحسن مطلك كان يعيش حياة نفسية صعبة يعاني فيها من العزلة والتهميش وفشلا عاطفيا كشف عن بعض ملامحه في يوميات له.
فيكتب في إحدى اليوميات بخط يده بالعربية: "ليست لي رغبة في الكتابة اليوم، ليس لي رغبة في شيء أبدا، السبب يرجع إلى أن قواي النفسية لا تتجدد. إن قوتي تنفذ ولا تشحن من جديد. اضطهاد يومي، عزلة، لا امرأة، لا موسيقى جميلة، لا صديق، لا سيجارة، لا سينما، لا شارع، لا سوق.. أمامي جدران طينية وورائي جدران طينية، ونفس الأصوات يوميا نفس الوجوه.. أسأل نفسي دائما: ما معنى أن أكتب؟ إن الخوف من إكمال العمل ثم الفشل به سيقتلني. سأدفع الثمن غاليا".
يسجل مطلك كل هذا اليأس قبل أن يسترسل متحدثا عن حبيبته التي خانته وهجرته والتي يشير إلى أنها صارت "في خدمة الوطن والمؤسسات"، ويوقع: "أنصاف الرجال يسرقون النساء الجميلات بحجة أنهم واضحون وليس لديهم عالم خاص وجيوبهم مملوءة بالورق المقدس والرجال الخالصين إنما تهرول الريح في جيوبهم.. كيف يحدث هذا كيف.. إني أشيب في مقعدي، وأنت تزهرين كالغصن الجديد… يا ابنة الكلب" وينهي اليومية.
هذا الفشل العاطفي قد يكون أيضا سببا في بوح أراد له أن يكون مشفرا إلى جانب نشاطه السياسي المعارض؛ فالكاتب وصل إلى درجة من السخط واليأس يمكن أن تجره للبوح بأي شيء، لذلك ليس مستبعدا أيضا أن تكون اليوميات المشفرة يوميات عاطفية، خاصة أنه كان يعيش في ريف متعصب يجرم العلاقات العاطفية، وقد سبق لحسن مطلك وكتب أنه مهدد بالبنادق من العشائر.
وقد اعتمد التشفير والاختزال السجناء السياسيون في كتابة بعض يومياتهم وسيرهم داخل السجن اتقاء وقوعها بين يدي السلطة إذا ما هُرّبت.
كما اعتمد بعضهم الاختزال للتحكم في محامل الكتابة، حيث كانوا يكتبون على علب السجائر وعلب الكبريت وغيرها من الأوراق الصغيرة فيضطرون للاختزال المفرط ولغة الترميز، ونستحضر هنا كتاب "كريستال" للمناضل اليساري التونسي غيلبير نقاش الذي كتب مذكراته بالسجن على الأوراق الداخلية لعلب سجائر الكريستال.
كان هناك يهود تونسيون يكتبون بالعامية التونسية ولكن بحروف عبرية لكي لا يفهمهم العربي المسلم
وقد تعدى التشفير الممارسة الفردية في التراث إلى الممارسة الجماعية، ونذكر منه التراث الموريسكي الذي كُتب بلغة الألخاميادو (Aljamiado)، تلك اللغة التي ابتكرها الموريسكيون خوفا من أن يفقدوا لغتهم العربية وثقافتهم العربية والإسلامية، فكانوا يحفظون بها الأشعار والقصص والنصوص الدينية.
وكذلك فعل بعض اليهود خوفا من الملاحقة ومحافظة على طقوسهم ودينهم وعاداتهم، فكتبوا باللغة اليديشية (Yiddish)، وهي لغة سرية لا يفهمها غيرهم، وقد ازدهرت في ألمانيا أثناء فترة الحكم النازي.
وقد شهد الأدب التونسي مثلا أشكالا من التشفير الجزئي، حيث كان هناك يهود تونسيون يكتبون بالعامية التونسية ولكن بحروف عبرية لكي لا يفهمهم العربي المسلم.
وآخر ما كشف عنه من هذه اللغة رواية "الحيلة والعشق" لليهودي التونسي يعقوب شملة التي نشرتها دار الكتب الوطنية عام 2023 ونقلتها إلى العامية التونسية بحروف عربية المترجمة شادية الطرودي، وأطلقت على تلك اللغة عبارة العبرية التونسية لتميزها عن العبريات الأخرى المتداولة.
تنتشر عند العرب ونساء شمال أفريقيا عادات الغناء النحيبي الذي تمارسه النساء كشكل من أشكال الترويح عن النفس ورثائها شفويا
اخترعت نساء إقليم جيانغيونغ بمقاطعة هونان في الصين لغة عرفت بلغة النوشو "كتابة النساء"، وهي لغة لا يتحدث بها سوى النساء اللاتي اخترعتها، وكانت دوافعها لإطلاق هذه اللغة مقاومة سياسة التجهيل التي يعتمدها المجتمع الذي يمنع النساء من التعليم.
هكذا نكون من جديد في قلب نشأة اليوميات في التشفير اللغوي النسائي، ولم تكن "دفاتر الوسائد" في اليابان بالقرن العاشر الميلادي إلا شكلا من أشكال هذه الممارسة الشرقية التي دافعها الاضطهاد الذكوري.
حيث تلوذ النساء بما يمكن أن نسميه بدفاتر النحيب لتدوين حزنهن وخيباتهن، في مقابل ذلك تنتشر عند العرب ونساء شمال إفريقيا عادات الغناء النحيبي الذي تمارسه النساء كشكل من أشكال الترويح عن النفس ورثائها شفويا.
وكأن المرأة تسجل شفويا خيباتها اليومية عبر الغناء الذي يتقطع بالبكاء أثناء رحي الحبوب أو غزل الصوف، وهي في الغالب أغانٍ مشفرة لا يمكن للسامع أن يدرك معانيها بسرعة، وتعتمد النساء في ذلك على المد الذي يخفي صفاء ووضوح الكلمات.
لعل الندب ولطم الخدين شكل من أشكال تصعيد الحاجة للتدوين عند النساء الأميات وترك الأثر
ولئن لم تنجح النساء العربيات أو الأمازيغيات في اجتراح لغة مكتوبة، فقد اجترحت طرق تحويل الكلام وطمس علاماته وتحويله إلى طلاسم خاصة، إلى جانب اعتمادها على تطوير لغة خاصة هي لغة النسيج، فكانت أعمالها اليدوية من الصوف تحمل تعبيراتها الخاصة التي ما زال بعضها يحمل شفرته الخاصة التي لم تجد من يحققها ويعود بها إلى ذات منجزها.
وتجد تلك التعبيرات الشفهية مجالات لتبادلها في المآتم، حيث تجتمع النساء للتداول على النواح على الميت في الظاهر، بينما هي إحدى أشكال رثاء الذات عبر استغلال الحدث الواقعي الموت.
ولعل الندب ولطم الخدين شكل من أشكال تصعيد الحاجة للتدوين عند النساء الأميات وترك الأثر، وحينما لا يكون هناك من حامل ممكن لهن غير الجسد يكون الندب والوشم هو الكتابة الممكنة.
وإن كان السجين يلوذ بالوشم والشطب والحفر على الجدران لمواصلة تحمل أوجاعه وبعده عن الحبيبة والأم، فإن المرأة في المجتمعات الذكورية تلوذ بجذوع الأشجار والوشم الخفيف في حالة العشق وبشطب الجسد عبر الندب في حالة الخذلان.
وكل ذلك تدوين حر يذكر بمفهوم الناقد فيليب لوجون "سلسلة آثار مؤرخة"، وإن صمت تلك الأوشام والندب عن تاريخها فإنها لا شك تعبيرات صادقة عن الذات وانتكاساتها عبر ما سماه عالم الاجتماع دافيد لوبروتون في كتابه علامات هوية (Signes d’identité) بـ "ذاكرة على البشرة".
يقول لوبروتون: "الوشوم أو الثقوب صفحات مستلة من مذكرة، وهي نوع من اليوميات، كتبت على البشرة، ومكونة من رسوم و/أو كلمات".
ويواصل لوبروتون وصف تماهي الوشم على البشرة بتدوين اليوم عندما يشير إلى اشتراكهما في محاولة تثبيت الزمن وترك الأثر ودور كل من اليوميات والوشم والندوب في إذكاء عملية التذكر، فيكتب: "إذا كان الزمن هو أول من يسجل علاماته على الجسد البشري من خلال بطء الشيخوخة، وحتى إذا كان للجروح نصيبها في ذلك، فإن الأشكال المرسومة أو المقطوعة تضيف بعدها الخاص ذاكرة تاريخية ممتدة".
يكشف الوشم، أو التغيرات الجسدية الأخرى، سلسلة من الأحداث يجعلها كلها حاضرة على الدوام
عندما ينظر الفرد إلى جسده، أو عندما يجيب عن الأسئلة التي تُطرح عليه حول العلامات التي يحملها، فإنه يتذكر، في الوقت ذاته، الأسباب التي دفعته لذلك العمل، والظروف التي أحاطت بتنفيذه.
إنها طريقة لوقف الزمن من احتفاء يحدث له أهميته، كي يرسخ في الذهن، وفي الجسد على وجه الخصوص، لا من أجل ألا يخطفه الزمن المقبل وحسب، وإنما ليثبت وفاء للحظات لا يريد الفرد أن يتناسى أنها كانت لحظات حاسمة في بناء الذات، إنها رغبة في تخليد اللحظة عن طريق فعل لا رجوع فيه.
والوشم والشطب ظاهرتان يشترك فيهما النساء والرجال مع اختلاف درجات الترميز، حيث ينحو الوشم عند الرجل نحو البوح بذكر اسم الحبيبة أو بالكتابة الصريحة، بينما تنحو أوشام المرأة نحو الرمزية والغموض أكثر.
وبينما تدمي المرأة وجهها بالندب حزنا وتألما، يذهب الرجل إلى شطب ذراعيه بآلة حادة، وهنا تتضح هوية كل منهما.
فالمرأة تتشكل هويتها عبر جمال الوجه فتهاجمه وتشطبه في محاولة لمحوه، بينما تتشكل هوية الرجل من خلال ذراعه فيذهب إلى فعل استعاري لقطعها عبر الشطب والتجريح.
وكلاهما يحول جسده إلى دفتر يسجل عليه يومياته وخربشاته حتى تنتهي الأوشام والندوب طروسا فوق بعضها تشي بالتجارب التي خاضها ذلك الفرد في العالم.
لئن كان التشفير في العمل الاستخباراتي أو التشفير العرقي أو التشفير العاطفي على الجسد يحصر التلقي في عدد قليل من القادرين على فك الشفرة، فإن ظاهرة التشفير في اليوميات تحصر عملية التلقي في صاحبها وحده، مؤكدا أن اليوميات تكتب أولا للذات الكاتبة وليست معنية بمتلق آن لأن كاتبها لا يكتبها من أجل النشر.
ويأتي التشفير يدعم الحرص على تأجيل الكشف عنها لزمن وواقع آخر، فيحرص على إحكام مغالقها عبر تلك اللغة المشفرة التي قد لا يكون لها منطقا واضحا، وكأن بالعملية في حد ذاتها تعود بنا إلى درس اللغوي فرديناند دي سوسير عن اعتباطية العلامة (L’arbitraire du signe) وعلاقة الدال بالمدلول.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة