آخر الأخبار

التكافل… ذلك الإسمنت غير المرئي الذي يحمي تونس: المعنى، الفوائد، والمرجعيات في القرآن الكريم

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

في اللحظات العصيبة، لا تُقاس المجتمعات بخطاباتها بقدر ما تُقاس بأفعالها. فبعد أزمة، أو فيضانات، أو مأساة، يظهر أفضل ما فيها… أو أسوأه. وهنا تحديدًا يتجلّى معنى التكافل الحقيقي: لا بوصفه شعارًا، بل قوة عملية قادرة على الترميم، وبثّ الطمأنينة، والحفاظ على صمود الوطن.

في تونس، حيث تنبثق روح التضامن الشعبي غالبًا بعفوية، يظلّ التكافل أحد أبرز مكامن القوة في البلاد. غير أنّه يبقى أيضًا رهانًا حاسمًا: فحين تتفاقم مظاهر الإرهاق الاجتماعي، أو الهشاشة، أو الانقسام، قد يضعف هذا المنعكس الجماعي.

يقدّم هذا الملف قراءة واضحة ومفيدة لمفهوم التكافل عبر ثلاثة محاور متكاملة: نفسي، اجتماعي وروحي، مع إحالات صريحة إلى القرآن الكريم، ولا سيما في ما يتعلّق بالتضامن، والأخوّة، والزكاة.

التكافل: قيمة… وضرورة وطنية

لا يقتصر التكافل على “مساعدة شخص ما”، بل هو آلية استقرار. إنّه بمثابة ممتصّ للصدمات الاجتماعية: يخفّف العزلة، ويهدّئ التوتّرات، ويُسرّع التعافي بعد الأزمات، ويمنح للمحنة معنى جماعيًا. وحيثما وُجد التكافل، حُميت الثقة. وحين يغيب، تتّسع الشروخ: ينكفئ الأفراد على ذواتهم، وتتنامى الشكوك، وتتآكل اللحمة الوطنية.

في بلد يواجه تحدّيات اقتصادية، وتوتّرات اجتماعية، وهزّات مناخية متكرّرة، يصبح التكافل ميزةً استراتيجية. فهو يوفّر الوقت والجهد، وأحيانًا الأرواح. كما يساهم في صون قيمة جوهرية: الكرامة.

ما الذي يقدّمه التكافل؟ المكاسب الملموسة والأخلاقية

كثيرًا ما يُطرح السؤال: “ماذا نربح من المساعدة؟”. والجواب ليس دينيًا فحسب، بل إنساني واجتماعي أيضًا.

1) على الصعيد الفردي: الصحّة النفسية والقوّة الداخلية
تُخفّف المساعدة شعور العجز. نفسيًا، يمنح التكافل إحساسًا بالفعل واستعادة السيطرة في مواجهة الفوضى. كما يُعزّز تقدير الذات، ويقوّي الشعور بالجدوى، ويحدّ من العزلة. وغالبًا ما تكون المجتمعات التي ينبض فيها التكافل أكثر قدرة على الصمود العاطفي.

2) على الصعيد الجماعي: التماسك، الثقة، والاستقرار
يحدّ التكافل من الاحتقان، ويُضعف “صراع المكانات” ومنطق “نحن ضدّهم”. ويُنشئ جسورًا بين الأحياء، والجهات، والطبقات الاجتماعية. فالمجتمع المتضامن أقدر على مواجهة الأزمات، لأنه لا يسمح للمحن بأن تحوّل المواطنين إلى خصوم.

3) على الصعيد الروحي: الرحمة، التطهير، والمضاعفة
في المرجعية القرآنية، يرتبط التكافل بمنافع صريحة: الرحمة الإلهية، وتطهير المال والقلب، ومضاعفة الأجر. وهي فكرة عميقة مفادها أنّ ما يُعطى لا ينقص حقيقةً، بل يتحوّل.

التكافل في القرآن الكريم: مرجعيات أساسية (نصًّا وترجمة)

التعاون على الخير
﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾
سورة المائدة – الآية 2
الترجمة: تعاونوا على البرّ والتقوى، ولا تتعاونوا على الإثم والعدوان.
يؤسّس هذا النص مبدأً واضحًا: فالتكافل ليس حياديًا، بل ينبغي أن يكون في خدمة الخير لا الانحراف.

الأخوّة والإصلاح
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾
سورة الحجرات – الآية 10
الترجمة: إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين إخوتكم.
فالتكافل لا يقتصر على المال أو العون المادي، بل يشمل صون الروابط الاجتماعية وترسيخ السلم.

المؤمنون أولياء بعضهم… ووعد الرحمة
﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ … أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ﴾
سورة التوبة – الآية 71
الترجمة: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض… أولئك سيرحمهم الله.
هنا، يتجلّى “المكسب” بوضوح: الرحمة ثمرة التضامن والمسؤولية الجماعية.

الإيثار على النفس
﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾
سورة الحشر – الآية 9
الترجمة: ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.
يضع هذا النصّ في الصدارة مفهوم تضامن لا يتوقّف على الوفرة.

الزكاة: تكافل منظّم لا مجرّد مبادرة عفوية

التكافل الشعبي ثمين، لكنه قد يكون متقطّعًا. أمّا الزكاة فهي تضامن مؤسّسي يحوّل التكافل إلى نظام.

الزكاة تطهير وارتقاء
﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾
سورة التوبة – الآية 103
الترجمة: خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم وتزكّيهم بها.

الطمأنينة والأجر
﴿ … وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ … وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
سورة البقرة – الآية 277
الترجمة: … فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

المستفيدون: عون موجَّه
﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ … ﴾
سورة التوبة – الآية 60
الترجمة: إنما الصدقات للفقراء والمساكين… والغارمين… وابن السبيل…
والغاية الاجتماعية واضحة: منع فئات بأكملها من السقوط الدائم في التهميش.

حقّ معلوم في الأموال
﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ۝ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾
سورة المعارج – الآيتان 24-25
الترجمة: والذين في أموالهم حقّ معلوم للسائل والمحروم.
فالمساعدة هنا ليست مِنّةً مُهينة، بل حقّ يصون الكرامة.

التكافل والحماية من الفتنة: درس محوري

حين يتراجع التكافل، تتقدّم الفتنة. وهي سمّ بطيء يمزّق العائلات والأحياء والجهات، ويُشيع الكراهية الاجتماعية ويقوّض الثقة.

ويحذّر القرآن أيضًا من الانقسام وعواقبه الجماعية:
﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾
سورة الأنفال – الآية 25
الترجمة: واتقوا فتنةً لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة.
أي أنّ الفتنة تتجاوز دائمًا من أشعلها لتطال الجميع.

ما الذي يمكن لتونس تعزيزه؟ التكافل كخيار استراتيجي

لصون هذا المنعكس التونسي، ينبغي تجنّب فخّين:
الأول، تضامن عاطفي يقتصر على الأزمات ثم يتلاشى.
والثاني، تضامن انتقائي يساند “أبناءنا” ويتجاهل الآخرين.
فالتكافل المستدام هو ما يتحوّل إلى ثقافة داخل العائلات، والأحياء، والمؤسسات، والشركات، والجمعيات.

كما يمكن ترسيخ التكافل باعتباره استثمارًا وطنيًا: يقلّل الهشاشة، ويحدّ من الاحتقان، ويحمي السلم الاجتماعي، ويجعل المجتمع أكثر قدرة على مواجهة الصدمات الاقتصادية والمناخية.

وهكذا، يظلّ التكافل أحد أجمل وجوه تونس. ليس مجرّد قيمة أخلاقية، بل قوّة جماعية، وسدًّا منيعًا أمام الفتنة، وخيارًا حضاريًا.
فعندما يختار مجتمعٌ الدعم بدل السخرية، والترميم بدل الاتهام، فإنّه يحمي نفسه. وكما تقول حكمة بليغة: ليس ضجيج الأزمات ما يدمّر الأوطان، بل الطريقة التي ينظر بها أبناؤها إلى بعضهم حين يسقط أحدهم.

🕌 يمثّل هذا النص افتتاح سلسلة مقالات تُنشر كلّ يوم جمعة، تسلّط الضوء على مسارات أشهر المعتنقين للإسلام، والدوافع التي غذّت رحلتهم الروحية، وغالبًا ما كانت مدفوعة باكتشافات من هذا القبيل.

المقال رقم 1: حين يقود البحث عن الحقيقة إلى الإسلام: مسيرة العالِم توماس بالانتاين إيرفينغ
المقال رقم 2: غاري ميلر: من الشكّ إلى المعجزة… كيف غيّر القرآن مسار واعظ مسيحي
المقال رقم 3: مالكوم إكس: من النضال من أجل الحقوق المدنية إلى نور القرآن… بحث إنساني عن الحقيقة
المقال رقم 4: مالكوم إكس: من النضال من أجل الحقوق المدنية إلى نور القرآن… بحث إنساني عن الحقيقة
المقال رقم 5: كات ستيفنز: من الشهرة الموسيقية إلى نور الإسلام
المقال رقم 6: القصة المدهشة ليورام فان كلافيرن: من الإسلاموفوبيا إلى الإيمان
المقال رقم 7: حين يقود البحث عن الحقيقة إلى الإسلام: المسار الروحي للمعتنقين
المقال رقم 8: علي عزت بيغوفيتش: من الشكّ إلى نور الإسلام… سيرة رئيسٍ صاحب رؤية
المقال رقم 9: ولفريد هوفمان: من دبلوماسي إلى مفكّر مسلم… مسار تقوده العقلانية
المقال رقم 10: الرضاعة الطبيعية: حين تؤكّد العلوم الحديثة توصيةً قرآنية
المقال رقم 11: الصيام: فائدة كُشف عنها قبل 14 قرنًا وأثبتها العلم اليوم
المقال رقم 12: حين يؤكّد العلم القرآن: لحظة التحوّل لدى من يكتشفون الإسلام بالعقل
المقال رقم 13: حين تحدّث القرآن عن الرياح اللواقح: حقيقة علمية كُشفت بعد 13 قرنًا
المقال رقم 14: الصلاة في الإسلام: كنزٌ صحّي مهمل في ضوء العلم
المقال رقم 15: القرآن بوصلة في زمن الأزمات: حين تتحوّل المحن إلى نِعَم
المقال رقم 16: القرآن في مواجهة العلم: عندما ينحني العلماء أمام الدليل
المقال رقم 17: القرآن – وصايا لقمان الخالدة لابنه: دليل روحي ونفسي عابر للزمن
المقال رقم 18: ظلمات أعماق البحار: إشارة علمية في القرآن قبل 14 قرنًا
المقال رقم 19: من أمجاد الملاعب إلى نور القرآن: أبطال اختاروا الإسلام
المقال رقم 20: ما الذي يعلّمنا إيّاه القرآن عن تربية الأبناء وبرّ الوالدين
المقال رقم 21: وهل يمكن أن يكون القرآن بلا مصادفة؟ توافُقات تُحيّر المنطق البشري
المقال رقم 22: من الغضب إلى النور: تحوّل مالكوم إكس وقوّة الرسالة القرآنية الخالدة
المقال رقم 23: إعجاز القرآن في مواجهة العلم: حين تتكلّم الأرقام
المقال رقم 24: القرآن والتنمية الذاتية: 10 آيات تغيّر حياة
المقال رقم 25: كيف استبقَت آية قرآنية من القرن السابع اكتشافًا بيولوجيًا مهمًا؟
المقال رقم 26: حاجز بين بحرين: آية لم يفهمها العلم إلا بعد 13 قرنًا
المقال رقم 27: معجزة قرآنية عن تمدّد الكون أقرّها العلم بعد 1300 عام
المقال رقم 28: معجزة “السماء الواقية”: حقيقة علمية أشار إليها القرآن قبل 14 قرنًا
المقال رقم 29: الجبال واستقرار الأرض: حقيقة علمية كشفها القرآن قبل 14 قرنًا
المقال رقم 30: القرآن ونشأة الكون: توافقات مدهشة
المقال رقم 31: حين يؤكّد العلم القرآن: آيات مدارات الأجرام في ضوء تاريخ الاكتشافات
المقال رقم 32: حكمة لقمان الخالدة: درس عالمي بين الإيمان والأخلاق والذكاء العاطفي
المقال رقم 33: القرآن والعلم: تقاطعات تخاطب العقل والقلب
المقال رقم 34: شينيد أوكونور: من التمرّد الروحي إلى السكينة… لماذا اختارت الإسلام
المقال رقم 35: اعتناق الإسلام: فهم “لحظة التحوّل” وراء ظاهرة عالمية
المقال رقم 36: لماذا لا يزال القرآن يثير الدهشة؟ 14 توصية تتجاوز العصور
المقال رقم 37: حرية الاعتقاد: ماذا يقول القرآن حقًا عن الإيمان والإكراه والاعتناق
المقال رقم 38: الكِبر والتواضع: ما الذي يقوله القرآن بوضوح
المقال رقم 39: إدارة التغيير: ما يقوله القرآن ولماذا يلتقي مع علم النفس الحديث
المقال رقم 40: رسالة القرآن حول التنوّع… مفاجأة متجدّدة
المقال رقم 41: الجحود: ما يقوله القرآن بوضوح ولماذا يؤكّده علم النفس الحديث
المقال رقم 42: القرآن وآيات الخلق: رسالة كُشفت قبل 14 قرنًا ولا تزال تُلهم
المقال رقم 43: حين يشتدّ الاضطراب: خطة عمل قرآنية تؤكّدها العلوم الحديثة.

اشترك في النشرة الإخبارية اليومية لتونس الرقمية: أخبار، تحليلات، اقتصاد، تكنولوجيا، مجتمع، ومعلومات عملية. مجانية، واضحة، دون رسائل مزعجة. كل صباح.

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

تحقّق من صندوق بريدك الإلكتروني لتأكيد اشتراكك.

تعليقات
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا