دمشق – في مشهد تنصهر فيه جماليات الحرف السورية الأصيلة مع عظمة وعبق التاريخ، أقامت مؤسسة حلم دمشقي بالتعاون مع وزارة الثقافة السورية فعالية "بيت التراث السوري" في موقع البرج الثامن من قلعة دمشق التاريخية المُعاد ترميمه مؤخرا.
وتهدف الفعالية إلى إعادة إحياء التراث السوري المادي واللامادي، من خلال معرض تفاعلي يضم مختلف الحرف السورية التقليدية، ويقدمها ضمن فضاء ثقافي يعزز ارتباطها بالحياة اليومية والذاكرة الحية للسوريين.
ويعتبر المعرض جزءا من مشروع وزارة الثقافة السورية لترميم الذاكرة، والتعريف بهوية السوريين، وتعزيز ارتباطهم بإرثهم الثقافي بوصفه عنصرا حيا وفاعلا في حاضرهم ومستقبلهم.
وتقول نور المسلماني، مدرّبة حرفة الدهان الدمشقي في مؤسسة حلم دمشقي، إن الحضور إلى المعرض كان لافتا.
مشيرة إلى أن الزوار كانوا متفاعلين بشكل كبير مع المدربين القائمين على المعرض، وهو ما يعكس رغبة حقيقية لدى السوريين في التعرف إلى هذه الحرف وفنون صناعتها.
وتضيف مسلماني، في حديث للجزيرة نت، أن المعرض يمثل فرصة مهمة للتعرف عن قرب إلى هذه الحرف، والموقع الحقيقي الذي تشغله في السوق التجارية، وإمكانية تحويل الاهتمام بها إلى هواية مُنتجة على المدى المتوسط.
وتشارك في المعرض مجموعة واسعة من الحرف اليدوية التقليدية والتراثية التي تعكس هوية الحرفة السورية عموما، وفي مقدمتها الفن العجمي؛ وهو فن الزخرفة النافرة على الخشب، والذي اشتهرت به البيوت الدمشقية القديمة، حيث تُزيّن عادة الأسقف والجدران بنقوش بارزة وألوان غنية، ويعد هذا الفن من الفنون الدمشقية الأصيلة المرتبطة بالعمارة التقليدية.
كما يضم المعرض حرفة الزجاج الدمشقي، وهي من أقدم الحرف المعروفة تاريخيا، إذ تعود جذورها إلى العهدين الكنعاني والفينيقي، قبل أن تطورها دمشق وتصقل تقنياتها وتنقلها إلى العالم، وتعتمد هذه الحرفة على صهر الزجاج وتلوينه ثم نفخه يدويا لإنتاج قطع فنية بأشكال متنوعة.
ومن الحرف المشاركة أيضا القيشاني أو السيراميك الدمشقي، وهي عبارة عن ألواح خزف مصنوعة يدويا، ومزخرفة برسوم نباتية أو هندسية، وتتميز بألوانها المعروفة لا سيما الأزرق اللازوردي، والأخضر الزمردي، والأحمر المرجاني.
إضافة إلى ذلك، يضم المعرض حرفة الفخار، وهي من الحرف المستمرة المنتشرة في مختلف المحافظات السورية لأغراض الاستخدام اليومي (كؤوس وأباريق) أو للعرض الفني كتحف.
ويشمل المعرض أيضا مجموعة واسعة من الحرف الأخرى، كالموزاييك، والمنمنمات الدمشقية، وصناعة الأعواد الموسيقية، والزجاج المعشَّق، والبسط.
ومن جهتها، توضح د. هبة صالح، نائب رئيس مجلس أمناء مؤسسة حلم دمشقي، أن الهدف من المعرض وغيره من الفعاليات التي تقوم بها المؤسسة هو ضمان الحفاظ على الهوية الوطنية والتراث المادي واللامادي المتعلق بالحرف التراثية التقليدية اليدوية السورية، بالإضافة إلى تمكين الجيل الشاب في هذا القطاع المهم، وتأهيل مدربين أكفاء لحمل هذا الإرث.
وتشير في حديث للجزيرة نت، إلى أن المؤسسة تنشط في مجال توثيق الحرف اليدوية التقليدية والتراثية، وقد نفذت خلال السنوات الماضية عدة مشاريع كان آخرها توثيق الكحل العربي، والزجاج اليدوي المنفوخ، وصناعة الأعواد الموسيقية.
وتبين صالح أن جميع الحرفيين الذين شملهم التوثيق أصبحوا أعضاء ضمن المؤسسة، وهي مؤسسة تخصّصية تعنى بالحرف التقليدية، بدأت نشاطها منذ عام 2012، وتم ترخيصها رسميا من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل العام الماضي.
وتشير صالح إلى أن المؤسسة تطلق سنويا ما بين 3 إلى 4 دورات تدريبية حرفية مجانية بالكامل، تستهدف شريحة الشباب لتدريبهم على مختلف الحرف اليدوية، وتستقبل كل دورة ما بين 130 و150 متدربا.
كما تمتلك مؤسسة حلم دمشقي استراتيجية تدريبية مدروسة، تبدأ من تقييم مستوى الطالب، ثم تحديد نقاط الضعف والقوة لديه، ولاحقا توجيهه إلى الحرفة الأنسب لمهاراته، ليتمكن خلال 3 أشهر من التدريب المكثّف من إنتاج قطعته الحرفية الأولى.
وتلفت صالح إلى أن هذا النوع من التدريب يمكنه تمكين الشباب في مجال الحرف اليدوية بشكل فعلي لإعادته إلى المشهد كرافعة اقتصادية لا مجرد تراث يحتفى به لمرة أو اثنتين في المعارض ثم يُنسى.
وحول رسالة معرض "بيت التراث السوري"، تقول صالح إنها تتركز على توثيق وصون الحرف اليدوية التقليدية، واستعادة الحرف المندثرة، مشيرة إلى نجاح المؤسسة في إحياء حرفة "المينا الدمشقية" التي انقطعت ممارستها منذ القرن السابع عشر، حيث جرى استعادتها والبدء بتدريب جيل جديد من الشباب عليها، إلى جانب العديد من الحرف الأخرى.
وواجهت الحرف اليدوية التقليدية والتراثية السورية، في السنوات الأخيرة، خطرا حقيقيا من الاندثار بسبب استمرار الحرب وتدهور الظروف الاقتصادية، حيث دُمرت العديد من الورش والحرف القديمة مثل الصدف الدمشقي والنحاسيات والأقمشة المطرزة، وفقد كثير من الحرفيين مصادر رزقهم أو اضطروا للغربة، مما أدى إلى انخفاض هائل في عدد المهنيين الممارسين لهذه الحرف.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة