دبي، الإمارات العربية المتحدة ( CNN )-- تتسبّب المشروبات الكحولية بإبطاء ردود الفعل، وإضعاف القدرة على اتخاذ القرارات، وصعوبة التركيز، كما أنّها قد تؤدي إلى الشعور بالدوار أو الغثيان، وهي آثار تزداد خطورةً عند التحليق بطائرة .
ورُغم ندرة محاولة الطيارين التجاريين التحليق تحت تأثير الكحول، إلا أنّ سلسلة من الحوادث في السنوات الأخيرة سلّطت الضوء على هذه المشكلة.
وفي ديسمبر/كانون الأول من 2024 على سبيل المثال، تعرّضت الخطوط الجوية اليابانية للتدقيق بسبب استهلاك طيارين كميات كبيرة من الكحول قبل يوم من رحلتهما.
واعترف طيار من شركة الطيران ذاتها بشرب 3 زجاجات من الجعة في اليوم السابق لرحلته من هاواي إلى مطار تشوبو سنتراير الدولي في اليابان في أغسطس/آب 2025.
لكن ليست شركة الطيران اليابانية الوحيدة فيما يتعلق بهذه المشكلة، ففي يناير/كانون الثاني 2024، أُلقي القبض على طيار من شركة طيران "ساوث ويست" في ولاية جورجيا الأمريكية للاشتباه في تناوله الكحول قبل رحلة إلى شيكاغو.
وتثير هذه الحوادث سؤالاً مهمًا: ما القوانين المُطبقة فعليًا لضمان يقظة الطيارين عند التحليق بطائرة؟ الإجابة ليست واضحة تمامًا، فلا يوجد قانون مُوحَّد تطبقه جميع شركات الطيران.
عمليًا، تعتمد شركات الطيران على عدة مستويات من الحماية، تشمل فرض حدود صارمة لتركيز الكحول في الدم، والفحوصات العشوائية، وغيرها.
وفي حال المخالفات، فتُفرض عقوبات صارمة تتراوح بين تعليق الرخصة وإلغائها وصولاً إلى الملاحقات الجنائية. كما تشترط بعض الدول إجراء فحوصات التنفس قبل الرحلة.
وبينما تحظر إرشادات منظمة الطيران المدني الدولي على العاملين المرخصين في مجال الطيران "العمل تحت تأثير المواد المؤثرة على العقل"، إلا أنّ الجهات التنظيمية وشركات الطيران الفردية هي من تحدد التفاصيل الدقيقة.
تشترط بعض الدول ألا يتجاوز تركيز الكحول في الدم 0.04%، بينما تفرض دول أخرى حدودًا تصل إلى 0.02% أو حتّى 0.00%.
علاوةً على ذلك، تفرض بعض السلطات القضائية حدًا أدنى للفترة الزمنية بين آخر مشروب استهلكه الطيار وبين وقت بدء عمله، تتراوح بين 8 و10 و12 و24 ساعة على الأقل.
تُصعِّب جميع هذه القواعد المختلفة على الطيارين الالتزام بالقيود أثناء الطيران دوليًا. لكن بالنسبة لقائد التدريب المتقاعد بيت هاتشيسون، الذي عمل طيارًا دوليًا مع شركة "فيرجن أتلانتيك" لأكثر من 20 عامًا، فإنّ الحسابات بسيطة للغاية.
وقال هاتشيسون، المعروف باسم " Pete the Irish Pilot " على موقع "إنستغرام"، لشبكة CNN : "كنت أعمل وفق معيار عام، وهو ألا أضع نفسي في موقف أجادل فيه حتّى بشأن احتمال بلوغ نسبة الكحول في دمي 0.01%".
وخلال فترات التوقف القصيرة، التي تبلغ أقل من 24 ساعة مثلاً، كان الإيرلندي يمتنع عن شرب الكحول ويشجع طاقمه على الأمر ذاته.
في المملكة المتحدة، حيث يقيم هاتشيسون، يجب ألا تتجاوز نسبة الكحول في الدم لدى الطيارين 0.02%، ويخضعون لاختبارات عشوائية أثناء عمليات التفتيش.
وبدأ تطبيق برنامج الفحص في فبراير/شباط 2022، ورُغم تقاعد هاتشيسون عام 2023، إلا أنّه قال إنّه لم يخضع مع أي من أفراد طاقمه للاختبار قط.
وتتمتع الولايات المتحدة بلوائح أكثر تساهلاً.
تشترط إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية ألا تتجاوز نسبة الكحول في الدم لدى الطيارين 0.04%، أي نصف الحد القانوني المسموح لقيادة السيارة، مع مرور 8 ساعات على الأقل بين فترة استهلاك الكحول وبدء العمل.
وعلاوةً على ذلك، توصي إدارة الطيران الفيدرالية بالانتظار 24 ساعة، محذرةً من أنّ الساعات الثماني المطلوبة قانونًا قد لا تكون كافية لبلوغ نسبة الكحول القانونية في الدم، وأنّ آثار الصداع قد تؤثر سلبًا على أداء الطيار.
وفي حين أنّ القانون الياباني لا يذكر حدًا معينًا، يُتوقع من شركات الطيران تطبيق معاييرها الخاصة لضمان السلامة والامتثال.
وبعد حادثتي عام 2024 و2025، طبّقت الخطوط الجوية اليابانية سلسلة من القواعد والتدابير الوقائية الأكثر صرامة.
غالبًا ما تُعتبر الهند صاحبة أشد القوانين صرامة في العالم فيما يتعلق بالكحول والطيران.
يُطبق المدير العام للطيران المدني سياسة صارمة لعدم التسامح مطلقًا، مصممة للقضاء على أي احتمال لتأثير الكحول على أداء الطيارين في قطاع الطيران سريع النمو في البلاد.
وبالنسبة للطيارين، يعني ذلك الالتزام بقاعدة الامتناع عن تناول الكحول لمدة 12 ساعة قبل بدء العمل، وعدم تجاوز نسبة الكحول في الدم 0.00%.
إلى جانب ذلك، يجب على الطيارين الخضوع لاختبار تنفس أمام الكاميرا قبل كل رحلة في غرفة مخصّصة بالمطار.
إلى جانب القواعد الرسمية والاختبارات، تقدم العديد من شركات الطيران برامج دعم وتأهيل للأقران لمساعدة أفراد الطاقم الذين يواجهون صعوبات.
وعلى سبيل المثال، تقدم شركة "فيرجن أتلانتيك" مجموعة واسعة من أنظمة الدعم، بدءًا من موارد الصحة النفسية، وتقييمات الصحة العقلية، وصولاً إلى الاستشارات الطبية السرية من خلال خدمات الصحة المهنية، والدعم النفسي الفوري.
وأكّدت الشركة أنّها تتبع توجيهات هيئة الطيران المدني البريطانية بشأن توفير مسارات للطيارين لاستعادة تصاريح الطيران التي فقدوها بسبب مشاكل متعلقة بالكحول.
تُعتبر هذه البرامج مهمة، ويعود ذلك جزئيًا إلى أنّ الطيارين قد يواجهون ضغوطًا غير مرئية.
كشفت دراسة فرنسية نُشرت عام 2025 في مجلة " Frontiers in Public Health " عن مستويات ملحوظة من القلق والاكتئاب وإساءة استخدام الكحول بين طياري الخطوط الجوية الأوروبية.
ومن بين 1،220 مشاركًا، أفاد أكثر من ربعهم بمعاناتهم من القلق، بينما أبلغ 13% عن المعاناة من أعراض اكتئابية، ونحو 40% بإساءة استخدام الكحول، ما دفع إلى المطالبة بإجراء بحوث معمقة حول الأسباب وتوفير أنظمة دعم أكثر فعالية.
لكن جدير بالذكر أنّ المخالفات المتعلقة بالكحول نادرة للغاية.
ووفقًا لأحدث بيانات اختبارات الكحول الصادرة عن إدارة الطيران الفيدرالية، أُجري 64،023 اختبارًا عشوائيًا على العاملين في مجال الطيران الذين يشغلون وظائف حساسة للسلامة في عام 2023.
ومن بين هؤلاء، كانت 65 نتيجة فقط، أي 0.001% فقط، مساوية أو أعلى من الحد القانوني البالغ 0.04% لنسبة الكحول في الدم.
وأكّد هاتشيسون: "السفر الجوي وسيلة السفر الأكثر أمانًا.. وهذه السلامة لم تنجم عن صدفة. يتم ذلك من خلال التدريب الصارم، والحفاظ على المعايير، والتعلم من الحوادث على مر السنين".
المصدر:
سي ان ان