آخر الأخبار

عين ترامب على غرينلاند: ما سر هذه الجزيرة النائية؟

شارك
العلم الأمريكي على السفارة الأمريكية في نوك، عاصمة غرينلاند - تؤكد الولايات المتحدة الأمريكية في عهد دونالد ترامب بقوة على مطالبتها بالسيطرة على غرينلاندصورة من: Jack Parrock/DW

جدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مطالبة الولايات المتحدة الأمريكية بالسيطرة على غرينلاند . وقال: " نحن بحاجة إلى غرينلاند لأسباب تتعلق بالأمن القومي ، والدنمارك غير قادرة على القيام بذلك". وقد نشرت كاتي ميلر، وهي مقربة من ترامب، خريطة لغرينلاند على مواقع التواصل الاجتماعي بألوان العلم الأمريكي. وفي حوار مع شبكة CNN قال زوجها، ستيفن ميلر، وهو نائب رئيس أركان إدارة ترامب، إنَّ غرينلاند يجب أن تكون جزءاً من الولايات المتحدة الأمريكية ، وشكك في حق سيطرة الدنمارك على غرينلاند. وتساءل: "بأي حق تسيطر الدنمارك على غرينلاند؟ وما هو الأساس القانوني الذي يجعلها تابعة للدنمارك؟".

ومن جانبها ردت الدنمارك والعديد من الدول الأوروبية برفضها الحاد للادعاءات الأمريكية المتكررة. وقالت رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن يوم الاثنين إنَّها قدمت موقف مملكة الدنمارك بوضوح تام، وإنَّ غرينلاند أكدت أكثر من مرة على أنَّها لا ترغب في أن تصبح جزءًاً من الولايات المتحدة. ولكنها أضافت: "للأسف أعتقد أنَّه يجب أخذ الرئيس الأمريكي على محمل الجد عندما يقول إنَّه يريد غرينلاند".

تتمتع غرينلاند من الناحية الإدارية منذ عام 2009 بحكم ذاتي واسع، لكن اعتمادها المالي على كوبنهاغن كبيرصورة من: Johan Nilsson/TT/picture alliance

ما الذي يجعل غرينلاند مميزة إلى هذا الحد؟

من المعروف أنَّ غرينلاند أكبر جزيرة في العالم، وتبلغ مساحتها تقريبًا مساحة المكسيك أو المملكة العربية السعودية أو جمهورية الكونغو الديمقراطية، ونصف مساحة الاتحاد الأوروبي . وفي هذه المساحة التي تزيد عن مليوني كيلومتر مربع لا يعيش سوى نحو 60 ألف نسمة. ومعظمهم من شعب كلاليت إنويت (الإسكيمو)، ويعيشون في بلدات ساحلية صغيرة، ويعيش ثلثهم تقريباً في العاصمة نوك.

وغرينلاند جزء من الدنمارك، الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي و حلف الناتو ، ولكنها تتمتع إدارياً بحكم ذاتي داخل مملكة الدنمارك منذ عام 2009. ولكن سياستها الخارجية والأمنية ما تزال تحدّد في كوبنهاغن .

وتمتد جزيرة غرينلاند جغرافياً من شمال المحيط الأطلسي حتى المحيط المتجمد الشمالي. ويغطي الجليد 80 بالمائة من مساحهتا. وفقط المناطق الساحلية، التي تزيد مساحتها قليلًا عن مساحة ألمانيا ، خالية من الجليد على الأقل خلال فصل الصيف.

ومع ذلك فإنَّ الاحتباس الحراري يؤدي إلى تقلص الكتل الجليدية تدريجياً في المحيط المتجمد الشمالي: وهكذا يصبح الوصول إلى داخل غرينلاند أسهل وتصبح الطرق البحرية عبر القطب الشمالي صالحة في بعض أوقات السنة للملاحة.

ونتيجة لذلك فقد أصبحت هذه المنطقة كلها وبشكل متزايد محور اهتمام مصالح جيوسياسية: فمن ناحية، قد يصبح قريباً استغلال المواد الخام هناك مجدياً من الناحيبة الاقتصادية. ومن ناحية أخرى، باتت تنتفتح هناك طرق شحن جديدة للسفن التجارية وكذلك الحربية.

انحسار الجليد يؤدي إلى فتح طرق بحرية جديدة واكتشاف ثروات طبيعية تسيل لعاب القوى العظمىصورة من: Ulrik Pedersen/NurPhoto/picture alliance

ما الذي تريده الولايات المتحدة الأمريكية من غرينلاند؟

توجد في غرينلاند ثروات طبيعية تشمل المواد الخام الحرجة والاستراتيجية، مثل اليورانيوم والنفط والغاز الطبيعي، وكذلك أكبر احتياطي معروف من رواسب العناصر الأرضية النادرة في العالم. وبالإضافة إلى النيكل والنحاس والذهب والغرافيت. وعلى الرغم من أنَّ حكومة غرينلاند قد أوقفت إلى حد كبير استخراج المعادن النادرة واليورانيوم والنفط والغاز لأسباب بيئية ضمن إطار حكمها الذاتي. ولكن السؤال يبقى: إلى متى سبقى هذا الوضع قائماً إذا انفصلت غرينلاند عن الدنمارك وأصبحت - بأي شكل من الأشكال - منطقة تخضع مباشرة لنفوذ الولايات المتحدة الأمريكية؟

وفي حين أنَّ الكثير من المحللين يعتبرون الموارد الطبيعية من أهم أسباب اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية المتزايد بغرينلاند، يرفض الرئيس الأمريكي ذلك ويشير إلى القيمة الجيوسياسية لهذه الجزيرة. وقد عيّن قبل عيد الميلاد بفترة قصيرة مبعوثاً خاصاً لغرينلاند. وقال ترامب في مؤتمر صحفي: " نحن بحاجة إلى غرينلاند من أجل الأمن القومي ، وليس من أجل ثروتها المعدنية".

و واشنطن تنظر إلى هذه الجزيرة كنقطة أمامية استراتيجية في منطقة القطب الشمالي، خاصة في ظل تزايد نشاطات روسيا والصين في المنطقة. ومن المحتمل أن يتعلق ذلك أيضاً بالحد من وصول القوى الكبرى الأخرى إلى المواد الخام في القطب الشمالي وسيطرتها على الطرق البحرية الجديدة.

ولكن هناك أيضاً جوانب عسكرية استراتيجية تلعب دوراً مهماً منذ فترة طويلة. ففي عام 1951، أي مع بداية الحرب الباردة، عقدت الولايات المتحدة الأمريكية والدنمارك اتفاقية دفاع مكنت الولايات المتحدة من بناء قاعدة ثول الجوية في غرينلاند، والتي تستخدم الآن أيضاً لمراقبة الفضاء، وتحمل منذ عام 2023 اسم قاعدة بيتوفيك الفضائية. وهذه القاعدة تعد ركناً أساسياً في نظام الإنذار المبكر الأمريكي لاكتشاف إطلاق الصواريخ وتتبعها. والمنطقة القطبية الشمالية أقرب بكثير إلى أوراسيا - مع الصين وروسيا و كوريا الشمالية أيضاً - من قربها إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

هل هذا الاهتمام الأمريكي بغرينلاند جديد؟

واهتمام الولايات المتحدة الأمريكية بغرينلاند ليس جديدًا على الإطلاق. ففي عام 1867 - العام الذي اشترت فيه الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا، فكّر السياسيون الأمريكيون في ضم غرينلاند وأيسلندا. وفي 1 تموز/ 1868، ذكرت الصحف الأمريكية أنَّ وزير الخارجية الأمريكي ويليام هنري سيوارد على وشك عقد صفقة شراء غرينلاند مقابل ما يساوي 5.5 مليون دولا آنذاك. ومع أنَّ هذه الصفقة فشلت، لكن الفكرة ظلت شديدة التأثير عبر العقود. وخلال الحرب العالمية الثانية ، عندما احتلت ألمانيا الدنمارك، تولت الولايات المتحدة السيطرة الفعلية على غرينلاند، ولكن أعادتها إلى الدنمارك في نهاية الحرب.

وفي عام 1955، حاول مستشارو الأمن القومي إقناع الرئيس الأمريكي آنذاك دوايت د. أيزنهاور بشراء الجزيرة. ولكن مع معاهدة الدفاع في عام 1951، قامت الدنمارك بمنح الولايات المتحدة صلاحيات واسعة، جعلت الإدارة الأمريكية ترى أنَّ المخاطر الدبلوماسية لمثل هذه المحاولات كبيرة للغاية.

ولكن الفكرة لم تكن قد دفنت بذلك؛ بل كان يتم نقاشها في غرف خلفية. وفقط دونالد ترامب أعادها إلى دائرة الضوء خلال فترة رئاسته الأولى (2017-2021). وقد ألغى ترامب في اللحظة الأخيرة زيارة رسمية مخططة إلى رئيسة وزراء الدنمارك في كوبنهاغن في آب/أغسطس 2019، وذلك لأنَّ مضيفته رئيسة الوزراء، فريدريكسن، وصفت فكرة بيع غرينلاند للولايات المتحدة بأنَّها فكرة "سخيفة". وفي بداية ولايته الثانية مطلع عام 2025، كرّر ترامب طلبه. وبعد سؤاله، لم يستبعد ترامب سواء الضغط الاقتصادي أو الضم باستخدام العنف.

تعد قاعدة بيتوفيك الفضائية، التي كانت تعرف باسم قاعدة ثول الجوية، ركناً أساسياً في نظام الإنذار المبكر الأمريكي لاكتشاف إطلاق الصواريخ وتتبعها.صورة من: Thomas Traasdahl/Ritzau Scanpix/AP

وماذا يقول القانون الدولي عن وضع غرينلاند؟

لقد استعمرت الدنمارك قبل نحو 300 عام غرينلاند التي يسكنها شعب الإنويت. وأرسلت مملكة الدنمارك-النرويج إليها في عام 1721 أول بعثة تبشيرية. وانتهت الحقبة الاستعمارية في الجزيرة عام 1953 عندما أصبحت غرينلاند جزءاً من مملكة الدنمارك. وفي عام 1979، منحت كوبنهاغن غرينلاند الحكم الذاتي، وعزز استقلالها الذاتي قانون صدر عام 2009.

وسيادة الدنمارك على غرينلاند معترف بها دولياً بموجب أحكام منها حكم صدر في عام 1933 عن المحكمة الدولية الدائمة. وجزيرة غرينلاند تعتمد اقتصادياً بشكل كبير على الدنمارك.

ولكن غرينلاند لديها الحق في تقرير مصيرها بحسب مبادئ القانون الدولي التي وضعتها الأمم المتحدة. كما أنَّ قانون الحكم الذاتي عام 2009 يتضمن حق غرينلاند في تقرير استقلالها التام من خلال استفتاء. وقد زادت حدة النقاشات حول ذلك في السنين الماضية.

وفي ظل التصريحات الأمريكية الأخيرة، شدد رئيس وزراء غرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، على أنَّ: "غرينلاند بلدنا. وهنا يتم اتخاذ قراراتنا. وسأكافح دائماً من أجل حريتنا وحقنا في تقرير المصير وتشكيل مستقبلنا".

أعده للعربية: رائد الباش

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا