في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
قد تبدو قصة القطة التي أنقذت صاحبها من تحت الركام بعد انهيار المبنى الذي كان يقيم فيه إثر غارة إسرائيلية على الجنوب اللبناني، غريبة بعض الشيء، لكن القراءة في الكثير من الدراسات والتقارير العلمية التي اهتمت برصد العلاقة بين البشر وحيواناتهم الأليفة، ربما تقود إلى الجزم بأن ما حدث يبدو أمرا ليس غريبا إلى حد كبير.
وأصبحت القطة "سيسي"، حديث الشارع اللبناني بعد أن حكى صاحبها الشاب حسين همدر، ما فعلته معه بعد انهيار المبنى الذي كان يقطن فيه بحي السلم، والذي تعرض لغارات إسرائيلية عنيفة يوم الأربعاء الماضي.
ويقول همدر في تصريحات صحفية، إنه كان فاقدا للوعي تحت الركام، فعضته القطة بشكل قوي على لسانه، ما أعاده إليه وعيه، بينما ظلت تنظف وجهه وتزيل التراب والحجارة عنه، حتى أصبح وجهه مكشوفا، وظلت إلى جانبه تحت الركام، وأخذت تموء بصوت عال كأنها تستغيث، حتى سمع مواءها شبان من الحي، فتقدموا نحو الصوت ليجدوه ويسحبوه.
هذا السلوك الذي أقدمت عليه القطة، قد يغريك لتصفه بأنه خارق للعادة، لكن الخبراء والدراسات العلمية يصفون ما حدث، بأنه جزء من آلية بيولوجية تسمح للقطة باستشعار الألم عند البشر، ومن ثم محاولة تقديم الدعم والمساندة.
ويقول الأستاذ في قسم الحيوان بكلية العلوم الدكتور عمرو عادل للجزيرة نت إن "القطط لا تفهم الألم كما يفهمه الإنسان، لكنها تلتقط إشاراته، وتستجيب له بطرق تبدو وكأنها اهتمام أو تعاطف".
وأول إشارات الألم التي تلتقطها القطط هي "مراقبة السلوك"، إذ تراقب السلوك البشري بدقة شديدة وتلحظ أي تغيرات ناتجة عن الألم، مثل حركة أبطأ من الطبيعي، تعبير وجه مختلف، تغير في طريقة الجلوس أو المشي، وصوت مختلف (تأوه أو ضعف في النبرة)، ولأن القطط تعتمد على الملاحظة الدقيقة للبقاء، فإنها تلتقط هذه التغييرات بسرعة، كما يوضح عمرو.
وتناولت العديد من الدراسات هذا السلوك عند القطط، ومنها دراسة نشرتها دورية "أنيمالز" (Animals)، حيث أظهرت أن القطط قادرة على دمج الإشارات السمعية والبصرية لفهم الحالة العاطفية لكل من البشر وبني جنسها من القطط، وهو ما يُعرف علميا بـ"الإدراك متعدد الحواس".
واعتمد الباحثون لاكتشاف ذلك على تجربة مبتكرة، حيث تم عرض صور لوجوه بشرية وقطط تعبر عن مشاعر مختلفة (مثل السعادة والغضب)، بالتزامن مع أصوات مرتبطة بهذه المشاعر، مثل الضحك أو الهسهسة، وكانت النتيجة اللافتة هي أن القطط نظرت لفترة أطول إلى الوجه الذي يتطابق مع الصوت العاطفي الذي سمعته، ما يشير إلى أنها لا تكتفي برؤية أو سماع الإشارات، بل تربط بينها لفهم الحالة الشعورية.
وكشفت النتائج أن القطط لا تكتفي بفهم المشاعر، بل تتفاعل معها سلوكيا، فعند التعرض لإشارات "الغضب" (سواء من إنسان أو قطة)، أظهرت علامات توتر وقلق أعلى، بينما بدت أكثر هدوءا عند التعرض لمشاعر "السعادة" أو "الراحة"، وهذا يعني أن القطط قادرة على تمييز المشاعر السلبية من الإيجابية، والتصرف وفقا لذلك.
أما الإشارة الثانية التي تلتقطها القطط هي "حاسة الشم"، إذ تملك حاسة قوية جدا تجعلها قادرة على رصد أي تغيير يحدث في رائحة الجسم بسبب الألم.
ويقول عمرو إنه "عند الألم أو المرض يحدث تغير في رائحة الجسم، وإفراز هرمونات مثل الأدرينالين والكورتيزول وتغيرات كيميائية في العرق والجلد، والقطط قد تشعر أن هناك شيئا غير طبيعي عبر الرائحة فقط، حتى بدون رؤية الشخص".
وألقت دراسة نشرتها دورية "ساينتفيك ريبورتس" الضوء على هذه المهارة، والتي تكشف عن أن القطط لا تكتفي برؤية أو سماع مشاعر البشر، بل يمكنها أيضا اكتشافها عبر الرائحة.
وأظهرت الدراسة، أن القطط قادرة على التمييز بين الروائح البشرية المرتبطة بحالات عاطفية مختلفة مثل الخوف والسعادة والتوتر الجسدي، بل وتغير من سلوكها تبعا لذلك.
وفي تجربة فريدة تم تنفيذها خلال الدراسة عرض الباحثون على القطط عينات عرق بشري جمعت في حالات عاطفية مختلفة، منها الخوف، السعادة، التوتر الجسدي، والحالة الطبيعية، وكانت النتيجة الأهم هي أن القطط أظهرت مستويات أعلى من التوتر عند استنشاق رائحة الخوف، مقارنة ببقية الحالات، وهو ما يعني أن القطط لا تشم الرائحة فقط، بل تفهم الرسالة العاطفية التي تحملها.
وكانت أحد أكثر الاكتشافات إثارة في الدراسة هو أن القطط استخدمت المنخر الأيمن بشكل أكبر عند الشعور بالتوتر، وهذا يشير إلى تنشيط النصف الأيمن من الدماغ، المسؤول عن معالجة المشاعر القوية مثل الخوف والتهديد.
ومن الإشارات أيضا التي تلتقطها القطط "الإشارات الصوتية"، مثل أنين صوت أضعف من المعتاد، ونبرة متوترة أو حزينة، ويقول عمرو: "هي لا تفهم الكلمات، لكنها تفهم نغمة الصوت".
وكشفت دراسة لافتة في هذا صدد نشرتها دورية "أنيمال كوغنيشن" (Animal Cognition)، أن القطط المنزلية قادرة بالفعل على تمييز أصوات أصحابها عن الغرباء.
وخلال الدراسة، التي أُجريت على 20 قطة منزلية، استمعت القطط إلى تسجيلات لأصوات ثلاثة أشخاص غرباء ينادون أسماءها، تلاها صوت مالكها، ثم صوت غريب آخر، وخلال التجربة، كان أصحاب القطط خارج مجال رؤيتها، لضمان أن الصوت وحده هو العامل المؤثر، وأظهرت النتائج تمييزا واضحا لصوت المالك.
وأخيرا، فإن الإشارة الرابعة التي تلتقطها القطط هي "التغير في الروتين"، فهي تحب الروتين بطبعها، وبالتالي إذا كنت مريضا، فأنت لا تلعب معها كالمعتاد، وتتحرك أقل، وتتغير عاداتك اليومية، ويقول عمرو إن "هذا التغيير وحده كاف ليجعل القطة تدرك أن شيئا غير طبيعي يحدث".
وأثبتت دراسة أجريت على 76 قطة، نشرتها دورية أبلايد أنيمال بيهيفيور ساينس (Applied Animal Behaviour Science)، أهمية الروتين في حياة القطط، إذ كشفت أن القطط تعتمد بشدة على التوقع والاستقرار في بيئتها، ومن ثم فإن أي تغيير مفاجئ في مواعيد النشاط ومستوى الضوضاء وسلوك البشر، قد يفسر من قبل القطط كإشارة خطر.
وتتجاوب القطة مع البشر عند استشعارها هذه الإشارات بمجموعة من السلوكيات منها البقاء بجواره أكثر من المعتاد، المواء بصوت أعلى من المعتاد، والاحتكاك بالشخص بمسح جسمها به، وهي سلوكيات تفسر سلوك القطة مع الشاب اللبناني، كما يوضح عمرو.
ويضيف أن الكلاب، هي الأكثر شهرة كأبطال لقصص إنقاذ البشر، وذلك عبر آليات بيولوجية تشبه كثيرا القطط، وربما تدفع حادثة الشاب اللبناني إلى التفكير في تقصي الكثير من القصص التي كانت القطط أبطالها، ومحاولة تأصيلها علميا.
ومن القصص الشهيرة التي وقعت قبل سنوات وتحمل ملامح شبه مع قصة الشاب اللبناني، تلك التي وقعت في إنجلترا أغسطس/آب 2022، وكان بطلها القط "بيلي"، والذي لاحظ تغيرا في حالة مالكته السيدة سام فيلستيد، البالغة من العمر 42 عاما، فبدأ يقفز على صدرها ويموء بأعلى صوته، مما ساعد على طلب الإسعاف في الوقت المناسب، وإنقاذها من أزمة قلبية كانت تمر بها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة