آخر الأخبار

حيلة مدهشة.. علماء يكتشفون خنافس "تتنكر في ثوب النمل"

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تعد مستعمرات النمل حصونا منيعة شديدة الدفاع. فهذه الحشرات الاجتماعية قادرة على اكتشاف معظم الدخلاء بسرعة من خلال حاسة الشم، ثم تقضي عليهم لحماية صغارها داخل العش. ومع ذلك، فقد تمكنت أنواع عديدة أخرى من الحشرات حيلا من التسلل إلى مستعمرات النمل المنيعة هذه.

في أعماق هذه المستعمرات يعيش كائن متطفل أتقن هذه الحيل، يعرف باسم خنافس الروف، التي تنتمي إلى فصيلة "ستافيلينويديا"، وهي مجموعة ضخمة من الخنافس الصغيرة التي تعيش على أرضيات الغابات في أنحاء العالم.

كانت أجدادها تعيش بحرية وتمارس الافتراس. ولكن مع مرور الوقت، تكيفت العديد من سلالاتها مرارا وتكرارا وبشكل مستقل، وامتلكت تغيرات جذرية في سلوكها وبيئتها الكيميائية، مما أتاح لها التسلل إلى مستعمرات النمل.

ويمثل أحد أنواع خنافس الروف، ويدعى سبتوبيوس لاتيفينتريس، مثالا على ذلك، إذ تعيش في غابة أنجلس الوطنية القريبة من معهد كاليفورنيا للتقنية (كالتك)، لذلك عندما أسس أستاذ علم الأحياء والهندسة البيولوجية ومدير مركز علوم التطور في معهد كاليفورنيا للتقنية الدكتور جو باركر، مختبره هناك عام 2017، بدأ فريقه دراسة علاقتها بالنمل بالتفصيل لفهم كيف ينمو هذا النمط المعيشي المدهش على المستويات الجينية والخلوية والسلوكية.

كان باركر مهتما بهذه الخنافس منذ أن كان مراهقا، وبخاصة الأنواع اللافتة التي تعيش داخل مستعمرات النمل، وقاد مؤخرا دراسة نُشرت في مجلة "سيل" (Cell)، وكشفت الكيفية التي تخدع بها هذه الخنفساء النمل ليعتقد أنها واحدة منه، لكن في مفارقة عجيبة، تجعلها هذه الحيلة معتمدة على مضيفيها اعتمادا لا فكاك منه.

مصدر الصورة تسللت هذه الخنافس إلى مستعمرات النمل (شترستوك)

بيولوجيا التخفي

أحد أكبر التحديات أمام أي كائن يحاول دخول أي من هذه المستعمرات هو التحكم في الرائحة. فعندما تلتقي نملتان من المستعمرة نفسها، تلامس كل منهما قرني استشعار الأخرى، مستشعرتين نمطا رائحيا مميزا يحدد هوية كل فرد. ويُعرف هذا السلوك باسم التلامس بقرون الاستشعار، وهو ممكن بفضل خليط من الفيرومونات يُعرف باسم تسمى الهيدروكربونات الكيوتكلية.

إعلان

يقول باركر في تصريح للجزيرة نت إن "هذه المركبات الشمعية التي تغطي معظم أجسام الحشرات والمفصليات لا تُستخدم فقط للتمويه، بل تساعد أيضا على منع الخنفساء من فقدان الماء عبر هيكلها الخارجي، كما تؤدي دورا تواصليا، إذ تمكن الحشرات من التمييز بين أفراد المستعمرة والدخلاء".

وقد ذهب النمل إلى أبعد من ذلك، إذ تمتلك كل مستعمرة نمطا كيميائيا خاصا بها من هذه المركبات. لذلك تفحص العاملات أجسام الكائنات الأخرى التي تلتقي بها، فإذا لم تتطابق رائحتها مع رائحة المستعمرة تُعامل كدخيل ويجري مهاجمتها. وهذا يعني أن أي خنفساء تحاول العيش بين النمل يجب أولا أن تتجاوز نظام "التفتيش الكيميائي" الذي تفرضه هذه المركبات.

وللعيش مع مضيفها، نمل الأشجار المخملي، الذي يشكل مستعمرات ضخمة تضم ملايين العاملات الشرسات، أظهرت أبحاث باركر أن خنفساء سبتوبيوس تمتلك بالفعل البنية الجينية اللازمة لإنتاج الهيدروكربونات الكيوتكلية الخاصة بها، لكن بعد خروجها من طور العذراء إلى طور الحشرة البالغة، تتوقف تماما قدرتها على إنتاج هذه المركبات، وتتحول إلى كائن عديم الرائحة تقريبا.

لإكمال هذا التنكر الشمي، يوضح الباحث أن الخنافس "تسرق" فيرومونات أفراد المستعمرة عبر الصعود على أجسام عاملات النمل وتنظيف أجسامها بأقدامها، ثم تنقل هذه المركبات إلى جسمها، فتغطي نفسها بها حتى تصبح رائحتها شبيهة برائحة أفراد المستعمرة، ما يجعل النمل يعاملها اجتماعيا بدلا من مهاجمتها.

بهذه الطريقة تتبنى الخنفساء الهوية الكيميائية للنمل، وتندمج في نظامه الاجتماعي من دون أن تُكتشف. فالنمل يتعامل معها كما لو كانت فردا من أفراد المستعمرة، بل قد يقوم أيضا بإطعامها من فمه إلى فمها، وفي الوقت نفسه، تتغذى الخنفساء على بيض النمل ويرقاته، فتعيش بوصفها طفيليا اجتماعيا يستغل المستعمرة دون أن يقدم لها مقابلا يُذكر.

ثمن الخداع

يسمى هذا النمط من العلاقات "التكافل الإلزامي"، وهو من أغرب صفقات الطبيعة، فعندما يصبح نوع ما معتمدا اعتمادا كاملا على مضيف، قد يواجه خطر الفناء بسهولة إذا انقرض ذلك المضيف.

ووفقا لباركر، تنطوي أنماط الحياة التكافلية على العديد من التغيرات في بيولوجيا الكائن الحي. ويُظهر هذا النظام كيف يمكن أن تصبح هذه الأنماط "مقفلة" تكيفيًا، لأن كثيرا من تلك التغيرات يعتمد بعضها على بعض لجعل نمط الحياة التكافلي ممكنا، ولأن بعض التغيرات قد يكون مكلفا أو ضارا إذا حدث بمفرده.

ويضيف "لكي تعيش هذه الخنفساء داخل عش النمل، كان عليها أن تُنمي آلية توقف إنتاج مركباتها الكيميائية الخاصة كي تتمكن من سرقة الفيرومونات دون أن يكتشفها النمل، إضافة إلى امتلاك سلوك قوي يدفعها للانجذاب إلى النمل وتنظيفه للحصول على مركباته".

وإذا ظهرت طفرات جعلت الخنفساء تفقد آلية الإيقاف هذه، فإنها ستبدأ بإنتاج مركباتها الخاصة لكنها ستظل مدفوعة لتنظيف النمل، ما يجعلها تُكتشف وتُقتل. وفي الوقت نفسه، إذا ظهرت طفرات جعلتها تفقد انجذابها إلى النمل وسلوك تنظيفه، فإن آلية إيقاف إنتاج المركبات ستظل قائمة، ما يؤدي إلى جفافها وموتها.

إعلان

وبذلك تصبح الصفات التي تمكن الخنفساء من العيش تكافليا مع النمل هي نفسها ما يضعها في "مأزق تكيفي" يشبه مفارقة "كاتش-22" (Catch-22)، وهو المصطلح الذي يحمله عنوان الدراسة، ويشير إلى معضلة مستحيلة الحل بسبب شروط متناقضة، حيث يستحيل تحقيق هدف ما نتيجة لقواعد تعسفية.

منذ تلك اللحظة، يصبح من غير المرجح أن تعود خنافس الروڤ إلى حياة الاستقلال، بل تصبح معتمدة كليًا على النمل للبقاء إلى الأبد. فبمجرد إيقاف إنتاجها الذاتي لهذه المركبات لا يمكن إعادة تشغيله مرة أخرى. ويُعتقد أن إنتاجها الأولي مرتبط بساعة بيولوجية، بحيث يتناقص تدريجيًا بعد مدة معينة، ما يترك الخنفساء أمام خيار العثور على نملة للبقاء.

وقد تمكن الباحثون من التلاعب تجريبيًا بإنتاج الخنافس للهيدروكربونات لاختبار هذه الفرضيات. وأظهرت النتائج أن الخنافس التي توقف إنتاجها للهيدروكربونات يصل معدل نفوقها إلى 50% خلال بضع ساعات فقط.

وأظهرت تجارب باركر أيضًا أن الهيدروكربونات التي تسرقها الخنافس من النمل تختفي عادة خلال أقل من 20 ساعة، ما يعني أنها تحتاج إلى تجديدها باستمرار. وبذلك تصبح الخنافس عالقة في هذه العلاقة.

مصدر الصورة تمتلك خنفساء سيبتوبيوس علاقة معقدة مع النمل تجعلها تُعامل كما لو كانت فردًا من أفراد المستعمرة بدلاً من مهاجمتها (معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا)

مواجهة مأزق التكيف

أراد باركر معرفة ما إذا كانت خنافس سبتوبيوس انتقائية فعلاً في اختيار مضيفها. ففي دراسة أخرى نُشرت في مجلة "كارنت بيولوجي" (Current Biology)، أواخر 2025، تبين أن هذه الخنافس تحاول أحيانًا الاقتراب من أنواع أخرى من النمل لم تلتقِ بها في البرية من قبل، بل تقوم بتنظيفها عندما تتاح لها الفرصة، على الأقل في المختبر.

في الطبيعة، غالبًا ما يحاول النمل تمزيق هذه الخنافس بالطبع، لكن الباحثين في المختبر ألصقوا فكوك النمل لمنعها من العدوان. وأظهر ذلك أن الخنافس قادرة على محاولة تقليد أنواع أخرى من النمل، ما يلمح إلى أنه قد يكون بإمكانها، في ظروف مناسبة، تطوير شكل جديد من علاقات التكافل، وقبول أنواع أخرى من النمل كمضيفين.

كما وجد الفريق أن حواس الخنفساء تكيفت بطريقة مختلفة عن كائنات أخرى تعيش في تكافل إلزامي، مثل ذباب الفاكهة. فبما أنها تعيش داخل عش النمل، فهي نادرًا ما تتعرض لروائح أخرى، وبالتالي لم يكن هناك ضغط تكيفي يدفع جهازها العصبي إلى التخصص في رائحة محددة. ويكفيها أن تكتشف وجود نملة بالقرب منها ثم تلتقط بعض الهيدروكربونات منها.

وفي النهاية، تشير النتائج إلى أن خنافس الروف المحبة للنمل ليست انتقائية كثيرًا في اختيار مضيفيها، وهو ما يقلب افتراضًا راسخًا في هذا المجال حول كيفية نمو علاقات التكافل المتخصصة التي تبدو غير قابلة للرجوع.

ويأمل باركر، الذي أشرف على الدراستين، في المرحلة المقبلة أن يفهم كيف تكيفت هذه الخنافس تدريجيًا من كائنات تدافع عن نفسها ضد النمل إلى كائنات تنجذب إلى العيش معه. كما لا يزال هناك الكثير لنعرفه عن الكيفية التي وصلت بها هذه العلاقة التكافلية إلى حالة من الاستقرار عبر الزمن.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار