تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي بياناً صادراً عن أصحاب مصافي تكرير النفط البدائية المعروفة باسم "الحراقات" والمنتشرة في منطقة ترحين بريف حلب الشرقي، عرضوا فيه استعدادهم لإعادة تشغيل منشآتهم والمساهمة في إنتاج المازوت والبنزين ومشتقات نفطية أخرى، بالتنسيق مع وزارة الطاقة وتحت إشرافها.
واعتبر أصحاب الحراقات أن اقتراح إعادة تفعيل الحراقات يمكن أن يسهم في تخفيف أزمة المحروقات وارتفاع أسعارها في سوريا وجاء في البيان أن أصحاب الحراقات، الذين يصفون منشآتهم بأنها "مرخصة من وزارة الطاقة"، مستعدون للعمل وفق إشراف حكومي وإنتاج أنواع مختلفة من المازوت والبنزين ومشتقات النفط الخفيف والثقيل، وبأسعار يقولون إنها ستكون مناسبة للظروف المعيشية.
ويشير البيان المتداول إلى أن عدد الحراقات في ترحين يبلغ نحو 2257 حراقة، وأنها كانت خلال سنوات الثورة مصدراً رئيسياً للمحروقات في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام البائد ويستند أصحاب الحراقات إلى نشوء قطاع تكرير بدائي اعتمد عليه السكان لتأمين الوقود اللازم للنقل والزراعة وتشغيل المولدات والأفران والمنشآت الخدمية والصناعية.
فيما طرح إعادة تشغيل هذه المنشآت سؤالاً أكبر من مجرد قدرتها على إنتاج الوقود، وهو "هل يمكن بالفعل اعتبار الحراقات بديلاً مؤقتاً وآمناً لأزمة المحروقات الحالية، أم أن المخاطر الفنية والصحية والبيئية التي دفعت الدولة إلى إغلاقها تجعل إعادة تشغيلها، حتى لفترة انتقالية، خطوة مكلفة على المدى البعيد؟".
صناعة نشأت من الحاجة.. ثم تحولت إلى اقتصاد قائم بذاته
لم تكن الحراقات في ترحين وليدة خطة صناعية أو مشروع نفطي رسمي، بل نشأت في سياق استثنائي فرضته الحرب وانقطاع خطوط إمداد الوقود وغياب المصافي النظامية عن مناطق واسعة من شمال سوريا.
وخلال سنوات الثورة، توسعت هذه المنشآت تدريجياً، وتحولت منطقة ترحين إلى مركز رئيسي للتكرير البدائي، وارتبط بها نشاط اقتصادي واسع يشمل نقل النفط الخام، وتشغيل العمال، والتحميل والتفريغ، وصيانة المعدات، وبيع المشتقات ونقلها إلى الأسواق.
وبحسب تقارير وتحقيقات سابقة بلغ عدد الحراقات في ترحين آنذاك نحو 1200 حراقة، وكانت المنشآت تعتمد على تسخين النفط الخام داخل خزانات معدنية ثم تمرير الأبخرة عبر أنابيب لتكثيفها واستخراج مشتقات مختلفة، في عملية بدائية تفتقر إلى كثير من تجهيزات السلامة والمعايير المستخدمة في المصافي النفطية الحديثة.
وأظهرت المعطيات التي وردت في التقارير السابقة أن دورة التكرير كانت تستغرق عشرات الساعات، وأن العاملين يتعرضون بصورة مباشرة للحرارة الشديدة والأبخرة والغازات الناتجة عن عمليات الحرق، فيما كانت المخلفات النفطية تتراكم في محيط المنشآت.
ومع مرور السنوات، لم تعد الحراقات مجرد وحدات إنتاج صغيرة، بل نشأ حولها اقتصاد كامل، يعتمد عليه عمال وأصحاب شاحنات وورش صيانة وموردون وأسر كثيرة، وهو ما يفسر جانباً من تمسك أصحابها بها اليوم، رغم المخاطر المرتبطة بها.
المشكلة الأساسية في تقييم الحراقات تكمن في الخلط بين وجود قدرة على استخراج مشتقات نفطية وبين إنتاج وقود يطابق المواصفات المطلوبة للاستخدام الآمن
فالحراقات تستطيع، من الناحية العملية، فصل بعض مكونات النفط الخام بالاعتماد على درجات الغليان، لكنها لا تعمل وفق منظومة تكرير متكاملة تشمل عمليات المعالجة والتنقية والتحكم بالمواصفات وإزالة الشوائب والمركبات الضارة بالقدر المطلوب في المصافي الحديثة.
ولهذا فإن القول إن الحراقات "قادرة على تغطية إنتاج سوريا من النفط" يحتاج إلى تدقيق كبير، لأن القدرة على إنتاج كمية من المازوت الخام أو المشتقات غير المعالجة لا تعني بالضرورة القدرة على إنتاج وقود مطابق للمواصفات السورية، أو قابل للاستخدام على نطاق واسع في السيارات والمنشآت ومحطات الوقود دون معالجة إضافية.
وهذه النقطة تحديداً كانت من بين الأسباب التي أوردتها وزارة الطاقة في تبرير توجهها لإيقاف الحراقات، إذ أشارت الوزارة إلى عدم مطابقة المواد المستخرجة للمواصفات السورية المعتمدة، إضافة إلى مخاطر الانفجارات والحرائق والأضرار الصحية والبيئية.
هل يمكن تحويلها إلى حل مؤقت؟
يرى متابعون أنه تشغيل الحراقات تحت إشراف الدولة قد يبدو خياراً مغرياً في ظل أي نقص في المحروقات، خصوصاً إذا كانت هناك منشآت قائمة بالفعل ويمكن تشغيلها بسرعة، لكن عملياً يحتاج هذا الخيار إلى أكثر من مجرد إعادة إشعال الأفران.
في حين إذا أرادت الدولة اعتماد هذه المنشآت مؤقتاً، فإنها ستحتاج إلى فحص كل حراقة على حدة، والتأكد من سلامة الخزانات والأنابيب ومضخات الوقود وأنظمة الضغط والتبريد، وإجراء اختبارات مخبرية للمنتجات، وضبط الانبعاثات، ومعالجة المخلفات، وتأمين معدات الحماية للعاملين، وإبعاد المنشآت عن التجمعات السكانية والأراضي الزراعية، ووضع نظام إطفاء واستجابة للطوارئ.
وهذا يعني عملياً أن تحويل الحراقة إلى منشأة تكرير نظامية سيغيّر طبيعتها وتكلفتها وطرق تشغيلها إلى درجة قد تجعل فكرة الاعتماد عليها كحل سريع أقل جدوى مما تبدو عليه على مواقع التواصل.
كما أن أي زيادة في الإنتاج عبر هذه الطريقة لن تحل وحدها مشكلة توفر النفط الخام أو كلفة نقله أو جودة المادة الخام أو شبكة توزيع المشتقات، وهي عوامل تؤثر مباشرة في السعر النهائي للمحروقات.
وبذلك لا يمكن القول إن الحراقات قد تمتلك قدرة إنتاجية محلية، لكنها لا تمثل بالضرورة بديلاً نفطياً متكاملاً عن المصافي النظامية، بينما الثمن الذي لا يظهر في سعر ليتر المازوت ضمن التكلفة التي يتحدث عنها أصحاب الحراقات، توجد كلفة أخرى لا تظهر في حساب سعر البرميل أو الليتر، وهي الكلفة البيئية والصحية.
وكانت أظهرت تقارير وتحقيقات سابقة أن منطقة ترحين تعرضت خلال سنوات عمل الحراقات لتلوث واسع نتيجة الانسكابات النفطية والمخلفات الناتجة عن عمليات التكرير، مع تحول مساحات من الأراضي إلى مناطق ملوثة بالمشتقات النفطية والفحم ومخلفات الحرق.
وتشير المعطيات المنشورة عن المنطقة إلى أن الحراقات كانت تعمل على مدار ساعات طويلة، مع انبعاث الدخان الأسود والغازات والمواد الدقيقة في الهواء، في حين كانت بقايا عمليات التكرير تتجمع في محيط المنشآت.
هذا وتزداد خطورة الأمر عندما تكون الحراقات قريبة من السكان والأراضي الزراعية، إذ لا تقتصر المشكلة عندها على العاملين داخل المنشآت، بل تمتد إلى السكان والمزارعين والعمال والبيئة المحيطة.
وفي شباط 2026، أبلغ وزير الطاقة محمد البشير ومحافظ دير الزور غسان السيد أحمد أصحاب الحراقات بوقف نشاطها نهائياً بعد عودة مؤسسات الدولة إلى المنطقة، مع تأكيد الوزارة أن هذه المنشآت كانت تعمل سابقاً خارج سلطة الدولة وخارج الأطر التنظيمية والرقابية، وأن استمرارها لم يعد مشروعاً ضمن الأطر القانونية النافذة.
وكانت أكدت وزارة الطاقة في تصريحات مرتبطة بملف الحراقات، أن نشاط الحراقات كان في السابق خارج نطاق سلطة الدولة والأطر التنظيمية والرقابية، ونفت وجود عقود رسمية بالصيغة التي تحدث عنها أصحاب الحراقات، معتبرة أن ما جرى سابقاً كان ترتيبات مرتبطة بتوزيع النفط وليس ترخيصاً نهائياً لمصافي تكرير بدائية.
المصدر:
شبكة شام