في تطور عسكري لافت، استهدفت غارات جوية إسرائيلية، مطار أبو الظهور العسكري الواقع في ريف إدلب شمال غرب سوريا، فجر اليوم الثلاثاء 18 آب، دون تسجيل خسائر تذكر.
ونقلت قناة الإخبارية السورية عن مصدر عسكري أن طيران الاحتلال شن 8 غارات على مدرج المطار العسكري، واقتصرت أضرار القصف على الجوانب المادية في بنية المطار، دون وقوع إصابات بشرية جراء الاستهداف.
ويأتي هذا الاستهداف في توقيت تتقاطع خلاله ملفات إقليمية معقدة، بين الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، والضغوط الأميركية بشأن حزب الله، والملف اللبناني العالق، إضافة إلى التنسيق العسكري السوري التركي المتصاعد، وفق مراقبين.
وفي هذا السياق، قدّم العميد المتقاعد والخبير العسكري والاستراتيجي مصطفى فرحات، في تصريحات خاصة لحلب اليوم ، قراءة تحليلية معمقة لأبعاد هذه الغارات ودوافعها، وكشف عن رسائل متشابكة يوجهها الاحتلال الإسرائيلي من خلالها إلى عدة أطراف في آن واحد.
وقال العميد فرحات إنه لا يوجد في هذا الوقت والمكان من له مصلحة في استهداف هذا المكان سوى الاحتلال، مضيفًا بالقول: “أعتقد أن العنوان الأنسب لهذه الاستهدافات هو ما يريده نتنياهو، الذي يطمح بالتقدُّم إلى الانتخابات بورقة معينة، لذلك، يمكننا أن نضع عنواناً مفاده أن إسرائيل تقول: ‘نحن لا ننتظر التهديد حتى يصل إلينا، بل نذهب إليه حيثما كان’ “.
وقد أدانت وزارة الخارجية السورية العملية مؤكدة أنها “انتهاك صارخ لسيادة سوريا ووحدة أراضيها، وتصعيد خطير يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة”، حيث “تكشف الاعتداءات الإسرائيلية، منذ سقوط النظام البائد حتى اللحظة عن محاولات تقويض جهود الحكومة السورية وجر المنطقة نحو مزيد من التوتر وعدم الاستقرار”.
وحول البعد الانتخابي للعملية، قال العميد: “بطبيعة الحال، يحتاج نتنياهو إلى الدخول إلى الحملة الانتخابية بصورة رجل أمن. وهناك نقاش إسرائيلي واسع حول قدرة الحكومة على تقديم إنجاز أمني للناخبين، خصوصاً بعد سنوات الحرب. فالضربات الخارجية تمنحه شيئاً يستطيع عرضه أمام جمهوره.. أعتقد أن الرسالة الانتخابية ليست موجَّهة فقط للناخب الإسرائيلي، بل قد يريد نتنياهو أيضاً أن يثبت للمؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية أنه لا يزال صاحب المبادرة، وأن إسرائيل هي التي تحدِّد قواعد اللعبة الإقليمية، خصوصاً أن الانتخابات المقبلة ليست مضمونة له، فهناك منافسون أقوياء، وتشير استطلاعات وتقارير حديثة إلى تراجع في حزبه وقوة ائتلافه”.
وتابع موضحاً الأبعاد السياسية أن “عملية عسكرية ناجحة ومحدودة التكلفة، ولا تحتاج إلى حرب شاملة، يمكن أن تفيده سياسياً، فنتنياهو يريد تحقيق شيء يظهر به، أما الرسالة الإسرائيلية الأوسع، فقد تكون أن إعادة تشكيل القوة العسكرية السورية لن تُترك، من وجهة نظر تل أبيب، لتجري بلا قيود، وأن إسرائيل تريد الاحتفاظ لنفسها بحق تحديد ما تعتبره قدرة عسكرية سورية مقبولة، وما تعتبره تهديداً يستوجب التدخل”.
وعن المفارقة في اختيار موقع المطار، أوضح الخبير العسكري قائلاً: “في الحقيقة، هذه الضربات غير مفهومة بشكل خاص، لأن مطار أبو ظهور يقع في شمال غرب سوريا، في ريف محافظة إدلب المتاخمة للحدود التركية، أي أنه بعيد عن خط المواجهة مع إسرائيل، ورغم أنه كان يُستخدم من قبل النظام المخلوع لنقل الأسلحة والذخائر، وكَمُستودع، وللجنسيات، ومنها إلى لبنان، فإن الموقع قد يكون رسالة لتركيا أيضاً، إذ إن إسرائيل ونتنياهو لا يروق لهما التنسيق التركي السوري، والمشاركة في مناورات عسكرية، أو تلقي الجيش السوري دعماً ومساعدة من تركيا”.
ويرى فرحات أن هذا تطور لافت في التعاون بالمجالات العسكرية والأمنية بين سوريا وتركيا، من حيث العدد والعتاد، بما في ذلك الحديث عن إعادة تأهيل سلاح الجو وتطوير قدرات ثقيلة وصاروخية.
وحول توقيت الغارات وارتباطه بالملفات الإقليمية المفتوحة، فقد رأى أنها “أتت في لحظة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات: المسار الإسرائيلي مع حزب الله في لبنان، والضغط الأميركي والإسرائيلي على دمشق للمساهمة في ملف حزب الله، وهذه النقطة مهمة، إذ يذهب كثير من المحللين إلى أن عدم موافقة سوريا على الانخراط المباشر في هذا الملف، رغم وجود حزب الله في سوريا، يعود إلى أن تورُّطهم اليوم في حرب داخل لبنان دون غطاء دولي وعربي وإقليمي، لن تقبل به سوريا، وقد أكدت المصادر الرسمية السورية ذلك”.
ولفت العميد أيضاً إلى بناء الجيش السوري وتثبيت قدرات الدولة، وإعلان الاحتلال الإسرائيلي أنه لن ينسحب من جنوب لبنان قبل تحقيق هدف نزع سلاح ميليشيا حزب الله، بينما لا يزال هذا الملف متعثراً، و”في الوقت نفسه، هناك ضغط أميركي على دمشق منذ أشهر للمساعدة في معالجة ملف حزب الله، مع تصريحات للرئيس ترامب، بينما تتعامل القيادة السورية بحزم مع فكرة الدخول عسكرياً إلى لبنان، لأن هذا الموضوع مرتبط بالذاكرة اللبنانية، وبوجود النظام المخلوع بشار الأسد ومن قبله والده، وما تسبب به من عبث وتخريب أمني واغتيالات في لبنان، مما يجعل له حساسية كبيرة في الذاكرة اللبنانية”.
واختتم العميد فرحات تصريحاته بربط الضربة بسياق الضغوط على دمشق، قائلاً: “لا أستبعد أبداً أن تكون الضربة جزءاً من رسالة ضغط على دمشق بهذا الاتجاه، وعلى الرئيس أحمد الشرع مباشرة، لأنه لا يلبي المطالب كما يتوقع الرئيس الأميركي أو غيره”، كما أنه لفت إلى وجود عدة مسائل مشتركة في هذا الهجو: “رسالة إلى تركيا، ورسالة انتخابية للداخل الإسرائيلي، وتخوُّف إسرائيلي من أن هذا الجيش أصبح غير مضمون من حيث قوته، وماذا يمكن أن يقوم به مستقبلاً.. وبشكل خاص، أن نتنياهو يعبث في الجنوب السوري، ولن تترك الأمور دون رد.. صحيح أن الرد اليوم يسلك الطرق الدبلوماسية والسياسية، بتعريف نتنياهو وتجاوزاته أمام المجتمع الدولي والعربي والإقليمي، لكن في المستقبل، النتائج لن تقف عند هذا الحد إذا استمر هذا الوضع، وبالتالي، هناك العديد من الأسباب التي تفسر هذه العملية”.
المصدر:
حلب اليوم