في مقابلة مطولة مع قناة الجزيرة، استعاد الرئيس أحمد الشرع أبرز محطات حياته، متحدثاً عن طفولته في دمشق، وبدايات اهتمامه بالشأن العام، وتجربته في العراق، وسنوات السجن، ومسار الثورة، وصولاً إلى معركة تحرير دمشق وتولي قيادة الدولة.
وجاءت المقابلة بصيغة مختلفة عن الحوارات السياسية التقليدية، إذ مزجت بين السيرة الشخصية واستعراض التحولات الفكرية والسياسية والعسكرية التي رافقت مسيرته على مدى أكثر من عقدين.
المزة... حيث بدأت الحكاية
استهل الشرع حديثه بالعودة إلى حي المزة، الذي وصفه بأنه المكان الذي تشكلت فيه أولى معاني الانتماء. وقال إن الإنسان يرتبط بالمكان الذي نشأ فيه، وإن تفاصيل الشوارع والأشجار والبيوت بقيت راسخة في ذاكرته رغم السنوات الطويلة التي قضاها بعيداً عن دمشق.
وتحدث عن أسرته التي وصفها بالمثقفة، موضحاً أن والده، وهو من أبناء الجولان المحتل، درس الاقتصاد والعلوم السياسية، وكان يحمل فكراً قومياً عربياً متأثراً بالتيار الناصري، فيما عملت والدته مدرسة للجغرافيا وكانت تكتب الشعر، وهو ما وفر بيئة اهتمت بالثقافة والتعليم والنقاش السياسي.
وأشار إلى أن قضية الجولان كانت حاضرة يومياً في المنزل، إلى جانب القضية الفلسطينية وما شهدته المنطقة من أحداث، الأمر الذي ولّد لديه مبكراً إحساساً بالمسؤولية تجاه قضايا الأمة.
الشعر... نافذة مبكرة على اللغة والتاريخ
وكشف الشرع عن شغفه باللغة العربية والشعر، مبيناً أن اهتمامه اتجه بصورة خاصة إلى الشعر الجاهلي، ولا سيما المعلقات، وأنه يفضل شعراء مثل عمرو بن كلثوم وعنترة بن شداد وزهير بن أبي سلمى، معتبراً أن تلك النصوص شكلت جانباً من تكوينه الثقافي.
من أسئلة الوجود إلى طريق الالتزام
وعن بداية تدينه، أوضح الشرع أن التحول بدأ مطلع الألفية الجديدة، مدفوعاً بأسئلة وجودية حول الغاية من الحياة والواجب تجاه المجتمع، إلى جانب التأثر بما شهدته المنطقة من أحداث، وفي مقدمتها الانتفاضة الفلسطينية الثانية وما رافقها من مشاهد تركت أثراً عميقاً في نفسه.
وأكد أن رحلته لم تكن مرتبطة بالانتماء الفكري إلى تنظيم أو حركة بعينها، بل كانت رحلة بحث شخصية، موضحاً أنه اطلع على أفكار الحركات الإسلامية، لكنه خلص لاحقاً إلى أن كثيراً من تجاربها أخفقت لأنها تعاملت مع اجتهادات بشرية بوصفها ثوابت، دون مراعاة تغير الواقع.
وشدد على أن المبادئ الكبرى، كرفع الظلم وخدمة الناس والدفاع عن المظلومين، بقيت بالنسبة إليه ثابتة، بينما يجب أن تبقى وسائل تحقيقها خاضعة للمراجعة والاجتهاد.
العراق... التجربة التي غيّرت المسار
انتقل الشرع بعد ذلك إلى محطة العراق، موضحاً أنه توجه إليها عام 2003 قبل بدء الغزو الأمريكي، بدافع أداء ما اعتبره واجباً تجاه الشعب العراقي، ومن دون ارتباط مسبق بأي تنظيم أو ترتيبات عسكرية.
وقال إن الواقع الذي وجده هناك كان مختلفاً تماماً عما تصوره، وإن الحرب سرعان ما تحولت إلى صراع معقد شهد كثيراً من الأخطاء والانقسامات، الأمر الذي دفعه إلى إعادة النظر في كثير من القناعات.
وأوضح أن اعتقاله لاحقاً وقضائه نحو خمس سنوات في السجن شكّلا محطة مفصلية في حياته، حيث انصرف إلى القراءة والبحث والكتابة، واطلع على كتب التاريخ والتفسير والفلسفة والرواية، كما دوّن عشرات الصفحات التي قال إنها أسهمت في بلورة رؤيته الفكرية والسياسية.
كما انتقد تجربة الجماعات الجهادية في العراق، معتبراً أن كثيراً من ممارساتها تجاه المجتمع كانت سبباً في فقدان الحاضنة الشعبية، وأن تلك التجربة رسخت لديه قناعة بعدم تكرار النموذج العراقي في سوريا.
الثورة... بداية مشروع مختلف
وأوضح الشرع أنه عاد إلى سوريا بعد اندلاع الثورة عام 2011، وبدأ العمل مع مجموعة صغيرة لا يتجاوز عدد أفرادها خمسة أشخاص، قبل أن يتوسع النشاط تدريجياً.
وأشار إلى أن الخلاف مع تنظيم "داعش" بدأ عندما رفض نقل التجربة العراقية إلى الداخل السوري، مؤكداً أن ذلك الخلاف تطور إلى مواجهة عسكرية كلّفته خسارة نحو 70 بالمئة من قوته آنذاك، لكنه اعتبرها معركة ضرورية للحفاظ على مسار الثورة.
وأضاف أن سنوات الصراع لم تقتصر على مواجهة النظام، بل شملت أيضاً مواجهات مع التنظيمات المتشددة، إلى جانب تحديات فرضتها الانقسامات بين الفصائل والضغوط الإقليمية والدولية، واصفاً تلك المرحلة بأنها الأصعب في حياته.
إدلب... من ساحة حرب إلى نموذج للإدارة
واعتبر الشرع أن تجربة إدلب لم تكن مجرد إدارة منطقة خارجة عن سيطرة النظام السابق، بل كانت مشروعاً لبناء مؤسسات الدولة.
وأوضح أن العمل هناك ركز على الفصل بين الإدارة المدنية والعمل العسكري، وإنشاء مؤسسات حكومية وجامعات ومدينة صناعية، وتحسين الخدمات وتأمين الكهرباء على مدار الساعة، إضافة إلى بناء اقتصاد يعتمد على الموارد المحلية.
وأكد أن الهدف لم يكن إدارة منطقة فحسب، وإنما إعداد كوادر ومؤسسات قادرة على إدارة البلاد عندما تحين لحظة التغيير.
سنوات الإعداد... قبل معركة التحرير
وكشف الشرع أن التحضير لمعركة إسقاط النظام بدأ بعد خسائر عامي 2019 و2020، من خلال إعادة تنظيم القوات العسكرية، وتوحيد الفصائل، وتطوير الصناعات العسكرية المحلية، بالتوازي مع مواصلة بناء المؤسسات في المناطق المحررة.
وأشار إلى أن الظروف السياسية آنذاك لم تكن تشجع الخيار العسكري، إذ كانت معظم المبادرات الإقليمية والدولية تتجه نحو إعادة فتح قنوات التواصل مع النظام السابق، مؤكداً أن قرار إطلاق المعركة جاء انطلاقاً من قناعة داخلية بإمكان تحقيق التغيير.
وأضاف أن نجاح المعركة لم يكن نتيجة التفوق العسكري وحده، وإنما ثمرة سنوات طويلة من الإعداد والتخطيط، إلى جانب الجاهزية لإدارة المدن المحررة وتأمين الخدمات فيها منذ اللحظات الأولى.
دمشق... لحظة انتظرها سنوات
وتحدث الشرع عن لحظة دخوله دمشق في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، مؤكداً أن أول مكان توجه إليه كان جبل قاسيون، قبل أن ينتقل إلى المسجد الأموي.
وقال إنه عاش هذا المشهد في خياله سنوات طويلة، حتى إنه أوصى منذ عام 2012 بإعداد منبر خاص لإلقاء أول خطاب بعد التحرير، مضيفاً أن أكثر ما شغله بعد سقوط النظام كان الانتقال السريع من عقلية الفصائل إلى منطق الدولة، وضبط السلاح، وترسيخ الأمن، والحفاظ على السلم الأهلي.
وأشار إلى أن بناء المؤسسات كان جزءاً من التخطيط الذي سبق التحرير، ولذلك تمكنت الإدارات من مباشرة عملها فور انتقال السلطة، مؤكداً أن التحدي الحقيقي بدأ بعد انتهاء المعركة العسكرية.
بناء الدولة... أولوية المرحلة الجديدة
وأكد الشرع أن المرحلة الحالية تتطلب الاستفادة من جميع الخبرات السورية، سواء من أبناء المناطق المحررة، أو العاملين سابقاً في مؤسسات الدولة، أو السوريين الذين اكتسبوا خبرات خلال سنوات اللجوء.
وشدد على أن نجاح الدولة الجديدة يعتمد على بناء المؤسسات وتطبيق القانون، لا على الأشخاص، معتبراً أن سوريا تحتاج إلى حلول جديدة تتناسب مع حجم التحديات التي خلفتها سنوات الحرب، وأن إعادة إنتاج التجارب السابقة لن تقود إلى نتائج مختلفة.
كما دعا إلى فتح صفحة جديدة مع السوريين الذين لم يتورطوا في الجرائم، مؤكداً أن الأولوية هي ترميم المجتمع وبناء دولة تستوعب جميع أبنائها ضمن إطار القانون.
قاسيون... حيث تختصر دمشق الحكاية
واختُتمت المقابلة من جبل قاسيون، المكان الذي قال الشرع إنه اعتاد الوقوف فيه منذ شبابه للتأمل في دمشق، قبل أن يعود إليه بعد التحرير باعتباره أول محطة في يوم دخول العاصمة.
ووصف دمشق بأنها مدينة تحمل ذاكرة الحضارة الإنسانية، مشيراً إلى أنه ما يزال يحرص على تأملها يومياً من مكتبه، وأنها تمثل بالنسبة إليه رمزاً لتاريخ سوريا ومستقبلها في آن واحد.
وفي ختام الحوار، أكد الشرع أن ما تحقق يمثل بداية مرحلة جديدة، وأن التحدي الأكبر لم يعد إسقاط النظام، بل بناء دولة مستقرة قادرة على حماية السوريين واستعادة دور سوريا ومكانتها، مشيراً إلى أن هذا المسار يتطلب عملاً طويلاً وجهداً متواصلاً للحفاظ على ما تحقق والانطلاق نحو المستقبل.
المصدر:
شبكة شام