شهدت الأشهر الماضية في سوريا تحولاً ملحوظاً في طبيعة العلاقة بين الحكومة والمجتمع، فبعد أن ارتبطت لدى شريحة واسعة من السوريين بمشاعر الخوف والرهبة والهيمنة، بدأت تُقدَّم بوصفها مصدراً للأمان والثقة، فبعد سنوات كان فيها المواطنون يحرصون على الابتعاد قدر الإمكان عن المؤسسات العسكرية خلال فترة حكم آل الأسد، بات كثيرون اليوم يسعون للانضمام إلى صفوفها.
وهو ما تجلّى بوضوح في إقبال مئات الشباب على الالتحاق بصفوف الأمن العام والتطوع فيها بعد إتاحة المجال لذلك، وفي هذا السياق، تداولت منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يُظهر شباناً من محافظة دير الزور وهم يتدافعون أمام شعبة التجنيد، إلى حد اقتلاع بابها، في مشهد عكس حجم الحماسة لدى هؤلاء الشباب للانضمام إلى صفوف الجيش العربي السوري.
وليست هذه المرة الأولى التي تشهد فيها مراكز التطوع مثل هذه المشاهد، إذ انضم خلال الأشهر الماضية عدد كبير من الشباب إلى صفوف الأمن العام في مناطق مختلفة من البلاد، ومؤخراً، التحق عشرات الشبان من أبناء مدينة عفرين بصفوف الأمن الداخلي في محافظة حلب، في مؤشر إضافي على تنامي الإقبال الشعبي على الانخراط في المؤسسات الأمنية.
وأعاد مشهد تجمع الشباب للالتحاق بصفوف الأمن السوري ذاكرة المتابعين على منصات التواصل الاجتماعي سنوات إلى الوراء، حين كان السوريون يسعون بشتى الوسائل إلى الهروب من الخدمة العسكرية، نتيجة ما كان يتعرض له عناصر الجيش في عهد الأسد من معاملة قاسية، تبدأ بقلة الاحترام وحرمانهم من الإجازات، إلى جانب أعمالهم والاستهانة بأرواحهم وغياب أي اهتمام جدي بعائلاتهم.
في تلك المرحلة، لجأت معظم العائلات إلى أساليب متعددة لتحمي أبنائها من التجنيد القسري، من دفع البدل المالي، إلى البحث عن “الواسطات”، وصولاً إلى تهريب الأبناء خارج البلاد، وتكبّدت أسر كثيرة مبالغ طائلة خوفاً عليهم من الخدمة الإلزامية وما تحمله من مخاطر ومعاناة.
أما اليوم، فيسعى عدد كبير من الشباب إلى الانضمام لصفوف الجيش العربي السوري، ولا سيما بعد أن لمسوا تحسناً واضحاً في أوضاع العاملين ضمن المؤسسات العسكرية، من حيث المعاملة والتقدير والاحترام، في مشهد يعكس تحولاً لافتاً مقارنةً بالمرحلة السابقة وما رافقها من نفور وخشية.
وتحمل رغبة الشباب وحماسهم للالتحاق بصفوف الأمن العام دلالات رمزية تتجاوز كونها مشهداً عابراً، إذ تعكس مستوى متقدماً من الثقة بمؤسسات الدولة، ورغبة واضحة في الانخراط ضمن أطرها الرسمية والعمل من خلالها، كما تشير إلى ميل متزايد لدى فئة الشباب للمشاركة الفعلية في حماية مناطقهم، والإسهام في ترسيخ حالة من الاستقرار وتنظيم الحياة العامة.
فالالتحاق بالمؤسسات الأمنية لا يُنظر إليه هنا كخيار وظيفي فحسب، بل كإصرار على البقاء في الوطن والعمل على أرضه، والمساهمة الفعلية في إعادة بنائه، بدلاً من البحث عن بدائل خارجية أو فرص أخرى.
ويعكس سعي الشباب للانخراط في صفوف الجيش مستوى متقدماً من مشاركة المجتمع المحلي، ولا سيما فئة الشباب، في جهود إعادة بناء مؤسسات الدولة، كما يدل على رغبة جماعية في استعادة مفهوم الدولة الواحدة، وترسيخ النظام العام وسيادة القانون كضمان للاستقرار والأمان.
المصدر:
شبكة شام