منذ بدايات تمرده في ثمانينيات القرن الماضي، اتبع حزب العمال الكردستاني (PKK) استراتيجية قائمة على استهداف مناطق مدنية كجزء من تكتيكاته العسكرية والسياسية، ما أفضى إلى موجات عنف كان المدنيون أبرز ضحاياها، وتراوحت العمليات بين تفجيرات في الأسواق والمنتزهات والمناطق السياحية، إلى هجمات في قرى ريفية، غالباً ما طالت نساءً وأطفالاً.
مجازر في القرى: الضغط على المجتمعات الكردية
خلال السنوات الأولى من الصراع، استهدف الحزب قرى كردية رفضت التعاون معه أو أعلنت ولاءها للدولة التركية، من أبرز الحوادث مجزرة قرية پينارجك في ماردين عام 1987، والتي أسفرت عن مقتل ثلاثين مدنياً، بينهم ستة عشر طفلاً، وقد استخدم الحزب هذه الهجمات كأداة للترهيب وكسر الولاءات المحلية، وفق تعبير عبد الله أوجلان الذي برر المجزرة باعتبارها وسيلة لفرض السيطرة.
استهداف الموظفين والمعلمين: ضرب مؤسسات الدولة
في عام 1994، وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش هجمات على قريتي أكيوريك وأورمانجيك، خلّفت 19 قتيلاً من المدنيين. كما شهدت داركنت في نفس العام إعدام ستة معلمين ميدانياً، بسبب عملهم في مؤسسات الدولة، مما يعكس اتجاهاً لضرب رموز السلطة الرسمية.
نقل العنف إلى المدن: التفجيرات في المراكز الحضرية
مع امتداد الصراع إلى المدن الكبرى، باتت المناطق السياحية والتجارية هدفاً مباشراً. ففي يوليو 2005، انفجرت عبوة في قطار ركاب بين ألازيغ وتاتفان، تبعها تفجير في منتجع كوشاداسي. وتزايدت الهجمات بعد ظهور تنظيم "صقور حرية كردستان (TAK)"، الذي تبنّى عدة عمليات في أنطاليا ومرماريس عام 2006، مخلفاً عشرات القتلى من المدنيين والسياح.
المناطق الكردية في مرمى النيران
لم تَسلَم المناطق ذات الغالبية الكردية من الهجمات، حيث شهدت دياربكر انفجاراً في سبتمبر 2006 أودى بحياة عشرة أطفال، وفي مايو 2007، ضرب تفجير العاصمة أنقرة، تلاه تفجير مزدوج في إسطنبول عام 2008، أسفر عن مقتل 27 مدنياً وإصابة أكثر من 200 شخص.
انهيار الهدنة وتصاعد العنف
أدى انهيار الهدنة عام 2015 إلى تصاعد كبير في الهجمات، أبرزها تفجير شارع الاستقلال في إسطنبول عام 2022، الذي أسفر عن مقتل ستة مدنيين وإصابة 81 آخرين، وبينما نفت الأطراف الكردية تورطها، أشارت السلطات التركية إلى مسؤولية حزب العمال الكردستاني أو وحدات حماية الشعب (YPG).
الأرقام الرسمية والجدل الحقوقي
تشير الإحصاءات الرسمية التركية إلى أن الهجمات المنسوبة لحزب العمال الكردستاني أودت بحياة أكثر من 1200 مدني منذ بداية التمرد، ورغم اتهام الحزب بالتورط المباشر في تلك العمليات، فإن بعض الهجمات تُسند تنظيمياً إلى جناح "TAK"، ما يثير أسئلة حول توزيع المسؤوليات القانونية والسياسية.
مأساة مستمرة وشهادات دامية
لا تزال الهجمات تترك آثاراً نفسية ومجتمعية عميقة في المناطق المتضررة. ويقول أحد شهود تفجير إسطنبول 2022: "كان المشهد مروّعاً… أطفال يصرخون وناس يركضون وسط الدماء والزجاج المحطم". وقد صنّفت منظمات حقوقية عدداً من تلك العمليات ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، مطالبةً بمحاكمة المسؤولين عنها أمام العدالة الدولية.
النهج ذاته في سوريا: فرض السيطرة بالقوة وتكرار أنماط القمع
في سوريا، لم يختلف نهج حزب العمال الكردستاني وأذرعه العسكرية كثيراً عن سياسته في تركيا، حيث اعتمد أسلوب التسلط على المجتمعات المحلية، وفرض سلطته بقوة السلاح، مع استخدام وسائل قمعية ضد كل من يعارض مشروعه السياسي أو يرفض الانضواء تحت رايته.
فمنذ بدء الحرب في سوريا، استغل الحزب حالة الفوضى لتوسيع نفوذه عبر واجهاته المسلحة، وعلى رأسها وحدات حماية الشعب (YPG)، حيث تم تسجيل العديد من الانتهاكات ضد المدنيين، شملت الاعتقالات التعسفية، والتجنيد القسري، والتهجير، لا سيما في المناطق ذات الأغلبية العربية أو الكردية المعارضة له.
كما وثقت تقارير حقوقية قيام هذه الفصائل بمصادرة ممتلكات خاصة، وإغلاق مدارس، وفرض مناهج أيديولوجية، في إطار سياسة تهدف إلى إعادة تشكيل المجتمعات المحلية وفقاً لرؤية الحزب، ويُعد هذا النهج امتداداً للسياسات القديمة التي انتهجها الحزب في تركيا، عبر ترهيب السكان وفرض الولاء السياسي بالقوة، تحت شعارات قومية أو ثورية تخفي وراءها مشروعاً سلطوياً إقصائياً.
المصدر:
شبكة شام