أفاد تقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن الحكومة السورية أبلغت قوات سوريا الديمقراطية مرارًا بأن أي اتفاق معها سيبقى خاضعًا للتغيّر تبعًا للتطورات الميدانية في حال استمرار التأخير، في وقت أكّد فيه مسؤول سوري رفيع للصحيفة أن قسد حاولت إعادة التفاوض على الشروط بطريقة تجعل الاندماج «مستحيلًا عمليًا»،
وشدد المسؤول السوري على أن الجميع يأمل بانتهاء الأزمة دبلوماسيًا، لكن «الكرة الآن في ملعب قسد»، وذلك بالتزامن مع تحوّل أميركي واضح لصالح دمشق وانحسار الدور الكردي في شمال شرق سوريا.
وأشارت الصحيفة أن هجوم الجيش السوري على مواقع تنظيم قسد شمال شرقي سوريا، استعادت خلاله دمشق مناطق استراتيجية، قد أنهى فعليًا عقدًا من التحالف غير المعلن بين واشنطن وقسد.
ونقلت فايننشال تايمز عن المبعوث الأميركي الخاص توم باراك قوله إن دور قسد «انتهى إلى حد كبير»، مضيفًا أن أفضل فرصة أمام الأكراد باتت اليوم في التفاهم مع الشرع، في موقف اعتبرته الصحيفة دعمًا أميركيًا قويًا لإعادة رسم خريطة سوريا، بدعم تركي واضح، بعد أقل من عام ونصف على سقوط نظام بشار الأسد البائد.
ووصفت الصحيفة هذا التحوّل بأنه لحظة مفصلية في مسار الانتقال السوري، إذ تمكّن الشرع، الذي واجه صعوبات في توحيد البلاد، من استثمار الهجوم الأخير لتمهيد الطريق أمام قواته للسيطرة على المناطق الغنية بالنفط، وفرض سلطة الدولة على غالبية الجغرافيا السورية.
وفي المقابل، رأت فايننشال تايمز أن ما جرى شكّل «خيانة» بنظر الأكراد وأنصارهم، وهي خيانة كانوا يتوقعونها منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض العام الماضي.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أكراد قولهم إنهم، شأنهم شأن أقليات أخرى في سوريا، ينظرون بقلق إلى حكم الشرع وإلى قواته التي وصفوها بغير المنضبطة، مؤكدين أنهم لا يفرّقون كثيرًا بينها وبين مقاتلي داعش الذين قاتلوهم في السابق.
وقال المسؤول السياسي الكردي حسن محمد علي، بحسب التقرير، إن تصريحات المبعوث الأميركي «تقول كل شيء»، مضيفًا أن المجتمع الكردي يشعر بأنه تعرّض للخيانة.
وفي السياق ذاته، أوردت فايننشال تايمز تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب قال فيها، عقب حديثه مع الشرع، إنه «يحب الأكراد»، لكنه أشار إلى أنهم «تلقوا مبالغ طائلة وأُعطوا نفطًا وأشياء أخرى»، معتبرًا أنهم كانوا يعملون لمصلحتهم أكثر مما كانوا يعملون لمصلحة الولايات المتحدة، مع تأكيده في الوقت نفسه أن واشنطن «تحاول حماية الأكراد».
وسلّط التقرير الضوء على نشأة قسد في خضم الفوضى التي أعقبت اندلاع الحرب السورية عام 2011، وعلى ارتباطها بحزب العمال الكردستاني، موضحًا أن هذا الارتباط جعلها حليفًا عمليًا لواشنطن في مواجهة داعش، لكنه في الوقت نفسه أغضب أنقرة التي تخوض منذ عقود صراعًا مسلحًا مع الحزب.
وذكرت الصحيفة أن قسد تحولت إلى قوة قوامها نحو ستين ألف مقاتل ومقاتلة، يشكّل العرب أكثر من نصفهم، مشيرة إلى أن إدارتها للمناطق الخاضعة لها تعرّضت لانتقادات من سكان عرب بسبب ممارسات وُصفت بالاستبدادية، ولا سيما في المناطق ذات الغالبية العربية.
وأوضحت فايننشال تايمز أنه مع وصول أحمد الشرع إلى السلطة في كانون الأول/ديسمبر 2024، بدأ العدّ التنازلي، إذ أعلن بوضوح أنه لن يقبل بدولة مجزأة.
وأضافت أن الولايات المتحدة، بدعم من تركيا والسعودية، سعت إلى جمع الطرفين، ونجحت في آذار/مارس من العام الماضي في رعاية اتفاق مبدئي بين الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي يقضي بدمج قسد ومؤسساتها في الدولة السورية، على أن تُستكمل التفاصيل قبل نهاية عام 2025، إلا أن المفاوضات تعثرت مع تبادل الاتهامات بسوء النية.
وفي هذا السياق، نقلت الصحيفة عن شخص مطلع على المحادثات قوله إن دمشق حذّرت قسد مرارًا من أن أي تأخير سيؤدي إلى تغيّر شروط الاتفاق تبعًا للوقائع الميدانية، فيما أكّد المسؤول السوري الرفيع أن قسد حاولت إعادة التفاوض على الشروط «بطريقة تجعل الاندماج مستحيلًا عمليًا».
وأضاف المسؤول، بحسب فايننشال تايمز، أن دمشق أوضحت أن العروض «ستزداد سوءًا» كلما تغيّر الوضع على الأرض، مشددًا على أن الأمل لا يزال قائمًا بحل دبلوماسي، لكن القرار النهائي بات بيد قسد.
وذكرت الصحيفة أنه بعد انقضاء المهلة ورفض قسد ما تبيّن لاحقًا أنه العرض الأخير، تحركت القوات الحكومية في السادس من كانون الثاني/يناير إلى أحياء خاضعة للأكراد في مدينة حلب، في عملية منسّقة انتهت بانسحاب قسد خلال يومين بوساطة أميركية، قبل أن تتابع القوات تقدمها السريع نحو الرقة ودير الزور، حيث انهارت سيطرة قسد مع انشقاق مقاتلين من العشائر العربية.
ولفت التقرير إلى أن الشرع وعبدي توصلا لاحقًا إلى اتفاق من أربع عشرة نقطة ووقف لإطلاق النار، إلا أن دمشق فرضت هذه المرة شروطًا أشد، تمثلت بدمج العناصر الأكراد على أساس فردي فقط، وسحب عرض تعيين عبدي نائبًا لوزير الدفاع، وهو ما اعتبرته الصحيفة ضربة قاسية لقسد التي كانت تأمل بالحفاظ على نفوذها التنظيمي.
وأضافت فايننشال تايمز أن اشتباكات متقطعة اندلعت، لا سيما قرب السجون التي كانت قسد تحرسها وتضم آلافًا من مقاتلي داعش، ما دفع الولايات المتحدة إلى نقل بعض السجناء إلى العراق تحسبًا لانهيار الهدنة، في إشارة إلى شكوك واشنطن باستمرار وقف إطلاق النار.
ونقلت الصحيفة عن دارين خليفة من مجموعة الأزمات الدولية قولها إن قسد أساءت قراءة التحولات هذا العام ولم تقدّر تبعات تخلي واشنطن عن الاعتماد الحصري عليها، معتبرة أن العودة السريعة إلى المفاوضات باتت ضرورية لتفادي مزيد من القتال.
المصدر:
شبكة شام