تأثر الغطاء النباتي في سوريا بشكل كبير خلال سنوات الثورة، نتيجة ممارسات النظام السابق التي شملت قطع الأشجار واقتلاعها، ما دفع الفرق التطوعية والجهات المحلية والحكومية إلى إطلاق حملات تشجير تهدف إلى زيادة المساحات الخضراء في عدة مناطق، منها إدلب وحماة ودمشق وحلب.
ومن أبرز هذه الحملات: "معاً لنعيد إدلب خضراء"، و"الشام خضرا ورح تبقى خضرا"، و"ريفنا أخضر"، بالإضافة إلى حملة تشجير تل حيش الأثري، وغيرها من الجهود الرامية لإحياء الغطاء النباتي وتعزيز البيئة المحلية.
أهمية حملات التشجير
وفي تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، قال زاهر هاشم، صحفي وكاتب متخصص في قضايا البيئة وتغير المناخ ومؤسس موقع "بيئة سوريا"، إن حملات التشجير التي تُنفَّذ حالياً في مختلف المناطق السورية تمثل خطوة أساسية لاستعادة التوازن البيئي، ولفت إلى أن الأشجار تلعب دوراً مهماً في تثبيت التربة والحد من انجرافها، كما تُحسن جودة الهواء وتخفف من آثار موجات الحر والجفاف.
وأضاف هاشم أن أهمية التشجير تتجاوز البعد البيئي لتصل إلى البعد الاجتماعي، فهي تعزز ثقافة العمل التطوعي والمشاركة المجتمعية، وتعيد بناء العلاقة بين الإنسان وبيئته، خصوصاً لدى فئة الشباب، كما تسهم في تحسين المشهد العام للمناطق المتضررة، ما ينعكس إيجابًا على الصحة النفسية للسكان ويعزز شعورهم بالانتماء والاستقرار.
أنواع الأشجار الأنسب للزراعة
ويشير الكاتب زاهر إلى أن اختيار الأنواع النباتية المناسبة يعد عاملاً حاسماً لنجاح حملات التشجير، خصوصاً في المناطق المتضررة التي تعاني من شح المياه وتدهور التربة وتقلبات المناخ، ومن هذا المنطلق، يُفضَّل التركيز على الأنواع المحلية والمتأقلمة بيئياً، لما تتمتع به من قدرة أعلى على البقاء والاستمرار بأقل كلفة مائية وصيانة.
ومنها الأشجار الحراجية المحلية، حيث تنسجم مع المناخ السوري مثل السنديان، والصنوبر البري أو المثمري، والعرعر، والخرنوب، والزيتون، واللوز البري، وهي أنواع قادرة على التكيّف مع البيئات القاسية، والجفاف، وشح الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة.
الأشجار المثمرة وفوائدها
وأضاف أنها تتيح مصادر رزق إضافية مثل التصنيع الغذائي (زيت الزيتون، التجفيف، المربيات) والتخزين والنقل، بما يوسّع دائرة الاستفادة الاقتصادية، منوّهاً بأنه يجب الأخذ بعين الاعتبار اختيار الأنواع المتأقلمة محلياً والمتوسّطية المقاومة للجفاف، لتقليل استهلاك المياه وزيادة معدلات البقاء، واعتماد طرق ري موفرة للمياه، وتجنّب الأنواع عالية الاستهلاك في المناطق الشحيحة.
معايير يجب أن تراعيها الجهات المنفذة
وأكد زاهر هاشم أنه لضمان نجاح حملات التشجير وتحقيق أثر مستدام يتجاوز النتائج الفورية، ينبغي على الجهات المنفّذة الالتزام بمجموعة من المعايير البيئية والفنية والإدارية والمجتمعية، بما يضمن بقاء الأشجار ونموّها وتحقيق أهدافها التنموية والبيئية.
وتابع من هذه المعايير: إعطاء الأولوية للأشجار المحلية والمتأقلمة مع المناخ السائد، وكمّيات الأمطار، ونوعية التربة، وتحليل خصائص التربة (الملوحة، القوام، الخصوبة)، والانحدار، والتعرّض للرياح، وتحديد ما إذا كانت المنطقة ملائمة للتشجير أصلاً، وتنويع الأنواع النباتية، واعتماد خليط من الأنواع الحراجية والبرية والمثمرة عند الاقتضاء، واختيار توقيت الزراعة المناسب.
أما على صعيد العمل المؤسسي، فيجب وضع خطة متابعة وصيانة طويلة الأمد، وتوزيع الأدوار بين الجهات الحكومية والمنظمات المحلية والمجتمع، لضمان الاستمرارية وعدم تشتّت الجهود، وتوثيق وتقييم النتائج وقياس نسب البقاء والنمو، وتقييم الأثر البيئي والاجتماعي بشكل دوري، مع تعديل الخطط بناءً على النتائج.
متابعة الأشجار بعد الحملة
وفي ختام حديثه، شدد هاشم على أن مرحلة ما بعد الزراعة هي العامل الحاسم في نجاح حملات التشجير، إذ تشير التجارب البيئية إلى أن نسبة كبيرة من الأشجار المزروعة تفشل بسبب غياب المتابعة والصيانة، لا بسبب ضعف التنفيذ الأولي.
وأشار إلى أن ضمان بقاء الأشجار ونموّها يتطلّب خطة واضحة ومسؤوليات موزّعة واستمرارية زمنية. تتضمن هذه الآليات برنامج ريّ منتظم ومناسب، والحماية من الرعي والتعديات، ومكافحة الآفات والأمراض، والاستبدال والتعويض، والرصد والتقييم الدوري. مضيفاً أن الجهات المسؤولة عن ذلك هي: البلديات والمجالس المحلية، المنظمات الأهلية والبيئية، المجتمع المحلي والأهالي، والمدارس والجامعات.
المصدر:
شبكة شام