"باراماونت" و"وارنر" تحت مظلة واحدة.. صفقة تغير خريطة هوليوود
تقترب هوليوود من واحدة من أكبر عمليات إعادة ترتيب ملكية شركات الترفيه في السنوات الأخيرة. فمن المتوقع أن تغلق شركة "باراماونت سكاي دانس" صفقة الاستحواذ على "وارنر براذرز ديسكفري" في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعد تسوية قضائية أنهت دعوى رفعتها 12 ولاية أمريكية، وبعد أشهر من التنافس على شراء أصول وارنر.
تبلغ قيمة الصفقة نحو 110 مليارات دولار، غير أن أهمية الصفقة تتجاوز الرقم، لأنها تجمع تحت إدارة واحدة استوديوهات أفلام وتلفزيون، منصات بث، شبكات إخبارية وترفيهية، ومجموعة من أشهر الملكيات الفكرية في الثقافة الشعبية.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 من غزة إلى اليمن.. حكايات عربية عن الحرب والبقاء في مهرجان لندن السينمائي
* list 2 of 2 "ديغر".. رهان بـ250 مليون دولار يخذل توم كروز end of list
اسم جديد ومظلة أوسع
حتى هذه اللحظة، ما زال الاسم القانوني للشركة هو (باراماونت سكاي دانس)، لكن الشركة أعلنت في 2 أكتوبر/ تشرين الأول أنها تعتزم تعديل وثائق تأسيسها ليصبح الاسم (سكاي دانس كوربوريشن).
وتضم الصفقة أصول "وارنر براذرز ديسكفري"، ومنها "وارنر براذرز بيكتشرز"، و"وارنر براذرز تيليفيجن"، و"إتش بي أوه"، و"إتش بي أوه ماكس"، و"دي سي"، و"سي إن إن"، إلى جانب أصول باراماونت. هكذا تصبح ملكيات أعمال الشهيرة مثل "هاري بوتر"، و"صراع العروش"، و"دي سي" و"توب غن"، و"مهمة مستحيلة"، و"ستار تريك"، و"سبونج بوب سكوير بانتس" تحت مظلة واحدة.
بداية السباق: لماذا خسرت نتفليكس؟
في 5 ديسمبر/كانون الأول 2025 أعلنت نتفليكس اتفاقا نهائيا للاستحواذ على استوديوهات وارنر براذرز للأفلام والتلفزيون، إلى جانب (إتش بي أوه) و(إتش بي أوه ماكس)، بقيمة تقارب 82.7 مليار دولار. لكن باراماونت واصلت رفع عرضها، وفي 26 فبراير/شباط اعتبر مجلس إدارة وارنر العرض المعدل أفضل للشركة، ومع تخلي نتفليكس عن حقها في تقديم عرض معدل، أبرمت وارنر اتفاقها مع باراماونت.
لم يكن فارق السعر وحده العامل الحاسم، فصفقة نتفليكس كانت تستهدف الاستحواذ على شركات بعينها ضمن استوديوهات وارنر، بينما عرضت باراماونت شراء وارنر كاملة، مع تعهدات وضمانات مالية، بجانب تحمّل رسم إنهاء اتفاق نتفليكس البالغ 2.8 مليار دولار.
كما كان للسينما وزن خاص في المنافسة. فبينما التزمت نتفليكس بعرض أفلام وارنر في الصالات، جاءت صفقة باراماونت محكومة بالتزامات قضائية أكثر تفصيلا وصرامة بشأن حجم الإنتاج السينمائي ونوافذ العرض.
5 سنوات لحماية دور العرض
أهم ما نتج عن التسوية التزام الشركة المندمجة بخطة إنتاج وعرض سينمائي تمتد خمس سنوات، تنص على إطلاق 30 فيلما في الولايات المتحدة سنويا خلال العامين الأولين، ثم 32 فيلما خلال السنوات الثلاث التالية، مع أربعة أفلام مستقلة على الأقل كل عام. ويجب أن يكون نصف الأفلام المحتسبة على الأقل من إنتاج الشركة أو إنتاجها المشترك.
كما يجب أن يحصل كل فيلم محتسب على نافذة سينمائية لا تقل عن 45 يوما، وألا يتاح على خدمة الاشتراك (SVOD) قبل مرور 90 يوما على عرضه السينمائي الأول في الولايات المتحدة. وتشمل الشروط أيضا أن تكون 20% على الأقل من الأفلام في كل عام ذات ميزانيات إنتاج أو استحواذ تبلغ 50 مليون دولار على الأقل، وأن تصل إلى 3000 شاشة أمريكية خلال أول أربعة أسابيع.
ويتجاوز أثر التسوية الصالات، إذ تلتزم الشركة بإنفاق إضافي قدره 1.5 مليار دولار على إنتاج الأفلام داخل الولايات المتحدة خلال خمس سنوات مقارنة بمستويات 2025.
هوليوود منقسمة حول الصفقة لم تمر الصفقة داخل هوليوود بهدوء. ففي أبريل/نيسان، وقّع أكثر من ألف من العاملين في السينما والتلفزيون رسالة تعارض استحواذ باراماونت سكاي دانس على وارنر براذرز ديسكفري، وكان من بين الأسماء مارك رافالو، جواكين فينيكس، بن ستيلر، إيما طومسون وجين فوندا. وركز المعارضون على مخاوف تتعلق بتراجع المنافسة، وانخفاض فرص العمل، وتقليص عدد المشاريع وتنوعها.
لكن موقف العاملين لم يكن موحدا. فبعد تسوية سبتمبر/أيلول، رحبت نقابة المخرجين الأمريكية بالالتزامات الجديدة، بينما كانت نقابة الكتاب من أبرز المعارضين للصفقة، ثم سوّت دعواها بعد اتفاق مع باراماونت تضمن، إلى جانب أتعاب التقاضي، 17.5 مليون دولار لصندوقها الصحي وتعهدات تتعلق بكتاب "سي بي إس نيوز". ورغم التسوية، ظلت النقابة متمسكة برأيها بأن الصفقة ستضر بالكتاب والصناعة.
وكانت نقابة ممثلي الشاشة قد اتخذت بدورها موقفا معارضا قبل التسوية، وطالبت بضمانات قابلة للتنفيذ للحفاظ على مستويات الإنتاج وزيادتها. لكن بعد التسوية رأت النقابة أن الاتفاق يعالج مخاوفها بشأن مستويات الإنتاج والاستثمار داخل الولايات المتحدة. غير أن المسألة بالنسبة إلى العاملين ليست مجرد انتقال ملكية، بل سؤالا عن عدد الأفلام والمسلسلات التي ستصنع فعلا، ومن سيحصل على فرصة المشاركة فيها بعد أن تصبح شركتان من أكبر كيانات هوليوود تحت إدارة واحدة.
منصتان وهوية واحدة: مكتبة ضخمة أم تكرار للعلامات؟
ومع أن الصفقة ستضع "إتش بي أوه ماكس" و"باراماونت بلس" تحت الإدارة نفسها، فإنها لا تعني دمجهما تلقائيا في منصة واحدة. حتى الآن لا توجد خطة نهائية معلنة تحدد ما إذا كانت الخدمتان ستبقيان منفصلتين أو ستندمجان تحت سعر موحد.
ففي حين تحمل "إتش بي أوه" هوية درامية ارتبطت بالأعمال ذات الطموح الفني، تمتلك باراماونت مجموعة مختلفة من الأفلام والتلفزيون والرياضة والعلامات الموجهة إلى جمهور عائلي وشبابي. وسيكون القرار بشأن شكل الخدمتين أحد الاختبارات المبكرة للقدرة على إدارة علامتين لهما هويتان مختلفتان.
جدير بالذكر أن الجمع بين هذه الملكيات لا يعني تلقائيا تنوعا أكبر. فالمنطق التجاري قد يدفع الشركة إلى الاعتماد على العلامات التي يعرفها الجمهور مسبقا، باعتبارها الطريق الأكثر أمانا إلى التمويل والمشاهدة، بدلا من المخاطرة بأفكار وشخصيات جديدة.
وهنا يصبح السؤال الفني أكثر أهمية من حجم المكتبة: هل تستخدم الشركة هذه الملكيات لفتح أبواب أمام أفكار ومواهب جديدة، أم تتحول الشخصيات والعوالم الأكثر شهرة إلى الخيار الأسهل؟ وقد يوفر الحد الأدنى المقرر للأفلام المستقلة ضمانا محدودا للتنوع، لكنه لا يحدد قيمة تلك الأعمال فنيا أو مدى جرأتها.
المنطقة العربية: سوق أوسع وقرارات لم تحسم
تمتلك وارنر وباراماونت شبكات توزيع وإنتاج دولية واسعة، ما يتيح للشركة المندمجة الاستفادة من المواهب والأسواق خارج الولايات المتحدة. لكن لا توجد حتى الآن في الوثائق الرسمية خطة محددة لحجم الاستثمار في الدراما العربية أو لدمج خدمات البث في المنطقة، لذلك من المبكر القول إن الصفقة ستزيد الإنتاج العربي.
ما سيحدد أثر الصفقة على هوليوود هو كيفية توزيع رأس المال، ومن يحصل على فرصة الإنتاج، وما إذا كانت الصالات ستظل محطة أساسية للفيلم بعد انتهاء القيود القانونية. أما المشاهد فلا يهمه سوى عدد الأفلام التي تصل إلى الشاشة الكبيرة وتنوعها، وما سيجده على المنصات عندما تبدأ "سكاي دانس" عملها بالاسم الجديد.