78 عاما و5 آلاف مباراة.. أكبر حكم في العالم يرفض الاعتزال
في وقتٍ يختار فيه كثيرون الابتعاد عن الملاعب مع التقدم في العمر، سواء بالخلود إلى الراحة أو الانتقال إلى مجالات أخرى، يصرّ حكم ويلزي مخضرم على مواصلة مشواره في المستطيل الأخضر، متمسكا بشغفه بكرة القدم ورافضا الاستسلام لفكرة التقاعد، رغم بلوغه 78 عاماً.
وكان بإمكان الويلزي كين رايت أن يختار حياة هادئة بعيدا عن ضوضاء الملاعب والمدرجات، لكنه لا يزال حريصا على الظهور في أرضية الملعب، مرتديا زيه الأسود وحاملا صافرته، ليواصل مسيرة تحكيمية استثنائية بدأت قبل أكثر من ستة عقود.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 حافز قوي.. مونديال 2026 يوسع قاعدة الدوري الإنجليزي في أمريكا
* list 2 of 2 هندسة الكرات الثابتة.. عندما تُصنع الأهداف من أضيق المساحات end of list
وبحسب موقع "ذا أثلتيك " (The Athletic) البريطاني، يُعد رايت أقدم حكم كرة قدم للرجال في العالم، ولا يزال يدير المباريات للموسم الثالث والستين على التوالي، حتى وإن كانت مهمته الحالية تقتصر على مباريات المدارس والناشئين والأطفال.
ومنذ عام 1964، أدار رايت أكثر من 5 آلاف مباراة، ولا يبدو أن هذا الرقم بلغ محطته الأخيرة، في ظل إصراره على مواصلة التحكيم وعدم تعليق الصافرة.
وفي الفترة الأخيرة وحدها، أدار 7 مباريات خلال 6 أيام، في مؤشر على رغبته في الاستمرار رغم تقدمه الكبير في السن.
كيف بدأت الحكاية؟
بدأت رحلة رايت مع التحكيم بطريقة لم تكن توحي بمسيرة استثنائية كهذه، بعدما كلفه معلم التربية البدنية في مدرسته بإدارة مباراة في كرة القدم، وكان ذلك المعلم يشغل منصبا إداريا في نادي سوانزي سيتي.
كان رايت يبلغ 16 عاماً آنذاك، وفي نهاية العام الدراسي، نصحه معلمه بالتوجه إلى التحكيم، بعدما رأى أنه لا يملك المؤهلات التي تجعله لاعب كرة قدم.
وخاض رايت أول تجربة تحكيمية له في دوري الدرجة السادسة ضمن دوري سوانزي، عندما أدار مباراة جمعت غلانتاوي وساوث غاور وانتهت بفوز الأول 13-4، وشهدت تسجيل 9 أهداف أثارت جدلا واسعا حول قراراته التحكيمية، لتأتي بدايته مع الصافرة بعيدة عن المثالية، وتدفعه حتى إلى التفكير جديا في اعتزال التحكيم مبكرا.
مصدر الصورة
وقال رايت عن تلك المباراة: "رغم مرور 62 عاماً عليها، فإنني ما زلت أتذكر تفاصيلها جيدا. أقيمت وسط أجواء ماطرة وبرد قارس، وكان اللاعبون يتذمرون ويشتكون من قراراتي التحكيمية السيئة، وركلات الجزاء الخاطئة وحالات التسلل التي لم أحتسبها. عدت إلى المنزل وقلت: لقد انتهت مسيرتي التحكيمية".
وأضاف: "مع ذلك، عدت لتحكيم المباريات في الأسبوع التالي، ثم الأسبوع الذي يليه، وحتى الآن ما زلت حاضرا في الملاعب أسبوعا تلو الآخر".
ليلة لا تُنسى
على مدار أكثر من ستة عقود، واصل رايت إدارة آلاف المباريات، بالتوازي مع عمله الخاص في مجال المقاولات الكهربائية، الذي استمر فيه حتى عام 1999.
لكن إحدى أبرز محطات مسيرته جاءت في يناير/كانون الثاني 1986، عندما تولّى إدارة مباراة خيرية خُصصت لجمع الأموال التي ساعدت على إنقاذ سوانزي سيتي من أزمته المالية.
وجمعت المباراة بين مانشستر يونايتد وعدد من أبرز نجومه التاريخيين، من بينهم مارك هيوز وبرايان روبسون، لتصبح واحدة من أكثر المباريات التي بقيت عالقة في ذاكرة رايت طوال مسيرته الطويلة.
مباريات الناشئين.. التحدي الأصعب
ورغم تقدمه في السن، لا يزال رايت يدير مباريات الناشئين والبراعم في مختلف الفئات العمرية، لكنه يرى أن مباريات الصغار ليست بالسهولة التي قد يتخيلها البعض، بل ربما تكون أكثر صعوبة من مباريات الكبار.
وقال: "صدق أو لا تصدق، قد تكون بعض أسوأ المباريات التي يمكن أن تشارك فيها هي مباريات تحت سن 12 و13 و14 عاماً. وتتمثل إحدى أكبر مشكلاتها في وقوف أولياء الأمور على خط التماس وإطلاق الكثير من الانتقادات الجائرة والشتائم تجاه الحكام ".
وبالتزامن مع استمراره في التحكيم، تثار تساؤلات حول مدى قدرة بصر رايت وحالته البدنية على مواصلة هذه المهمة في سن 78 عاماً.
مصدر الصورة
ورد الحكم الويلزي على هذه المخاوف بسخرية، قائلا: "وفقا لمعظم اللاعبين، فقد كنت أعاني من مشكلات في البصر طوال 62 عاماً، لأنهم لا يرون الأمور بالطريقة نفسها التي أراها بها".
وأضاف: "من الواضح أن أي شخص يبلغ من العمر 78 عاماً لا يمكنه أن يتمتع باللياقة البدنية نفسها التي كان عليها قبل سنوات، لكنني أتمتع بلياقة بدنية وذهنية تتجاوز الحد الكافي للتعامل مع المباريات".
شهادة من غينيس وهدف جديد
وفي 8 يونيو/حزيران الماضي، حصل رايت على شهادة من موسوعة غينيس للأرقام القياسية باعتباره أقدم حكم كرة قدم للرجال في العالم، في إنجاز احتفى به الاتحاد الأوروبي لكرة القدم "يويفا " عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.
كما دعاه نادي سوانزي إلى مقر تدريباته، حيث التقى المدرب واللاعبين، قبل أن يحظى لاحقا بدعوة لحضور مباراة للفريق في دوري التشامبيونشيب أمام بيرنلي، وتسلم قميصا يحمل توقيعات اللاعبين.
ومع ذلك, لا يرى رايت أن دخوله موسوعة غينيس يمثل نهاية قصته مع التحكيم، إذ لا تزال فكرة الابتعاد عن المستطيل الأخضر بعيدة عن خططه.
وقال: "كانت لديّ دائما أهداف أسعى إلى تحقيقها، ولدي الآن هدفان إضافيان. أريد أن أستمر حكما لمدة 18 شهراً أخرى لكي أبلغ الثمانين من عمري".
ولا يتوقف طموح رايت عند بلوغ عامه الثمانين، بل يضع أمامه هدفا أكثر غرابة وطموحا، يتمثل في الوصول إلى عقده الثامن في عالم التحكيم.
وختم قائلا: "حينما أحقق هذا الرقم القياسي المحدد، أتمنى بشدة أن أدير مباراة في 1 يناير/كانون الثاني 2030. والسبب الوحيد وراء ذلك هو أنني بدأت في ستينيات القرن الماضي، لذا سأكون قد أدرت مباريات في ثمانية عقود مختلفة. وإذا تمكنت من بلوغ ذلك المدى، فسيكون رقما قياسيا أشك بشدة في أن يُكسر يوما ما".