شح الأمطار ينهك ثروة السودان الحيوانية ويهدد ملايين المربين
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
الخرطوم- لم يعد الجفاف وشحّ الأمطار المرتبطان في السودان بظاهرة النينيو خطرا على الأمن الغذائي للإنسان، بل تعداه إلى الثروة الحيوانية حيث شهدت بعض الولايات نفوق قطعان من الماشية جوعا وعطشا.
ويشهد السودان في الموسم الزراعي الحالي جفافا يمتد على مساحات واسعة، مما أدى إلى تقلص المساحات المزروعة بالمحاصيل الغذائية وظهور مؤشرات على تراجع الإنتاج. وامتدت التداعيات إلى الثروة الحيوانية مع ضعف الأمطار وتراجع المراعي الطبيعية، مما رفع أسعار الأعلاف وضاعف كلفة شراء اللحوم.
قصص مقترحة
list of 4 items* list 1 of 4 وزير الثروة الحيوانية السوداني للجزيرة نت: يمكننا تغطية 50% من احتياجات الخليج الغذائية
* list 2 of 4 تدهور الغطاء النباتي في السودان.. أزمة بيئية تهدد الثروة الحيوانية والزراعة
* list 3 of 4 مجاعات السودان.. من قسوة المناخ إلى صناعة الحرب
* list 4 of 4 الجفاف يخنق سلة غذاء السودان.. انحسار الغطاء النباتي في ولايات الجزيرة والنيل الأبيض والقضارف end of list
وتقدر بيانات غير رسمية حجم الثروة الحيوانية في السودان بنحو 111 إلى 140 مليون رأس حتى نهاية عام 2025، فيما يساهم القطاع بنحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي (حجم الاقتصاد السوداني)، ويوفر مصدر دخل وعمل لنحو 40% من السكان.
تداعيات الجفاف
وتراجعت عائدات صادرات الثروة الحيوانية السودانية إلى قرابة 471 مليون دولار في 2025، مقابل 535 مليون دولار في 2024، و551 مليون دولار في 2022، وفق تقارير أصدره البنك المركزي السوداني.
مصدر الصورة
ويعكس تراجع الصادرات تداعيات الحرب على سلاسل الإمداد، بعدما أدت الاضطرابات الأمنية إلى صعوبة نقل الماشية من مناطق الإنتاج إلى الأسواق وموانئ التصدير، مما قلص الكميات المتاحة للتصدير.
ويقول مسؤول المراعي الطبيعية والأعلاف في وزارة الثروة الحيوانية السودانية هشام إبراهيم -في تصريحات للجزيرة نت- إن ظاهرة النينيو أثّرت في معظم ولايات السودان، وتسببت في تذبذب معدلات الأمطار وتراجعها، مشيرا إلى أن أبرز تداعياتها تمثلت في:
* تدهور المراعي الطبيعية التي تعتمد على الأمطار.
* نقص في موارد المياه وتراجع الغطاء النباتي.
* انخفاض إنتاج الأعلاف وضعف المراعي.
* تدهور صحة الحيوانات ونفوق أعداد من قطعان الماشية.
مصدر الصورة
ووفقا للمسؤول الحكومي، فقد امتدت موجة الجفاف من يونيو/حزيران حتى أغسطس/آب الماضيين، مع تراجع معدلات الأمطار عن مستوياتها الطبيعية خلال هذه الفترة.
ويضيف هشام إبراهيم أن الجفاف رُصد في 10 ولايات، مع تسجيل مؤشر الهطول القياسي للأمطار قيما سالبة، مما يشير إلى نقص الأمطار وارتفاع المخاطر على الأمن الغذائي للثروة الحيوانية.
ويرى خبراء أن الجفاف وشحّ الأمطار يفرضان ضغوطا مباشرة وحادة على قطاع الثروة الحيوانية في السودان، الذي يمثل أحد أعمدة الاقتصاد، ومصدر رزق أساسيا لملايين الرعاة والمنمّين.
شكوى المنمّين
وأعربت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة ( الفاو) عن قلقها من تدهور أوضاع الأمن الغذائي في السودان خلال الأشهر المقبلة.
وفي سبتمبر/أيلول الماضي، زار مدير مكتب الطوارئ والقدرة على الصمود في المنظمة رين بولسن ولايات الخرطوم والنيل الأبيض وسنار، والتقى مزارعين ورعاة ومجتمعات تعتمد على تربية الماشية وصيد الأسماك، بينهم عائدون إلى مناطقهم بعد النزوح وجدوا أن أصولهم الإنتاجية قد دُمرت أو فُقدت.
مصدر الصورة
وأشار بولسن -خلال لقاء مع الصحفيين- إلى أن معدلات هطول الأمطار في السودان تراجعت بنسبة تتراوح بين 30% و40%.
وخلال زيارته للسودان، شارك بولسن في إطلاق حملة وطنية لتطعيم الماشية بدأت من ولاية الخرطوم، على أن تترافق جهود التحصين مع توفير التغذية المناسبة للحيوانات.
وتهدف الحملة إلى تطعيم نحو 9 ملايين رأس من الماشية، بما يماثل حجم التدخل في العام الماضي، إلا أن الوصول إلى هذا العدد يظل مرتبطا بتوفر التمويل اللازم.
وفي ولاية النيل الأبيض وسط السودان، يقول مربي الماشية في منطقة الشقيق، حسن الحاج، للجزيرة نت إن نقص المراعي وارتفاع أسعار الأعلاف دفعا كثيرا من المربين إلى بيع ماشيتهم، ما زاد المعروض في الأسواق وخفض الأسعار بنسبة تراوحت بين 20% و30%.
وفي ولاية شمال كردفان (وسط)، يوضح الوسيط في سوق الماشية بالأبيض عاصمة الولاية إبراهيم آدم في تصريحات للجزيرة نت أن الجفاف وضع المربين أمام خيارات صعبة، بين بيع ماشيتهم قبل تراجع أسعارها، أو الاحتفاظ بها مع خطر تعرضها للهزال والنفوق، محذرا من أن شح الأمطار قد يفقد كثيرا من المربين جانبا كبيرا مما راكموه خلال سنوات.
وشهدت صادرات اللحوم والماشية السودانية تراجعا حادا في عام 2025، مع خسائر هذا القطاع تجاوزت مليار دولار نتيجة تعطل الطرق المؤدية إلى الموانئ بسبب الأوضاع الأمنية، وتضرر المسالخ والمحاجر، إلى جانب نزوح الكوادر العاملة، وفق للبنك المركزي.
مصدر الصورة
خسائر اقتصادية
ويحذر تقرير رسمي اطلعت عليه "الجزيرة نت" من أن تراجع المراعي الطبيعية وارتفاع أسعار الأعلاف ونقص مصادر المياه تؤدي إلى انخفاض أوزان الماشية وضعف مناعتها، ما يزيد انتشار الأمراض ويرفع مخاطر نفوق أعداد كبيرة منها بسبب الجوع والعطش.
ويتوقع التقرير تراجعا حادا في إنتاج اللحوم والألبان، ما يفاقم الضغوط على الأمن الغذائي المحلي ويدفع أسعار المنتجات الحيوانية إلى الارتفاع في الأسواق.
ويدفع شح المياه والمراعي الرعاة إلى التحرك مبكرا نحو مناطق الجنوب بحثا عن الموارد، ما يزيد احتمالات الاحتكاك والنزاع مع المزارعين على المياه والأراضي المتاحة للرعي، وفقا للتقرير الرسمي.
ويتوقع التقرير خسائر اقتصادية واضطرابات في الأسواق، مع اضطرار الرعاة إلى بيع ماشيتهم قبل تدهور صحتها ونفوقها، ما يزيد المعروض ويضغط على الأسعار ويقلص قيمة القطعان، بالتزامن مع تراجع صادرات الماشية الحية.
ولمواجهة موجة الجفاف، يدعو الخبير في اقتصاديات الثروة الحيوانية عمر محمدين إلى تبني حزمة من التدابير والسياسات للحد من آثار الجفاف على المراعي والثروة الحيوانية، بالتعاون مع المنظمات الدولية والمحلية.
ويرى محمدين، في حديثه للجزيرة نت، أن فاعلية هذه التدابير تواجه تحديات تمويلية ولوجستية كبيرة، تفاقمت في الفترة الأخيرة بفعل الأوضاع الاقتصادية والأمنية في البلاد، مشيرا إلى أن أبرز التدابير المطلوبة تشمل:
* فتح وتأمين مسارات محددة لترحال المواشي لتسهيل وصولها إلى مصادر المياه الدائمة، وتجنب الصدامات بين المزارعين والرعاة.
* إقامة وتأهيل الحفائر والسدود الترابية وآبار المياه الجوفية للحد من ظاهرة عطش الماشية وتوزيع القطعان، تفاديا للضغط على مرعى واحد.
* نثر بذور الأعلاف والأنواع النباتية المقاومة للجفاف لإعادة التوازن للغطاء النباتي المجهد، وزراعة بعض المساحات المروية بالأعلاف خلال الموسم الشتوي الذي يبدأ في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل لخفض أسعارها.
* توزيع الأعلاف المركزة للرعاة في مناطق الشح لتفادي سوء التغذية والنفوق في المواسم الجافة، وتنظيم حملات تحصين بيطرية ضد الأمراض التي تنشط خلال فترات الجفاف وتضعف مناعة الماشية.