آخر الأخبار

ترمب يدفع كوريا الجنوبية نحو القنبلة النووية

شارك

بعد أن واجه عقبات بسبب تحدي إيران لمطالبه النووية، وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اهتمامه في السياسة الخارجية نحو كوريا الشمالية.

غير أن آماله في تحقيق "انتصار نووي" مع بيونغ يانغ تبدو بعيدة المنال هي الأخرى، وقد تؤدي طريقتُه في التودد إلى الزعيم كيم جونغ أون بدلا من ذلك إلى خسارة نووية تاريخية إذا ما قررت كوريا الجنوبية أنها بحاجة إلى حيازة أسلحة نووية بنفسها.

وإذا كان هناك بلد ما له ما يبرر سعيه إلى حيازة أسلحة نووية، فسيكون ذلك هو كوريا الجنوبية، المعروفة رسميا باسم جمهورية كوريا (ROK).

فقد تجاوزت عدوتها اللدودة، كوريا الشمالية، العتبة النووية في عام 2006، وعلى الرغم من المحاولات الأولية للتظاهر بالتفاوض حول نزع السلاح النووي، فإن جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية (DPRK) تصر على أنها لن تتخلى أبدا عن الأسلحة النووية، حيث إن حيازتها منصوص عليها في دستورها.

السبب الرئيسي لعدم اختيار كوريا الجنوبية تسليح نفسها بالمثل هو أنها تمكنت، طوال فترة وجودها كدولة، من الاعتماد على الولايات المتحدة في تأمين أمنها. وينطبق الأمر نفسه على اليابان في فترة ما بعد الحرب

ويزداد التهديد الوجودي الذي تشكله بيونغ يانغ خطورة يوما بعد يوم، مع امتلاكها ما يكفي من اليورانيوم عالي التخصيب والبلوتونيوم لتصنيع حوالي 100 سلاح نووي، ومجموعة واسعة من الصواريخ التي خضعت لاختبارات مكثفة لإيصالها.

إن الادعاء الواهي الذي أطلقه ترمب في منشور على "تروث سوشيال" بتاريخ 16 أغسطس/آب بأن كوريا الشمالية "لا تشكل تهديدا" يتجاهل تطويرها صواريخ باليستية عابرة للقارات تستهدف أراضي الولايات المتحدة القارية، واختبارها العام الماضي صواريخ باليستية متوسطة المدى وفائقة السرعة قادرة على الوصول إلى إقليم غوام التابع للولايات المتحدة.

إعلان

كما يتجاهل هذا الادعاء مئات الصواريخ قصيرة المدى الموجهة نحو كوريا الجنوبية، والتي أطلقت منها حوالي 10 في تجربة يوم 20 أغسطس/آب، بالإضافة إلى الصواريخ الإضافية التي زودت بها روسيا لاستخدامها القاتل ضد أوكرانيا.

السبب الرئيسي لعدم اختيار كوريا الجنوبية تسليح نفسها بالمثل هو أنها تمكنت، طوال فترة وجودها كدولة، من الاعتماد على الولايات المتحدة في تأمين أمنها. وينطبق الأمر نفسه على اليابان في فترة ما بعد الحرب، وتعد مصداقية المظلة النووية الأمريكية التي تغطي الحلفاء أقوى أداة لعدم الانتشار لدى الولايات المتحدة.

في بعض الأحيان، يبدو أن ترمب يبذل قصارى جهده لتقويض تلك المصداقية؛ فلم يكتفِ بتجاهل التهديد الكوري الشمالي، بل أهان حليفه الكوري الجنوبي عندما أمر بشكل مفاجئ وأحادي الجانب بتخفيض التدريبات المشتركة التي تعتبر حيوية للحفاظ على جاهزية القوات المتحالفة وتنسيقها الجيد.

وردا على أمر ترمب، قال الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ إن بلاده بحاجة إلى الاستعداد لـ"أسوأ السيناريوهات".

ولم يوضح ما يعنيه بذلك، لكن معظم الكوريين الجنوبيين يعتقدون أنهم بحاجة إلى أسلحة نووية تحسبا لأسوأ سيناريو يتمثل في هجوم كوري شمالي آخر. فهم يتذكرون جيدا غزو كوريا الشمالية في يونيو/حزيران 1950 والحرب الكورية التي استمرت ثلاث سنوات، والتي لا تزال دون تسوية في ظل غياب معاهدة سلام.

كما يتذكر الكوريون الجنوبيون غرق المدمرة "تشونان" على يد كوريا الشمالية عام 2010، مما أسفر عن مقتل 46 بحارا، والقصف الدموي لجزيرة يونبيونغ في وقت لاحق من ذلك العام.

وقد أظهرت تلك الهجمات، التي نُسبت إلى كيم جونغ أون أثناء إعداده لتولي القيادة، ميل كوريا الشمالية إلى إطلاق النار أولا.

منذ عام 2010 على الأقل، أظهرت استطلاعات الرأي باستمرار أن 60-70% من الجمهور الكوري الجنوبي يؤيد التسلح النووي المحلي، وفي العام الماضي، ارتفعت هذه النسبة إلى 76%.

لم تغير هذه الاستطلاعات التزام حكومة جمهورية كوريا الراسخ بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. ويدرك المسؤولون في سول العواقب الاقتصادية والدبلوماسية والإستراتيجية التي ستترتب على سعيهم للحصول على أسلحة نووية.

آخرون، مثل عمدة سول والمرشح الرئاسي المحتمل أو سي-هون، واصلوا انتقاد الاعتماد على المظلة النووية الأمريكية، مدعين أن "الأسلحة النووية لا يمكن مواجهتها إلا بالأسلحة النووية"

ستضطر عدة دول، بموجب القانون، إلى قطع إمدادات الوقود التي تزود بها كوريا الجنوبية مفاعلاتها النووية التجارية البالغ عددها 26 مفاعلا، والتي توفر 30% من الكهرباء في البلاد.

وستتحول سمعة كوريا الجنوبية كرائدة في مجال عدم الانتشار إلى سمعة دولة منبوذة في أعين الكثيرين، وقد يدفع ذلك اليابان أيضا إلى السعي لامتلاك أسلحة نووية.

وستصبح الصين وروسيا معاديتين، وقد تميل كوريا الشمالية إلى شن هجوم استباقي خلال السنتين أو أكثر اللتين ستستغرقهما كوريا الجنوبية لتطوير أسلحة نووية. ومع ذلك، دعا العديد من كبار السياسيين المحافظين إلى تغيير الموقف تجاه عدم الانتشار.

إعلان

في يناير/كانون الثاني 2023، طرح الرئيس آنذاك يون سوك-يول فكرة الحاجة إلى حيازة أسلحة نووية إذا استمر التهديد النووي الكوري الشمالي في التزايد.

وسرعان ما تراجع عن هذا الموقف، حيث عززت الحكومة الأمريكية بقيادة الرئيس جو بايدن التزامها بالردع الموسع من خلال النشر الدوري للغواصات المسلحة نوويا في كوريا الجنوبية وتعزيز المشاورات الأمنية.

لكن آخرين، مثل عمدة سول والمرشح الرئاسي المحتمل أو سي-هون، واصلوا انتقاد الاعتماد على المظلة النووية الأمريكية، مدعين أن "الأسلحة النووية لا يمكن مواجهتها إلا بالأسلحة النووية".

وقد حافظت إدارة ترمب على عمليات الانتشار الإستراتيجي ومشاورات الردع التي أطلقها بايدن.

وذهبت الولايات المتحدة أبعد من ذلك بكثير في تقديم ضمانات ملموسة، حيث وافقت في الخريف الماضي على دعم خطة كوريا الجنوبية لبناء غواصات هجومية تعمل بالطاقة النووية، والسعي إلى تخصيب اليورانيوم (بحد أقصى أقل من 20%)، وإعادة معالجة الوقود المستهلك للأغراض السلمية والبحرية.

وشكل كلا القرارين تحولا كبيرا في السياسة الأمريكية، ومن شأنهما أن يساعدا بشكل كبير إستراتيجية التحوط النووي لكوريا الجنوبية؛ ومع ذلك، لم يتم بعد وضع التفاصيل.

وفي الوقت نفسه، يزعم الرئيس نفسه أن التحالف من جانب واحد، واصفا كوريا الجنوبية بأنها مستفيدة مجانية. ولا يمكن لرؤيته المعاملاتية للقوات الأمريكية البالغ عددها 28 ألفا و500 جندي والمتمركزة في كوريا الجنوبية باعتبارها ورقة مساومة إلا أن تقوض مصداقية الالتزام الأمني الأمريكي.

لا يظهر كيم جونغ أون أي بادرة على رغبته في استئناف الحوار مع ترمب، لا سيما الآن بعد أن أصبح يتمتع بعلاقة مربحة للغاية مع روسيا.

الرئيس لي وحكومته لديهم كل الأسباب للخوف من "أسوأ سيناريو" من شأنه تدمير التحالف. فعلى مدى العامين ونصف المقبلين، سيتعين عليهم أن يقرروا كيفية التعامل مع زعيم حليف متقلب، يميل إلى اتخاذ قرارات دفاعية في لمح البصر دون تشاور

فهو لا يزال يتذكر الإهانة التي تعرض لها عندما أنهى ترمب قمة هانوي قبل الأوان في فبراير/شباط 2019.

لكن كيم ليس بأحمق، وبالنظر إلى حرص ترمب على الاجتماع مجددا في وقت لاحق من هذا العام، فإن الكوريين الشماليين في موقف تفاوضي قوي. وقد تكون هذه فرصتهم لمحاولة زعزعة التحالف الإستراتيجي بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية.

وإذا ما فكرنا في أسوأ السيناريوهات، فإذا أمر ترمب بانسحاب القوات من كوريا الجنوبية، فمن المؤكد أن الجهاز البيروقراطي سيؤخر تنفيذ الأمر أو حتى يحاول إبطاله، كما حدث مع الرغبة التي أعلن عنها المرشح جيمي كارتر في عام 1976 في سحب القوات.

لكن الانسحاب الجزئي مقابل وعود نووية غامضة يظل احتمالا مقلقا.

لنتذكر قرار ترمب في مايو/أيار بسحب 5 آلاف جندي من ألمانيا على خلفية خلاف سياسي مع المستشار فريدريش ميرتس، وإلغاء وزير الدفاع بيت هيغسيث في اللحظة الأخيرة لنشر لواء مدرع كان مقررا في بولندا.

وهناك عامل آخر يتعلق بالمشاعر الإنسانية، فقد شعر الكوريون الجنوبيون بإهانة عميقة في سبتمبر/أيلول الماضي عندما داهم عملاء مصلحة الهجرة والجمارك الأمريكية ومسؤولون اتحاديون آخرون موقع بناء مصنع لبطاريات السيارات الكهربائية الكورية الجنوبية في إيلابيل بولاية جورجيا، واعتقلوا مئات المهندسين والفنيين الكوريين الجنوبيين الذين كانوا يقومون بتركيب معدات مصنع متخصصة من شأنها تعزيز الصناعة التحويلية الأمريكية.

ولم تتمكن الاعتذارات اللاحقة وإعادة تفعيل التأشيرات من التغلب على الإذلال الوطني الناجم عن رؤية مواطنين يُقتادون مكبلين بالأصفاد.

وجاءت إهانة أخرى عندما برر ترمب أمره بتقليص حجم التدريبات العسكرية المشتركة لأن كوريا الجنوبية رفضت مساعدة الولايات المتحدة في "نزع السلاح النووي" من إيران.

إعلان

وبرفضها ذلك، كانت سول في رفقة جيدة جدا، فمن بين حلفاء الولايات المتحدة وشركائها الرئيسيين، لم تقف إلى جانب ترمب في ملف إيران سوى إسرائيل. فلماذا إذن يستهدف سول، كان على الكوريين الجنوبيين أن يتساءلوا.

وبأخذ كل هذا في الاعتبار، فإن الرئيس لي وحكومته لديهم كل الأسباب للخوف من "أسوأ سيناريو" من شأنه تدمير التحالف. فعلى مدى العامين ونصف المقبلين، سيتعين عليهم أن يقرروا كيفية التعامل مع زعيم حليف متقلب، يميل إلى اتخاذ قرارات دفاعية في لمح البصر دون تشاور.

لا تزال الأسباب التي تدعو إلى عدم السعي لامتلاك أسلحة نووية محلية حاسمة من وجهة نظر كاتب هذه السطور. وسيكون ترتيب تقاسم الأسلحة النووية على غرار حلف الناتو بديلا أقل سوءا بكثير. لكن بينما تدرس جمهورية كوريا خياراتها الدفاعية، فإن تجميع الموارد اللازمة للسير في المسار النووي سيكون بالتأكيد على طاولة النقاش.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا