آخر الأخبار

يوم أن قال لي الأمير الوالد: لن تموت امرأة قطرية كما ماتت أمي

شارك

استيقظت صباح الأحد على خبر صادم ومؤلم: رحيل الأمير الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، عن أربعة وسبعين عاما. أحزنني الخبر حزنا عميقا.

التقيت الشيخ حمد أول مرة في يناير/كانون الثاني 2001، ثم في مناسبات كثيرة على مدى السنوات التي تلت. كان رجلا أكن له الإعجاب؛ لرؤيته، ولجرأته في منطقة تندر فيها الجرأة، ولذلك الدفء الإنساني البسيط الذي يعرفه كل من جلس إليه.

كانت المرة الأولى في عام 2001، حين قدمت إلى الدوحة مع طاقم برنامج (60 Minutes) الأمريكي لإعداد قصة عن قناة الجزيرة. كانت الجزيرة قد بدأت للتو تعرف في الغرب، وتثير من الأسئلة أكثر مما تقدم من إجابات. طلبنا لقاء الأمير، فدعانا إلى بيته قصر الوجبة.

هناك تحدث إلينا عن رؤيته وأحلامه، وكانت وقتها تبدو بعيدة المنال. قال إن فكرته لم تكن إنشاء قناة إخبارية فحسب، بل منبر يفتح النوافذ المغلقة، ويخاطب لا القطري وحده، بل العالم العربي كله.. من هنا، قال، جاءت الجزيرة.

عدت إلى الدوحة مرات كثيرة بعد ذلك، وشاهدت الحلم يتحقق أمام عيني، وكان لي شرف إعداد قصص أخرى عن قطر وقادتها، ضمّنت بعضها لاحقا في كتابي "The Fixer" الذي صدر مؤخرا.

هنا لا بد أن أتوقف قليلا. نحن- الصحفيين- يفترض بنا أن نلتزم الحياد، وألا ننحاز في قصة إلى طرف، وقد حرصت على ذلك طوال عمري المهني. لكنني أعترف أن لي- حين يتعلق الأمر بقطر وقيادتها- ميلا لا أخفيه.. ميلا لم يأتِ من عاطفة ولا مجاملة، بل من أنني أتيحت لي، على مدى سنوات، فرصة أن ألتقيهم وأراهم عن قرب، فوجدتهم صادقين فيما يقولون، وأفعالهم تنطق عنهم أكثر من كلامهم.

بلا كاميرات، وبلا طاقم تصوير. أخذنا إلى الدوحة القديمة، حيث لا أبراج ولا زجاج.. وتوقف أمام بيت من الطين. بيت صغير متواضع، من النوع الذي يمر المرء بجانبه ألف مرة دون أن يلتفت إليه

ومهما بلغ نقد بعضهم لقطر وسياساتها، يبقى عندي أن الدليل في الميدان، لا في الجدل. أذكر أننا أعددنا ذات مرة قصة عن الشيخة موزا ومؤسسة قطر، فأخذونا نصور المباني الأنيقة اللامعة في الدوحة. لكن القصة الحقيقية، بالنسبة إلي، لم تكن هناك.

إعلان

كانت حين كنا نصور في (جيبوتي)، أحد أفقر بلدان الأرض، فوصلنا إلى منطقة نائية في وسط اللاشيء. وهناك- لا في الدوحة- وجدنا مبنى صغيرا متواضعا، لا لمعان فيه ولا زخرفة: وجدنا مدرسة للبنات، بنتها مؤسسة قطر. في تلك المدرسة- لا في أبراج الدوحة- رأيت ما تعنيه قطر حين تتحدث عن التعليم.

وحين بلغني نبأ رحيله، تزاحمت في ذاكرتي حكايات كثيرة كنت أستطيع أن أرويها. لكنني آثرت أن أشارككم حكاية خاصة، تركتها عمدا خارج الكتاب.. حكاية لا صلة لها بالسياسة ولا بالاقتصاد، لكنها تقول شيئا عن الرجل نفسه، عن إنسانيته.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2011، كنت في الدوحة مع طاقم برنامج (60 Minutes) والمراسل بوب سايمون (Bob Simon). أمضينا أياما نصوِر قصة عن قطر بوصفها أغنى شعب في العالم. صورنا الأبراج، والمجمعات التجارية، والمتاحف، والملاعب قيد الإنشاء، والإسطبلات التي قيل لنا إنها تضم أغلى خيول الأرض، وفروع الجامعات الأمريكية في الدوحة، ومباني شبكة الجزيرة الجديدة اللامعة.

وتحت هذا كله كانت هناك معادلة حسابية واحدة، بسيطة وصادمة: بضع مئات الآلاف من المواطنين، يخدمهم أضعافهم من العمالة الوافدة، بلا ضرائب، وبتعليم مجاني، ورعاية صحية مجانية.

وحين قال بوب سايمون للأمير: "Sounds like paradise"، ضحك الشيخ حمد بن خليفة وأجاب: "Welcome to Paradise" .
كانت جملة موفقة، استخدمناها في التقرير، ثم استخدمها الإعلام القطري مرارا بعد ذلك. لكنها كانت أيضا، كما أدركت، الفردوس الذي سيتبين لنا لاحقا.
بعد أن انتهينا من التصوير، طلب منا الأمير أن نرافقه في صباح اليوم التالي، باكرا.

بلا كاميرات، وبلا طاقم تصوير. أخذنا إلى الدوحة القديمة، حيث لا أبراج ولا زجاج.. وتوقف أمام بيت من الطين. بيت صغير متواضع، من النوع الذي يمر المرء بجانبه ألف مرة دون أن يلتفت إليه.

قال إنه ولِد فيه. ثم قال، ببساطة ومن دون أي تفخيم، إن أمه ماتت هناك وهي تلده. وأضاف الجملة التي لم أنسها منذ ذلك الصباح: منذ أن أدرك ما جرى، عقد العزم على ألا تموت امرأة قطرية أخرى كما ماتت أمه. لم يقل هذا أمام عدسة كاميرا، ولم يصدر به بيان، ولم تبن عليه حملة إعلامية. قاله ونحن واقفون على تراب ذلك البيت.

الصحفي الذي أمضى عمره في هذه المنطقة يعرف معنى أن ينتظر رجل حتى تطفأ الكاميرات، ثم يأخذ طاقما أجنبيا ليريه بيت الطين الذي فقد فيه أمه. إنه يقول لك عن نفسه شيئا لن تجده في أي ملف رسمي

اليوم، وأنا أكتب بعد رحيل الأمير عن أربعة وسبعين عاما، لا أكف عن التفكير في المسافة بين ما صورناه، وما لم نصوره.
نحن نحاسب الحكام، ومن حقنا أن نحاسبهم، على ما ينفقون، وما يشترون، وما يبنون من واجهات. ونسأل عن المتاحف، والملاعب، والصفقات، وهي أسئلة مشروعة.

لكن ما يبقى من الحاكم ليس، في العادة، ما وضع اسمه عليه، بل ما غيره في حياة الناس حين لم يكن أحد يتوقع ذلك.
سجل الشيخ حمد مادة للنقاش والاختلاف، وقد اختلف معه كثيرون، وأنا منهم، وكتبت ذلك في حينه.

لكن الصحفي الذي أمضى عمره في هذه المنطقة يعرف معنى أن ينتظر رجل حتى تطفأ الكاميرات، ثم يأخذ طاقما أجنبيا ليريه بيت الطين الذي فقد فيه أمه. إنه يقول لك عن نفسه شيئا لن تجده في أي ملف رسمي.

إعلان

فإذا سألك أحد يوما لماذا يتمتع أهل قطر بأحد أفضل أنظمة الرعاية الصحية في العالم، ولماذا أصبحت وفيات الأمهات فيها من بين الأدنى عالميا، فلا تبحث عن الجواب في تقارير التنمية، ولا في نشرات الأخبار، ولا في المتاحف، ولا في الملاعب، ولا في الأبراج المضيئة.
ابحث عنه في بيت من طين.. فقد فيه طفل أمه، فقرر، عندما كبر، ألا يفقد طفل آخر أمه بالطريقة نفسها.

فقدان الأمير الوالد كبير، والمصاب جلل.. لكن عزاءنا في الأمير الشاب تميم، الذي اختاره الوالد ليواصل المسيرة، فيبقى الحلم حقيقة. وسنبقى نروي عنه، وعن قطر، حكايات جميلة أخرى. رحمك الله أيها الأمير الوالد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا