يتوجه الناخبون في البيرو اليوم الأحد إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في جولة إعادة رئاسية حاسمة، تضع البلاد أمام مفترق طرق سياسي واقتصادي في ظل حالة من الاحتقان الشعبي.
وتضع هذه الانتخابات البيروفيين أمام خيارين متناقضين تماما: المرشحة اليمينية كيكو فوجيموري، التي ترفع شعار "النظام والأمن"، والمرشح اليساري روبرتو سانشيز، الذي يدعو إلى تغييرات جذرية في إدارة الموارد.
ويأتي هذا الاستحقاق في وقت تعيش فيه البيرو حالة من عدم الاستقرار السياسي المزمن، حيث شهدت البلاد تعاقب 9 رؤساء خلال العقد الأخير، مما جعل الناخبين في حالة من الإرهاق السياسي، وسط مطالب ملحة بمعالجة ملفات الجريمة والفساد التي تتصدر أولويات المواطنين، خاصة مع ارتفاع معدلات القتل والابتزاز في العاصمة ليما.
وبرزت فئة الشباب، الذين يمثلون نحو ربع الناخبين، كعامل حاسم في هذه الانتخابات، ورغم حالة "الإرهاق السياسي" التي يعاني منها الناخبون البيروفيون، فقد شهدت الأسابيع الأخيرة انخراطا متزايدا للشباب في النقاش العام، وبينما ينظر جزء منهم إلى فوجيموري بعين الريبة بسبب إرث والدها وتخوفاتهم من "النزعة السلطوية"، يرى آخرون في سانشيز امتدادا لمرحلة اتسمت بالفوضى الإدارية.
تجسد جولة الإعادة انقساما هيكليا يعكس تباينات عميقة في بنية المجتمع، إذ تتمركز قوة المرشحة اليمينية كيكو فوجيموري في العاصمة ليما والمناطق الحضرية، مستندة إلى إرث والدها الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري.
وتخوض كيكو سباقها الرئاسي الرابع تحت شعار "النظام والأمن"، داعية إلى تبني "القبضة الحديدية" لمكافحة الجريمة المنظمة عبر إشراك الجيش، مع تمسكها الصارم بنهج الاقتصاد الحر.
على الضفة المقابلة، يستمد المرشح اليساري روبرتو سانشيز زخمه من قواعده الشعبية في المناطق الريفية وأوساط السكان الأصليين، متخذا من قبعة "تشوتا" رمزا لهويته التي تلامس هموم المهمشين.
ويطرح سانشيز رؤية مغايرة تقوم على مراجعة العقود التعدينية، وتعزيز دور الدولة في إدارة الموارد الإستراتيجية كالنحاس والذهب، فضلا عن وعود بإعادة هيكلة المؤسسة الشرطية لتعزيز الثقة المفقودة في مؤسسات الدولة.
وفي ظل هذا الاستقطاب، فرضت التحديات الأمنية -وعلى رأسها جرائم الابتزاز التي باتت تستهدف عصب الحياة الاقتصادية من قطاع النقل والشركات الصغيرة- نفسها كملف أولوي في ذهن الناخب البيروفي.
ففي وقت يمثل فيه خطاب "القبضة الحديدية" لفوجيموري ملاذا لسكان الضواحي والمناطق الحضرية الذين اكتووا بنار الجريمة وتصاعد معدلات القتل، يراهن سانشيز على إقناع الناخبين بأن استعادة الأمن لا يمكن اختزالها في الحلول الأمنية البحتة، إذ يراها مرتبطة عضويا بمعالجة الجذور الاجتماعية ومحاربة الفساد المؤسسي.
ولا تقف أهمية هذه الانتخابات عند الحدود المحلية، إذ تحمل أبعادا جيوسياسية واضحة، فالبيرو تُعد ثاني أكبر مستضيف للاجئين الفنزويليين عالميا، مما يضع المرشحين تحت ضغط شعبي كبير. وبينما تلوح فوجيموري بإجراءات أمنية صارمة وتشديد للحدود، يواجه سانشيز تحدي الموازنة بين متطلبات الأمن الداخلي والتماهي مع التضامن الإقليمي لتيار اليسار اللاتيني.
وعلى الصعيد الدولي، تحولت البيرو إلى ساحة تنافس بين القوتين العظميين، فالصين، الشريك التجاري الأكبر والمستثمر الرئيسي في قطاع التعدين وميناء "تشانكاي" الضخم، تراهن على استقرار مصالحها، وهو ما يفرض على أي رئيس قادم التعامل مع بكين بحذر.
في المقابل، تنظر واشنطن بقلق إلى التمدد الصيني في "فنائها الخلفي"، وتدعم الخطاب اليميني لفوجيموري كركيزة للحفاظ على نفوذها التاريخي في المنطقة.
وبين هذا التجاذب الدولي، يظل المواطن البيروفي يتطلع إلى استقرار ينهي سنوات من الإخفاقات السياسية، في انتظار من سيقود البلاد في ولاية تمتد لخمس سنوات بدءا في 28 يوليو/تموز القادم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة