في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
نحن الآن في مساء بارد في شهر يناير/كانون الثاني 2018، المكان هو مركز راغنر فريش (Ragnar Frisch) للأبحاث الاقتصادية في العاصمة النرويجية أوسلو. عبر الطرقات الواسعة يخطو الباحث أولي روغبيرغ بهدوء، يفتح باب غرفة زميله بيرنت براتسبرغ بحماسة ويقول إن تحليل النتائج انتهى، بعينين لامعتين فهم بيرنت أن صديقه يعني أن النتائج إيجابية، وأنها تحمل ما توقعه كلاهما بالفعل: نحن الآن جاهزون لضرب رأس المجتمع العلمي بمطرقة جديدة، تقول إن شباب العالم يتحركون ناحية "الغباء"!
حسنا، سنرجع إلى روغبيرغ ورفيقه بعد قليل، لكن نحتاج أن نبدأ حديثنا معا حول هذا الأمر بتوضيح أن الافتراض القائل إن هناك اختلافا "بيولوجيا" بين الأجيال، كأن نقول إن هناك "جيلا" أذكى وآخر أغبى بحكم تركيبه الدماغي، خاطئ تماما، لأن المسافة الزمنية بين جيل وآخر لا تسمح أبدا بتغيرات بهذا الوضوح على مستوى البيولوجيا.
"الافتراض القائل إن هناك اختلافا بيولوجيا بين الأجيال بحكم التركيب الدماغي هو افتراض خاطئ تماما"
لكن على الرغم من ذلك، فإن السياق يترك أثرا، ونتحدث هنا عن كل شيء، من السياسة إلى الاقتصاد إلى التعليم إلى الصحة، وقد يدفع ذلك البعض لأن يسجل ملاحظات تقول إن هذا الجيل أو ذاك "مختلف" بطريقة ما.
على سبيل المثال، يميل البعض حاليا للحديث عن قدرة جيل زد الأعلى على الاستقلال، والثورة، وتحدي السلطة، بحكم ارتباطه بمجتمع رقمي لا تمتلك المؤسسات التقليدية فيه نفس "السلطة" التي تمتلكها في الشارع، لكن أليس جيل الألفية حينما كان صغيرا هو من حرك ثورات الربيع العربي؟ ومن ثم فكثير من الأحكام التي تقال عن "جيل زد" اليوم ربما ليست لأن هذا الجيل مختلف جوهريا بقدر ما هي لأننا نراه وهو في عمر التمرد السياسي والاجتماعي الطبيعي، الذي يمتد عادة بين أواخر المراهقة ومنتصف العشرينيات، وفي لحظة تاريخية بعينها، ومع أدوات رقمية أكثر نضجا.
ما سبق يهدف لشيء واحد فقط، وهو أن نتحسس أدوات التشكك حينما نتعرض لأي نتائج تتحدث عموما عن خصائص أي جيل، لا لكي ننكرها بالكامل، بل لتحقيق أقصى استفادة منها. مثلا، في السنوات الأخيرة صار هناك عنوان متكرر يتردد في وسائل الإعلام يقول إن "جيل زد" هو الأقل ذكاء في التاريخ. جيل زد يضم تقريبا المولودين بين 1997 و2012، وهو الجيل الذي نشأ مع الإنترنت والهواتف الذكية ووسائل التواصل منذ الطفولة أو المراهقة المبكرة.
الدلائل العلمية لا تقول الأمر بتلك البساطة، لكنها تشير إلى شيء أدق يستحق التأمل، وهو أنه في عدة دول، ظهرت منذ التسعينيات وبدايات الألفية إشارات إلى تراجع نتائج اختبارات "القدرات المعرفية"، مثل اختبارات الذكاء، بالتوازي مع تدهور ملحوظ في التحصيل الدراسي، ونقصد بشكل خاص معدلات القراءة وتعلم الرياضيات والعلوم.
"بات مراهقو اليوم أضعف في القراءة التي تتطلب فهما واستنتاجا، وأقل تمكنا من رياضيات المدرسة التي تترجم إلى مهارات في حل المشكلات"
أكثر البيانات صلابة في هذا السياق تأتي من تقييمات واسعة لمؤسسات مثل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والتي تقول إن متوسط الأداء في دول المنظمة هبط في عام 2022 مقارنة بـ 2018 بنحو 10 نقاط في القراءة ونحو 15 نقطة في الرياضيات، هذا القدر من الانخفاض كبير بالمعايير المعتادة، ويعادل تأخرا بمقدار قرابة ثلاثة أرباع سنة دراسية من التعلم في بعض التقديرات التفسيرية، أي أنه ليس تذبذبا بسيطا، بل تراجع ملموس في مهارات أساسية.
وفي الولايات المتحدة، يقدم تقييم "إن إيه إي بي" (NAEP)، والمعروف باسم "بطاقة تقرير الأمة" صورة مشابهة، فنتائج طلاب الصف الثاني عشر لعام 2024 تظهر استمرار هبوط معدلات القراءة والرياضيات مقارنة بدورات سابقة، إذ كان متوسط القراءة أقل من 2019، كما تراجع المتوسط أيضا مقارنة بمستويات تاريخية أقدم. تتعامل الجهات الرسمية مع هذه النتائج بوصفها مقلقة لأنها تمثل تدهورا في مخرجات تعلم أساسية على مستوى بلد كامل، وليس مجرد تراجع في مدرسة أو ولاية بعينها.
والمعنى المبسط لهذه الأرقام هو أن قطاعا من المراهقين اليوم، في المتوسط، صار أضعف في القراءة التي تتطلب فهما واستنتاجا، وأقل تمكنا من رياضيات المدرسة التي تترجم إلى حل المشكلات، هذا لا يبرر وحده تعميم مقولة إن "الذكاء انخفض"، لكنه يمنح أساسا علميا قويا للقول إن مهارات معرفية وتعليمية محورية ومهمة جدا حقا، شهدت تراجعا واضحا.
ينقلنا ما سبق إلى "تأثير فلين"، وهو المصطلح الذي يطلق على ظاهرة رُصدت خلال القرن العشرين، يسمى كذلك نسبة إلى عالم السياسة الأمريكي النيوزيلندي جيمس آر. فلين، الذي لاحظ ارتفاع متوسط درجات اختبارات الذكاء (IQ) عبر الأجيال عندما نقارن مواليد العقود الأقدم بمواليد العقود الأحدث في الاختبار نفسه، بعد ضبط معيار الاختبار.
بدأ رصد هذه الظاهرة عبر تتبع نتائج اختبارات الذكاء لدى الشعب الأمريكي خلال العقود السابقة من القرن الماضي، ثم رصد التأثير نفسه في دول أخرى متقدمة اقتصاديا وأمكن تلخيصه في زيادة بنحو 3-5 نقاط في معدل الذكاء لكل عقد. وقد برز هذا التأثير بشكل خاص في ما يُسمى باختبارات الذكاء "السائلة"، أي الاختبارات التي تتطلب تفكيرًا تعليميًا للوصول إلى استنتاج منطقي من معلومات مجردة.
"يشير تأثير فلين إلى زيادة مرصودة في معدلات الذكاء عبر الأجيال تقدر بنحو 3-5 نقاط في كل عقد"
تم تفسير هذا الارتفاع على أنه نتيجة تحسينات بيئية واسعة على مدار عقود، مثل الحصول على تعليم أفضل، وصحة وتغذية أفضل، وظروف أحسن في العمل والحياة اليومية، لكن المهم أن هذه الظاهرة ليست قانونا دائما، فقد بدأت تظهر منذ أواخر القرن العشرين في عدة دول إشارات إلى "تسطح المنحنى" ثم انعكاسه، وهو ما يسميه البعض "انعكاس فلين".
الآن تحديدا نرجع إلى الرفيقين أولي وبيرنت، حيث إن دراستهما في عام 2018 تعد من أقوى الأعمال البحثية في هذا النطاق، لأنها اعتمدت على بيانات ضخمة من اختبارات التجنيد العسكري الإلزامي لمئات الآلاف من الرجال النرويجيين المولودين بين 1962 و1991، ما يوفر سلسلة زمنية طويلة وقياسا متكررا على عينات كبيرة. في النظام النرويجي، كانت اختبارات التجنيد تتضمن عادة جوانب مثل الحساب، والمفردات أو التشابهات اللفظية، وغيرها من المعايير، ثم تجمع في درجة تقيس "القدرات العامة".
قوة الدراسة لم تكن فقط في حجم العينة، بل في أنها كذلك استخدمت تصميما ذكيا يسمى "المقارنة داخل العائلة"، أي أن الباحثين لم يكتفوا بمقارنة مواليد جيل بمواليد جيل آخر على مستوى المجتمع كله، بل نظروا إلى الإخوة داخل العائلة الواحدة. فإذا كان الأخ الأصغر، المولود بعد سنوات من أخيه الأكبر، يظهر نفس الاتجاه العام الموجود في المجتمع كله، صعودا ثم هبوطا، فهذا يعني أن التغير لا يمكن تفسيره بسهولة بعوامل مثل أن "العائلات الأقل تعليمًا أنجبت أكثر"، أو أن "التركيب الجيني للسكان تغير"، أو أن "أنواعا معينة من الأسر أصبحت أكثر تمثيلا في الجيل الجديد". بمعنى أوضح، لو كان السبب جينيا أو ديموغرافيا بحتا، لتوقعنا أن يظهر الفرق أساسًا بين العائلات وليس داخلها.
الأهم في النتائج أن الباحثين لم يكتفيا بملاحظة صعود نتائج اختبارات الذكاء عبر عقود، ثم ثباتها، وهبوطها التالي، بل حاولوا تفسير ما يحدث، حيث وجدوا أن نمط الارتفاع حتى السبعينيات ثم الانخفاض في الأجيال الأحدث يمكن تفسيره بدرجة كبيرة بتحسن عوامل البيئة والتعليم وأسلوب الحياة بعد الحرب العالمية الثانية.
"منتصف التسعينيات كانت نقطة التحول لتأثير فلين، حيث توقف التصاعد، وبدأ التحول ناحية الثبات، ثم بدأ المنحنى في الهبوط"
في دراسة أخرى بدورية "إنتليجنس" (Intelligence) تبين أيضا أن منتصف التسعينيات كان نقطة التحول "الهبوطي"، حيث توقف التصاعد، وبدأ التحول ناحية الثبات، ومن ثم الهبوط، نفس النتائج حصلت عليها دراسات في الدنمارك على مجندين أيضا، حيث رصد الباحثون ارتفاعا في درجات اختبارات الذكاء عبر عقود، ثم لاحظوا في فترات لاحقة هبوطا مقارنة بالذروة السابقة.
إلى لحظة كتابة هذه الكلمات، نحن لا نعرف بشكل مؤكد السبب في هذا التغير، لكن "التعليم الرقمي" يحضر في الصورة. فإذا كانت درجات القراءة والرياضيات تتراجع في اختبارات واسعة النطاق، وإذا كان الأطفال والمراهقون يقضون ساعات أطول أمام الشاشات، فمن السهل أن نربط هذا بذاك. وقد جاءت شهادة عالم الأعصاب والتربية جاريد كوني هورفاث أمام لجنة التجارة والعلوم والنقل في مجلس الشيوخ الأمريكي في 15 يناير/كانون الثاني 2026، في جلسة خصصت لأثر وقت الشاشة على الأطفال، لتعزز من هذا الارتباط.
"الجيل الأصغر قضى عدد ساعات أكبر في التعليم، لكن نتائج اختباراته لم تكن أفضل من الأجيال التي سبقت بل أقل"
هورفاث قدم حجة واضحة تقول إن التوسع الكبير في استخدام الشاشات في المدارس لم يحقق قفزة تعليمية، وأن كثيرا من وعود التكنولوجيا في التعليم تم قياسها بمؤشرات سريعة مثل التفاعل والانطباع، لا بنتائج طويلة المدى على التعلم ذاته. هذا الجيل الأصغر قضى عدد ساعات أكبر في التعليم، لكن نتائج اختباراته لم تكن أفضل من الأجيال التي سبقت بل أقل، كما يقول، ومن ثم فالتساؤل عن دور الشاشات في الفصول الدراسية يظل مطروحا على طاولة النقاش.
ليس مفاجئا أن "الدور السلبي" المحتمل للشاشات تناولته دراسات أخرى ناقشت تأثير "البيئة الرقمية اليومية"، مثل فرط استخدام الهاتف، ومواقع التواصل والألعاب الإلكترونية. حيث تشير تحليلات تلوي (Meta Analysis) حديثة، تلخص عشرات الدراسات، إلى ارتباط سلبي ثابت إحصائيا بين كثافة استخدام هذه الأدوات وبين الأداء الأكاديمي. حجم الأثر ليس دراميا، لكنه يتكرر في عينات وبلدان ومقاييس مختلفة، ما يجعله جديرا بالانتباه كمؤشر عام مقلق.
يعتقد فريق من العلماء أن هذه النتائج لها تفسيرات وجيهة يرتبط معظمها بنقصان "الانتباه" كظاهرة مصاحبة للفضاء الإلكتروني، فالعالم الرقمي يسحب الانتباه لسبب بسيط، وهو أنه مصمم لذلك: إشعارات ملونة ونقرات صوتية وتطبيقات تملأ الهاتف. الاقتصاد الرقمي الحديث مبني على أن تحصل جائزة صغيرة ومتكررة لتعزيز إفراز الدوبامين (هرمون المكافأة) مع كل تمرير سريع، وإشعار، وتفاعل، وفيديو قصير، إنها ببساطة بيئات تكافئ القفز بين المثيرات.
"تميل الأدلة البحثية إلى الجزم بأن استخدام الشاشات في المساء يرتبط بتأخر النوم وضعف جودته وقصر مدته لدى الأطفال والمراهقين"
بالمثل، تميل الأدلة البحثية إلى الجزم بأن استخدام الشاشات، خصوصا مساء أو قبل النوم مباشرو، يرتبط بتأخر النوم وضعف جودته وقصر مدته لدى الأطفال والمراهقين. وهذه ليست رفاهية بيولوجية، فالنوم عنصر أساسي لترسيخ الذاكرة وتنظيم الانتباه والمزاج. لذلك، حتى لو كان أثر الشاشة على الذكاء محل جدل، فإن أثرها على النوم، ومن ثم على الاستعداد المعرفي اليومي، أكثر ثباتا ورسوخا.
ويأتي عامل ثالث ليضيف إلى المشكلة، وهي أن عالم المقاطع والمنشورات والتغريدات القصيرة جدا أثر على إمكانية أن يقرأ أبناء جيل زد مقالات طويلة، أو يشاهدوا مقاطع أو أفلاما طويلة (كالوثائقيات مثلا). هذا النوع من الاشتباك الطويل مع المعرفة ضروري لتطوير حس نقدي، فحينما تتلقى المعلومة من مقطع فيديو قصير لا تمتلك الوقت الكافي للتفاعل معها بالرفض أو الإيجاب، لكن حينما تقرأ كتابا لمدة شهر، فإن هناك فرصة "لتدوير الأمر" في دماغك.
المشكلة الأكبر هنا أن التعلم الأكاديمي، خاصة جوانب الفهم والاستدلال، يحتاج "زمن تركيز متصلا" لا "نبضات انتباه"، والتعارض بين ما يجبرنا عليه الواقع الاجتماعي الرقمي وما يتطلبه التعلم الحقيقي أوضح من أن يحتاج إلى بيان. لقد تراجعت قدرة البشر على الجلوس مع نص طويل أو مسألة ممتدة دون تشتيت، وينطبق ذلك بشكل أخص على جيل زد لأن هؤلاء نشأوا بالكامل في عالم رقمي، وليسوا جيلا "هجينا" مثل جيل الألفية. بالنسبة لهؤلاء فالاتصال بالإنترنت ليس اختيارا، بل حياة، والموسوعة التي يعرفونها هي ويكيبيديا، وليس مثلا الموسوعة البريطانية ذات المجلدات المكدسة.
وهنا لدينا أدلة علمية حقيقية أيضا، فواحدة من أشهر التحليلات التلوية (تلك التي تفحص دراسات عدة لتفحص إن كانت تحمل اتجاها عاما)، وجدت أفضلية للقراءة الورقية على الرقمية في فهم المقروء، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بنصوص أطول أو ظروف قراءة تسمح بالتشتت (الهاتف الذكي). لا يعني ذلك أن القراءة الرقمية محكوم عليها بالفشل، لكنه يعني أن وسيط القراءة ليس محايدا دائما، وأن التحول إلى نصوص قصيرة وسريعة قد يضعف تدريجيا عضلات الفهم العميق للأمور.
"وسيط القراءة ليس محايدا دائما، والتحول إلى نصوص قصيرة وسريعة يضعف تدريجيا عضلات الفهم العميق للأمور"
المشكلة الأكبر هي أن منتجات العالم الرقمي وخاصة وسائل التواصل تغذي عمدا هذا الاتجاه، فالمقاطع والمنشورات القصيرة التي تثير الدهشة والغضب والخوف والسخرية والجدل، تحابيها الخوارزميات وتنشرها أسرع من المطولات والتفسيرات الرصينة المعمقة في معظم الأحيان. ببساطة، لأن هذه المواقع صممت هيكليا لتغذية هذا النوع من المحتوى وتعزيز المشاعر المرتبطة به لأسباب تجارية صرنا ندركها جميعا الآن.
حسنا، لنعد مجددا للسؤال الأساسي. حينما نتحدث عن تعريف "الذكاء"، عادة ما ينصرف التفكير إلى واحد من 3 أمور، الأول هو درجات اختبارات الذكاء (IQ)، وهي مقاييس سيكومترية لها حدودها، والثاني هو التحصيل الدراسي في اختبارات وطنية أو دولية تتعلق تحديدا بالقراءة والرياضيات والعلوم، والثالث هو مهارات معرفية وظيفية مثل الانتباه، والذاكرة، وحل المشكلات.
الذكاء هو مزيج من ذلك كله، وهو ليس مجرد رقم، بل هو قدرة على التركيز، والقراءة والتحصيل، والبناء المنطقي، وضبط النفس، وإدارة الوقت وحل المشكلات، وإذا كان العالم الرقمي قادرا على العبث بهذه الوظائف، عبر استنزاف الانتباه والوقت ورفع الضوضاء وتشتيت الذاكرة، فإن ذلك ببساطة، وبشكل عملي تماما، يعني أن الذكاء ينخفض، ويمكنه أن يفسر ما وصلت إليه الأبحاث إلى الآن، عندما تشير بشكل خاص إلى الجيل زد.
"خصوصية الجيل زد أن الفترة الأهم للتحصيل المعرفي في عمره تزامنت مع ثورة العالم الرقمي"
لكن ذلك لا يعني أن الأجيال الأخرى بمنأى عن تلك المشكلة فالجميع واقع فيها، لكن خصوصية الجيل زد أن الفترة الأهم للتحصيل المعرفي في عمره تزامنت مع ثورة العالم الرقمي. يعد فهم ذلك مهما لتجنب تلك الحرب المصطنعة حول الأفضلية بين الأجيال، فكما أسلفنا لا يوجد تفسير "جيني" يجعل جيلا بعينه متفوقا أو متأخرا عن أسلافه بفارق كبير، لذا فإن أي تغييرات جوهرية تشير بأصابع الاتهام إلى البيئة المتغيرة على الأرجح.
وإذا كان الهدف من حديثنا هو تحسين القدرات، فالمسار العملي الذي تقترحه الأدلة البحثية يبدأ من إعادة الانتباه لأساسيات التعلم العميق، أي إعادة الاعتبار للقراءة الطويلة اليومية، والكتابة التي تتطلب شرحا وحججا وأمثلة بدل الاعتماد المفرط على أسئلة الاختيار من متعدد وحدها. هذا النوع من التدريب يبني فهما واستدلالا، ويعيد للدماغ اعتياده على الانتباه المتصل بدل التدفقات المتقطعة.
أما على مستوى المدرسة والبيت، فالمطلوب ليس حربا على التكنولوجيا، بل ترشيدا ذكيا، عبر تقليل الشاشات داخل الصف لصالح الورق والنقاش والتجارب، مع استخدام رقمي محدد الهدف (تدريب مهارة بعينها أو محاكاة علمية أو تقييم تكويني) لا رقمنة شاملة لكل شيء.
وفي المنزل، تشير الدراسات إلى حاجة لضبط بيئة الهاتف للمراهقين، خصوصا ليلا، لأن النوم والانتباه هما البنية التحتية للذاكرة والتعلم. مهام بسيطة مثل ترك الهاتف خارج غرفة النوم، وتقليل الإشعارات، وإبعاد الهاتف أثناء الطعام أو ممارسة الرياضة أو الجلسة اليومية مع الأهل، وتحديد ساعات ثابتة للنوم، غالبا تصنع فرقا أكبر مما نتخيل في القدرة على التركيز والتحصيل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة