آخر الأخبار

بيتر ماغيار.. خليفة أوربان الذي أغضب فوزه ترمب ونتنياهو

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في نهاية ثمانينات وبداية تسعينات القرن الماضي، بدأ اسم فيكتور أوربان في الظهور واللمعان، وأخذ السياسي الشاب يصعد في عالم السياسة المجرية، بعد أن اشتهر بـ"ثوريته" في مواجهة النظام الشيوعي الحاكم، الذي كان قاب قوسين أو أدنى من السقوط في تلك الفترة، بالتزامن مع سقوط الاتحاد السوفياتي. في الوقت نفسه تقريبا، وفي غرفة نوم بأحد البيوت في العاصمة بودابست، كان بيتر ماغيار، الذي لم يتجاوز بعد العاشرة من عمره، يعلق ملصقا على الجدار للنجم الصاعد آنذاك فيكتور أوربان. وحين كبر ماغيار ودخل الجامعة، لم يجد أفضل من حزب أوربان، "حزب فيدس"، معبرا عن طموحه وتوجهاته لينضم إليه.

لم يكن الطفل الصغير ليتخيل أن نجمه السياسي المفضل سيحكم المجر 16 عاما متتالية (20 عاما بالإجمال)، ويصبح رمزا لأقصى اليمين في العالم، وأن التغييرات التي أجراها داخل نظام الحكم في المجر ستصبح درسا تتعلم منه كل الأحزاب اليمينية في أوروبا وخارجها، وأنها ستقلد مناهجه وتكتيكاته. ما لم يكن ماغيار يتوقعه أيضا هو أنه سيكون الشخص الذي ينهي مسيرة حكم بطل طفولته، التي لم يتصور أحد أن تنتهي بخسارة فادحة على هذا النحو وبتلك السهولة.

"لم يتوقع بيتر ماغيار أن يكون الشخص الذي ينهي مسيرة بطل طفولته في الحكم، بضربة حاسمة، وبهذا القدر من السهولة"

على مدار عقدين من الحكم، تخللتها فترة غياب لـ8 سنوات، استطاع أوربان أن يحكم قبضته على الإعلام والقضاء في المجر، وأن ينسج نموذجا لدولة ديمقراطية شكلا لكنها أبعد ما تكون عن الديمقراطية من حيث المضمون؛ قبل أن يتمكن بيتر ماغيار أخيرا من تحطيم الأسطورة. فقد حقق حزبه "تيسا" (Tisza) في الانتخابات الأخيرة أغلبية الثلثين في البرلمان، وحصل الحزب على 138 من أصل 199 مقعدا في انتخابات شهدت إقبالا تاريخيا، وشارك فيها حوالي 80% من المواطنين المجريين المؤهلين للتصويت، كاتبا بذلك نهاية حكم لم يتوقع أحد نهايته في القريب العاجل، وضاربا جرس إنذار للأحزاب اليمينية الأكثر تشددا في الغرب، التي كانت ترى في أوربان وتجربته رمزا يجب اتباعه ورقما صعبا يصعب تجاوزه أو هزيمته.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 الدين والسياسة في أمريكا.. ماذا لو كان الرئيس مسلما؟
* list 2 of 2 لعبة قاليباف في إسلام آباد.. لماذا ترفض إيران الاتفاق الأمريكي؟ end of list

فضيحة وانقلاب.. ماغيار يواجه نجم طفولته

ولد بيتر ماغيار، الذي يعني اسمه الأخير "المجري"، في العاصمة بودابست في مارس/آذار 1981 لعائلة مرموقة، وقد عمل والداه بالمحاماة، وكان جده لأمه قاضيا رفيع المستوى، وهو يرتبط بقرابة عائلية مع فيرينس مادل، رئيس المجر بين عامي 2000-2005. وقد تلقى ماغيار تعليمه في مدرسة ثانوية كاثوليكية مرموقة، ودرس بعد ذلك القانون في جامعة بازماني بيتر الكاثوليكية بالقرب من بودابست، حين كان نجمه السياسي المفضل أوربان قد أصبح رئيسا للوزراء لأول مرة بين عامي 1998-2002.

"كان ماغيار جزءا من النخبة الحاكمة المحيطة بأوربان حتى حصل التحول الكبير في مسيرته في مطلع عام 2024"

اهتم ماغيار بالسياسة منذ سن صغيرة، فانضم إلى حزب "فيدس" أثناء دراسته الجامعية. وفي عام 2010، عندما عاد حزب فيدس إلى السلطة وتولى أوربان رئاسة الوزراء مجددا، بعد أن فشل في الحصول على الأغلبية في انتخابات عام 2002، عين ماغيار مسؤولا في وزارة الخارجية. وفي عام 2011، أصبح ماغيار عضوا في الممثلية الدائمة للمجر لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل. وبعد انتهاء مدة عمله في بروكسل عاد ماغيار إلى بلاده عام 2018 ليصبح عضوا في مجلس إدارة شركة حكومية لإدارة وصيانة الطرق، ثم رئيسا لمؤسسة قروض الطلاب التابعة لحكومة أوربان.

مصدر الصورة ماغيار في مقابلة تلفزيونية في فبراير/شباط 2024 ندد خلالها بالثروة الهائلة التي تراكمت لدى النخبة الحاكمة في المجر (الفرنسية)

كان ماغيار إذن جزءا من الطبقة الحاكمة المحيطة بأوربان حتى حصل التحول الكبير في مسيرته في فبراير/شباط 2024. ففي هذا الوقت كشف النقاب عن فضيحة هزت الرأي العام المجري، بعد تسريب معلومات حول قيام الرئيسة السابقة للمجر كاتالين نوفاك بإصدار عفو عن رجل أدين بالتستر على قضية اعتداء جنسي في دار للأيتام، وكانت الفضيحة كبيرة نظرا لتناقض محتواها جذريا مع موقف حزب "فيدس" الذي كان يقول إنه يحمي القيم المسيحية وقيم الأسرة ويرفع راية "المحافظة الاجتماعية".

إعلان

استقالت نوفاك سريعا على إثر الفضيحة. لكن تلك اللحظة شهدت بزوع نجم ماغيار بوصفه رجل النخبة الذي انشق عن النظام وأدان الفضيحة، وأدان معها حزب "فيدس" والطبقة الحاكمة بأسرها، وقد حصد ماغيار شعبية هائلة نتيجة موقفه هذا، وسرعان ما استطاع أن يجذب حشودا هائلة لخطابه، الذي داعب الجماهير المتعطشة إلى بديل حقيقي لحزب "فيدس".

مصدر الصورة بيتر ماغيار (وسط) في مظاهرة عام 2024 بعد نشر تسجيل صوتي حول تورط مسؤولين حكوميين في قضية فساد بارزة (الفرنسية)

الطريق إلى هزيمة أوربان

اعتمد أوربان لسنوات طويلة على استغلال المشاعر القومية والمحافظة للمتخوفين من ضياع القيم التقليدية والدينية، ومن سيادة قيم العولمة والأفكار المناصرة للفرد على حساب الأسرة، ومن ثم كان من السهل عليه أن يتغلب على منافسيه "التقدميين" عن طريق التخويف من رؤاهم الفردانية والمعارضة لقيم الأسرة. ولكن ماغيار مثل تحديا جديدا من نوعه، فهو الآخر محافظ اجتماعيا، وكان ينتمي لحزب "فيدس" نفسه، ولذا لم يكن أوربان قادرا على مهاجمته على أسس أيديولوجية بسهولة كما كان يفعل مع اليساريين و"التقدميين".

لقد نقل ماغيار الصراع من المحور الثقافي إلى المحور الاجتماعي الاقتصادي، فقد بات يركز في خطابه على الفساد المستشري في البلاد، وهو أمر مثل واحدا من أهم دوافع المواطنين لإسقاط أوربان. وبحسب تعبير عالم الاجتماع المجري بالينت ماغيار، أضحت المجر في عهد أوربان "دولة مافيا"، حيث حولت أموال الاتحاد الأوروبي إلى الموالين للنظام، لدرجة أن البلاد صنفت كأكثر دول الاتحاد الأوروبي فسادا لأربع سنوات متتالية (2022 – 2025).

"نقل ماغيار الصراع من المحور الثقافي إلى المحور الاجتماعي الاقتصادي، مركزا في خطابه على الفساد المستشري في البلاد"

بجانب الفساد، عاني الاقتصاد المجري من مؤشرات أداء متدنية للغاية حيث لم ينمُ العام الماضي إلا بمعدل 0.4%، وإجمالا واجهت المجر ثلاث سنوات من النمو الاقتصادي شبه المعدوم، وسجلت أعلى معدل تضخم في الاتحاد الأوروبي عام 2023، وما زالت من بين أعلى المعدلات. وبحسب صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية فإن المجر تحتل المرتبة الأخيرة في الاتحاد الأوروبي من ناحية ثروة الأسر، ولديها أسوأ معدل وفيات بالسرطان في الاتحاد الأوروبي كله، كما أنها تعاني من نقص حاد في الأطباء.

وتصف صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية الوضع في المجر في عهد أوربان قائلة إن مبادراته السياسية الداعمة للأسرة المجرية ذاتها، والتي حظيت بإشادة واسعة من المحافظين اجتماعيا، فشلت في عكس تراجع عدد سكان المجر، إذ ظل الشباب المجري الموهوب يهاجر من البلاد بحثا عن الفرص في أوروبا الغربية، كما عانى الاقتصاد ركودا، وصار المجريون الذين كانوا من قبل بين أغنى سكان دول حلف وارسو سابقا، أفقر الآن من رومانيا. ومن ثم لم تنجح سياسات أوربان المتلاعبة بالدوائر الانتخابية ولا سيطرته على الإعلام في التغلب على الاستياء المتصاعد في صفوف الشعب المجري.

مصدر الصورة ماغيار بنى قاعدة دعم شعبية كبرى نتيجة جولاته المكثفة في البلدات والقرى الصغيرة التي يهيمن عليها حزب "فيدس" (الفرنسية)

يعد ماغيار محافظا من الناحية الاجتماعية مثله مثل أوربان، فأفقده بذلك ورقة لعبه الأهم، وركز بدلا من ذلك على قضايا الاقتصاد والفساد. ولكن في الوقت نفسه يشارك ماغيار أوربان معارضته الشرسة لحصص الاتحاد الأوروبي للمهاجرين وأكد أنه يرغب في تقليل الهجرة إلى المجر أكثر حتى مما كان عليه الحال في عهد أوربان. ويشارك ماغيار أوربان الإيمان بالقيم المسيحية التقليدية، ومن ثم فقد كان قادرا على الوصول لقاعدة حزب "فيدس" الريفية وإقناعهم بخطابه حول الفساد الاقتصادي، والبنية التحتية المتهالكة في البلاد، ونقص السلع الأساسية، وتردي حال المستشفيات والسكك الحديدية، وإقناعهم بوعوده التي ركزت على الإنعاش الاقتصادي وتحسين الرعاية الصحية وخفض تكاليف المعيشة.

إعلان

وبحسب "واشنطن بوست" فإن ماغيار بنى قاعدة دعم شعبية كبرى نتيجة جولاته المكثفة في مختلف أنحاء المجر، وحتى في البلدات والقرى الصغيرة التي يهيمن عليها حزب "فيدس"، إذ كان يلقي ما يصل إلى سبعة خطابات يومية. وفي العام الماضي، كان ماغيار قد قطع مسافة نحو 300 كيلومتر سيرا على الأقدام من بودابست إلى الحدود الرومانية سعيا لكسب أصوات ناخبي حزب "فيدس"، كما أنه أجاد بشدة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للوصول للناس وتوسيع قاعدته الشعبية.

"في العام الماضي قطع ماغيار مسافة 300 كيلومتر سيرا على الأقدام من بودابست إلى الحدود الرومانية سعيا لكسب أصوات الناخبين"

وقد لعبت الأموال الأوروبية أيضا دورا كبيرا في فوز ماغيار، فمنذ عام 2022 كان الاتحاد الأوروبي قد جمد مليارات الدولارات من التمويل المخصص للمجر، وذلك بسبب انتهاك أوربان للقيم الديمقراطية الأساسية وفق تعريف الاتحاد لها، وهو أمر جعل الناس يزدادون غضبا تجاه أوربان. وقد كان من أهم عوامل فوز ماغيار تعهده بالابتعاد عن سياسة أوربان المشككة في الاتحاد الأوروبي، والنأي بالمجر عن روسيا.

ماغيار ومستقبل المجر

ترك أوربان إرثا معقدا في المجر، إذ حولها إلى ما يسميه الكثيرون دولة "ديمقراطية غير ليبرالية"، فقد أعاد رسم ملامح البلاد على نحو خاص، ليس دكتاتوريا محضا، لكنه يصب في مصلحة استمرار نظامه. فقد اعتمد أوربان على الأغلبية البرلمانية التي يمتلكها في تمرير مئات القوانين ذات الأثر العميق في النظام السياسي المجري، كما ألغى مجلس القضاء الوطني المنوط بالإشراف على السلطة القضائية، وقلص سلطة المحكمة الدستورية، وألغى سلطتها الخاصة بمراجعة الميزانية، وجعل البرلمان هو من يعين قضاتها بأغلبية الثلثين. وألغى أوربان أيضا سن التقاعد الخاص بالقضاة المعينين في المحكمة الدستورية، ومدد ولايتهم من 11 إلى 15 عاما، وقام بإقالة 274 قاضيا، فاستطاع بذلك السيطرة على السلطة القضائية.

على صعيد السلطة التنفيذية، وزع أوربان مناصب كان يعهد بها للتكنوقراط من قبل، مثل وظائف المالية ورئاسة الدولة والمناصب العليا في المؤسسات الثقافية والجامعات، ومنحها للموالين لنظامه. أما على صعيد الإعلام فقد عمل أوربان وحزبه على السيطرة على أغلب وسائل الإعلام الهامة، وحول معظمها إلى أبواق للحكومة، وأنشأ هيئة تنظيمية لمراقبة الإعلام، وعين أنصاره في تلك الهيئة.

"سيطر أوربان على وسائل الإعلام، وحول أغلبها إلى أبواق للحكومة، وأنشأ هيئة تنظيمية لمراقبة الإعلام، وعين أنصاره في تلك الهيئة"

وينتظر الآن قطاع عريض من الجماهير المجرية من ماغيار أن يبدل هذا الإرث، ويقضي على ملامح دولة أوربان المناهضة لليبرالية ولفكرة الفصل بين السلطات، وهو ما يستطيع ماغيار فعله بعد أن حصل على أغلبية ساحقة، مما يمكنه من إلغاء القوانين التي مررها أوربان وحزبه، والتي دشنت سابقا ملامح الديمقراطية غير الليبرالية، وألهمت قطاعات واسعة من اليمين الغربي.

وعد ماغيار المجريين بأن تكون حكومته سريعة في تطبيق إجراءات مكافحة الفساد، واستعادة استقلال القضاء، وضمان حرية الإعلام، ووقف الدعاية الممولة من الدولة، وتعليق بث الأخبار من التلفزيون والإذاعة العامة الخاضعة لسيطرة الدولة إلى حين ضمان نزاهة التغطية من قبل مجالس إشراف جديدة.

هذا بالإضافة إلى وعوده باستعادة سيادة القانون والديمقراطية التعددية ونظام التوازن بين السلطات، وإنشاء مكتب وطني لاسترداد الأصول، والهدف منه محاسبة من اعتبرهم ماغيار "المجرمين السياسيين والاقتصاديين الذين سرقوا البلاد". وقد أكد ماغيار أيضا أن المجر ستنضم لمكتب المدعي العام الأوروبي، مما يمنح محققي الاتحاد صلاحيات التحقيق والفحص في كيفية استخدام أموال الاتحاد في عهد أوربان.

"تعهد ماغيار بتعديل الدستور لينص على عدم جواز أن يشغل شخص منصب رئيس الوزراء أكثر من فترتين، على أن تطبق تلك المادة بأثر رجعي، بهدف منع أوربان من العودة للسلطة"

من جهة أخرى، تعهد ماغيار بتعديل الدستور بحيث ينص على أنه لا يجوز لأي شخص أن يشغل منصب رئيس الوزراء أكثر من فترتين، على أن تطبق تلك المادة بأثر رجعي، كي تشمل أوربان وتمنعه من الترشح مرة أخرى. ودعا ماغيار رئيسي أعلى محكمتين في البلاد، ورئيس مكتب التدقيق الحكومي (أعلى هيئة رقابة مالية في البلاد)، ورؤساء هيئات المنافسة والإعلام، والمدعي العام، ورئيس المجر، إلى الاستقالة، واصفا إياهم بـ"الدمى"، في محاولة منه لتفكيك دولة أوربان.

إعلان

ويمكن القول إن التغيير الأهم الذي ينتظره المجريون في عهد ماغيار هو الإصلاحات الدستورية والقانونية المتعلقة بسيادة القانون التي يطلبها الأوروبيون، والتي تمهد للإفراج عن 17 مليار يورو (نحو 18.5 مليار دولار) من أموال الاتحاد الأوروبي المجمدة. وبحسب وكالة رويترز فإن أموال الاتحاد الأوروبي تلك تمثل نحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي للمجر، مما يضيف حوالي 1-1.5 نقطة مئوية إلى النمو إذا وصلت تلك الأموال للمجر. وجدير بالذكر أن الفورنت (عملة المجر) قد واصل مكاسبه بعد فوز ماغيار مسجلا أعلى مستوى له أمام اليورو في 3 سنوات، وذلك نتيجة تفاؤل المستثمرين بانتعاش الاقتصاد بعد هزيمة أوربان، وتوجه ماغيار للتصالح مع أوروبا وتحرير تمويل الاتحاد الأوروبي المجمد.

من أوروبا إلى إسرائيل: كيف يؤثر فوز ماغيار؟

كانت الانتخابات المجرية محط أنظار قوى عديدة حول العالم لأسباب مختلفة، ففي أوروبا نُظر إلى "مجر أوربان" عادة بوصفها سدا منيعا أمام تمرير العديد من السياسات الأوروبية وأمام تطبيق التكامل الأوروبي بشكل عام. وفي الولايات المتحدة كان الحزب الجمهوري والرئيس دونالد ترمب ينظرون على نطاق واسع إلى أوربان باعتباره مرجعا في كيفية القضاء على الدولة العميقة وجعل المؤسسات طيعة في يد الحزب الحاكم، ومن ثم كانت ردود الفعل مختلفة في شتى أنحاء العالم تجاه فوز ماغيار.

بعد النتيجة، سرعان ما تلقى ماغيار مكالمات هاتفية من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والأمين العام لحلف الناتو مارك روته، والمستشار الألماني فرديريش ميرز، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين، فيما احتفل رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بانتصار ماغيار قائلا: "اليوم تنتصر أوروبا والقيم الأوروبية"، وهي نبرة احتفالية شاركها أيضا رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك إذ كتب: "المجر، وبولندا، وأوروبا معا من جديد. نصر مجيد أيها الأصدقاء الأعزاء"، في حين قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إن هذه لحظة تاريخية ليس للمجر وحدها، بل للديمقراطية الأوروبية كلها.

"في حين كانت العديد من المؤسسات الأوروبية تحتفل بهزيمة أوربان، لم يصدر عن البيت الأبيض الذي أيد أوربان بشدة أي ردة فعل"

وفي حين كانت العديد من المؤسسات الأوروبية تحتفل بهزيمة أوربان، لم يصدر عن البيت الأبيض الذي أيد أوربان بشدة أي ردة فعل، علما بأن تأييد الإدارة الأمريكية لأوربان وصل إلى حد أن نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس قام بجولة دعم انتخابي لصالح أوربان في بودابست، واتهم حينها الاتحاد الأوروبي بالتدخل في ديمقراطية المجر.

من جهتها، كانت قوى أقصى اليمين في أوروبا هي الأكثر أسفا على هزيمة أوربان، فقد اعتبرت كتلة "الوطنيون من أجل أوروبا" في البرلمان الأوروبي، التي يندرج تحتها حزب "فيدس" وأحزاب يمينية أخرى مثل التجمع الوطني الفرنسي، والحرية الهولندي، وحزب الرابطة الإيطالي، أن النتيجة بمثابة انتكاسة لما أسموه بالقوى الساعية لحق تقرير المصير الديمقراطي والقيم الأوروبية التقليدية داخل الاتحاد الأوروبي.

في الواقع تمثل هزيمة أوربان وانتصار ماغيار تغييرا هاما بالنسبة للسياسة الأوروبية، فهي تفتح الباب أمام دعم أوروبي أكبر لأوكرانيا، إذ كان أوربان دائما ما يقف حجر عثرة أمامه، مثلما حدث حين عرقل مؤخرا قرضا بقيمة 90 مليار يورو (نحو 98 مليار دولار) لأوكرانيا، في حين وعد ماغيار صراحة في حملته الانتخابية بالإفراج عن هذا القرض لتمويل جهود أوكرانيا الدفاعية.

ويعتبر فوز ماغيار دفعة قوية للتكامل الأوروبي، وتقويضا لواحدة من أهم أوراق روسيا داخل منظومة الاتحاد الأوروبي، إذ كانت المجر في عهد أوربان هي من تعارض العقوبات على روسيا وتتحفظ على دعم أوكرانيا، ومن ثم قد يؤدي فوز ماغيار، الذي وعد بإنهاء النفوذ الروسي في بلاده، إلى فرض أوروبا حزمة عقوبات جديدة على روسيا، وهي عقوبات كان أوربان قد استخدم حق النقض ضدها سابقا.

"بسقوط أوربان، فقدت إسرائيل واحدا من أهم داعميها في أوروبا"

يبدو إذن أن روسيا الخاسر الأكبر من هزيمة أوربان وانتصار ماغيار على المستوى الدولي، لكن توجد دولة بعيدة جغرافيا عن أوروبا منيت بالخسارة أيضا، وهي إسرائيل، التي دعمت أوربان بشدة في الانتخابات الأخيرة. فقد توطدت العلاقة بين أوربان ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو على مدار 15 عاما، ووصلت في عهد أوربان إلى حد أن المحكمة الجنائية الدولية حين أصدرت مذكرات توقيف بحق نتنياهو بسبب حربه الإبادية على قطاع غزة، أعلنت المجر انسحابها من عضوية المحكمة، ومن ثم أصبحت المجر واحدة من الوجهات العالمية القليلة التي يستطيع نتنياهو زيارتها دون التعرض لخطر الاعتقال. وكذلك بذل أوربان الكثير من الجهد لعرقلة إصدار الاتحاد الأوروبي أي إدانات لدولة الاحتلال الإسرائيلي أو اتخاذ إجراءات عقابية ضدها، إذ تتطلب تلك الإجراءات إجماعا كان أوربان يخرقه دوما لصالح تل أبيب.

إعلان

باختصار، فقدت إسرائيل داعما قويا ومهما لها داخل الاتحاد الأوروبي، وجاء ماغيار الذي أعلن عن تبنيه لسياسة مختلفة، فقد تعهد بإعادة المجر إلى المحكمة الجنائية الدولية، كما أكد أن حكومته ستسعى إلى إقامة علاقات "براغماتية" مع تل أبيب وستدرس بعناية كل قرار للاتحاد الأوروبي المتعلقة لها، وهذا يعني ببساطة أن حكومته لن تتبع نهج "الانحياز الأعمى" لإسرائيل؛ الذي استفادت منه الدولة العبرية بشدة، خاصة خلال العامين الأخيرين.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا