في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
دمشق- بعد سيطرة الجيش السوري خلال الأيام الماضية على مدينتي الرقة و دير الزور، دخلت مناطق شمال شرقي البلاد مرحلة جديدة من إعادة تشكيل النفوذ، لم تعد فيها التحولات الميدانية منفصلة عن المسارات السياسية. فالتقدم العسكري عكس تحوّلا في مقاربة الدولة لملف هذه المناطق، بعد فترة من التعويل على التفاهمات والاتفاقات.
وجاء هذا التحول في سياق تعثر تنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار بين دمشق و قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وسط اتهامات متبادلة بالمماطلة وعدم الالتزام. وتشير تقارير سياسية وإعلامية إلى أن ذلك كان نتاج خلاف وانقسامات داخل "قسد"، حيث برزت أجنحة تملك تأثيرا فعليا في القرار، وترتبط بأجندات خارجية، عملت على تعطيل مسار الاتفاق ودفع المشهد نحو مزيد من التوتر.
في ظل هذه المعطيات، يطفو على السطح سؤال جوهري، من يملك القرار الفعلي في صفوفها؟ وهل القرار مركزي بيد قيادة معلنة؟ أم أنه موزع بين مراكز قوة متعددة، تتحكم في مساره حسابات داخلية وخارجية، خاصة مع تصاعد أهمية الحسكة في الحسابات السياسية والعسكرية، وتحوّل الموقف الأمريكي من شراكة ميدانية مفتوحة إلى مقاربة أكثر حذرا وبراغماتية؟
تكشف بنية قوات سوريا الديمقراطية أن القرار الفعلي لا يُصاغ داخل أطرها المعلنة، بل يتجاوزها إلى وحدات حماية الشعب، التي تُعد المكون العسكري الأكثر نفوذا داخل "قسد"، والمرتبطة تنظيميا وفكريا ب حزب العمال الكردستاني.
ويمتد هذا الارتباط إلى الفضاء الرمزي والمؤسسي، حيث تحضر صور عبد الله أوجلان زعيم الحزب في مقرات ومؤسسات الإدارة الذاتية، وتُدرَّس أفكاره ضمن المناهج التعليمية، بما يعكس هيمنة أيديولوجية تتجاوز الادعاء بالاستقلال المحلي.
وأعادت الأحداث الأخيرة في حيي الأشرفية والشيخ مقصود بمدينة حلب تسليط الضوء على هذه الحقيقة، إذ أظهرت أن قرار التصعيد لم يكن نتاج حسابات محلية، بل جاء استجابة لتوجيهات خارجية، ما عزز فرضية أن حزب العمال الكردستاني هو صاحب الكلمة النهائية داخل منظومة "قسد".
وأكد مصدر استخباراتي لصحيفة "الثورة السورية" أن عناصر من الحزب، بالتعاون مع "قسد"، يقفون خلف قصف مدينة حلب باستخدام مسيّرات إيرانية الصنع. كما شمل نشاط الحزب استثمار فلول النظام المخلوع، عبر تزويدهم بعبوات ناسفة وأدوات تفخيخ استُخدمت في استهداف مواقع مدنية وعسكرية داخل سوريا.
من جهته، قال المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية التركي، عمر تشيليك، إن التطورات الأخيرة في حلب شهدت تدخلا مباشرا من جبال قنديل في محاولة لجرّ الأوضاع نحو صدام أوسع، مشددا على أن ما يجري لا يمكن توصيفه كصراع عربي- كردي. وأضاف أن أمن الأكراد في سوريا بات "مهددا نتيجة هجمات نفذها تنظيم "قسد" بعد تلقيه تشجيعا من جهات معينة".
رغم حضوره الإعلامي وتقديمه بوصفه القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، تكشف الوقائع السياسية والميدانية أن مظلوم عبدي لا يمتلك القرار النهائي داخلها، بل يتحرك ضمن هامش ضيق تفرضه عليه البنية التنظيمية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، حيث تُحسم الخيارات الإستراتيجية خارج سوريا، وتحديدا في قنديل.
وبرز هذا الواقع بوضوح منذ توقيع عبدي اتفاق 10 مارس/آذار مع الرئيس السوري أحمد الشرع، إذ لم يُحرز الاتفاق أي تقدم يُذكر رغم مرور نحو عام على توقيعه في ظل "مماطلة متكررة من جانب "قسد"، وتمسكها بمطلب اللامركزية السياسية، الذي تعتبره دمشق خطا أحمر لأسباب سيادية ووطنية داخلية، وترفض إدراجه ضمن أي تسوية مستقبلية.
وتعمّق هذا المشهد خلال الأيام القليلة الماضية عقب بدء الجيش السوري عملية عسكرية باتجاه دير حافر ومسكنة، وما تبعها من تحرير محافظتي الرقة ودير الزور على الضفة الشرقية لنهر الفرات.
ففي 18 يناير/كانون الثاني الجاري، أعلنت الرئاسة السورية توقيع اتفاق جديد مع "قسد" برعاية المبعوث الأمريكي توم برّاك، تضمّن بنودا جوهرية، أبرزها انضمام ما تبقى من هذه القوات كأفراد إلى مؤسسات الدولة، ودخول مؤسسات الحكومة إلى المناطق التي ما زالت "قسد" تسيطر عليها في الحسكة وعين العرب وغيرهما.
هذا الاتفاق وقّع عليه مظلوم عبدي عن بُعد، وسط تبرير رسمي بعدم حضوره بسبب سوء الأحوال الجوية. غير أن ما جرى لاحقا كشف هشاشة هذا التوقيع؛ إذ أفادت الإخبارية السورية، نقلا عن مصادر خاصة، مساء الاثنين الماضي، أن الاجتماع الذي عُقد في دمشق بين الشرع وعبدي لم يُفضِ إلى تثبيت بنود الاتفاق.
ويرى الباحث أنس الشواخ أن دور عبدي "محدود جدا"، موضحا أن تنظيم حزب العمال الكردستاني لا يمنح هذه المساحة للأفراد، وأن التعليمات والقرارات تصدر من قيادته في جبال قنديل، ما يجعل هامش المناورة لدى عبدي ضيقا للغاية.
ويستدل على ذلك بالإشكالية التي رافقت توقيع الاتفاق الأخير، إذ رغم موافقة عبدي التي أعلنها لبراك، والتي يُعتقد أنه أقرّها خلال لقاءات في أربيل مع مسعود البارزاني وممثلين عن قوى كردية، فإنه لم يتمكن من الالتزام بها، وتجنب حضور مراسم التوقيع، التي جرت من جانب واحد بحضور الرئيس الشرع فقط.
وأضاف الشواخ للجزيرة نت أن ضعف دور عبدي يفسر الواقع الحالي المتمثل بتفكك "قسد"، وعودة حزب العمال الكردستاني إلى الواجهة بشكل صريح، من خلال تهديد قوات التحالف والجيش السوري، والتلويح بخيارات خطيرة كالحرب الإثنية (الأهلية) وملف محتجزي تنظيم الدولة الإسلامية.
من جهته، يقدّم الباحث السياسي التركي محمد أمين جنكيز مثالا عمليا على محدودية دور عبدي والواجهة القيادية لـ"قسد"، من خلال ما جرى في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب.
وبحسب جنكيز، أكدت مصادر تركية رسمية أن عبدي، إلى جانب رئيسة دائرة العلاقات الخارجية إلهام أحمد، أبديا استعدادا للانسحاب من الحيين والانفتاح على اتفاق مع الحكومة السورية، إلا أن توجيهات مباشرة من قيادة قنديل دفعت قوات "الأسايش" إلى خيار المواجهة العسكرية، في تجاهل تام لما أبدته القيادة المعلنة من مرونة سياسية.
تُمثّل محافظة الحسكة اليوم آخر معاقل قوات سوريا الديمقراطية وأكثرها حساسية في الحسابات الكردية، ليس فقط بوصفها مساحة جغرافية، بل باعتبارها مركز ثقلها السياسي والعسكري والإداري ولما يُعرف بالإدارة الذاتية.
وأوضح الباحث المختص بشؤون "قسد" عامر المثقال أن الحسكة تُعد الركيزة الأهم في الحسابات الكردية شمال شرق سوريا، نظرا لاحتضانها الكتلة السكانية الكردية الأكبر، وكونها مقر القرار الفعلي سياسيا وأمنيا وإداريا.
وأشار للجزيرة نت إلى أن هذا العامل يفسّر غياب أي مقاومة تُذكر من جانب "قسد" عقب تقدم الحكومة في دير حافر ومسكنة وشرق حلب، ثم في الرقة ودير الزور، حيث يضعف أو ينعدم الوجود الكردي في كثير من المناطق، على خلاف الحسكة التي تختلف فيها المعادلة الديمغرافية بشكل جذري.
وتحدث عن عامل الحدود مع شمال العراق التي توفر لـ"قسد" شريان إمداد حيويا وممرا مفتوحا إلى الخارج، ما يمنحها قدرة أكبر على المناورة السياسية والعسكرية مقارنة ببقية مناطق نفوذها السابقة.
ويرى المثقال أن دمشق تتجه بالفعل نحو بسط سيطرتها على الحسكة، لكن ليس بالضرورة عبر خيار عسكري مباشر، بل من خلال المزاوجة بين أدوات القوة الناعمة والضغط العسكري المحسوب، وأكد أن الحكومة قد لا تتعجل دخول شمال الحسكة بالقوة، ما لم تفشل التفاهمات السياسية والوساطات التي تنشط فيها الولايات المتحدة بشكل رئيسي خلال المرحلة الحالية.
وأفصحت الرئاسة السورية عن توصلها إلى تفاهم مشترك جديد مع "قسد" بشأن عدد من القضايا المرتبطة بمستقبل هذه المحافظة وآليات الدمج العسكري.
وأوضحت الرئاسة، في بيان نشرته وكالة سانا أمس الأول الثلاثاء، أنه جرى الاتفاق على منح "قسد" مهلة 4 أيام للتشاور الداخلي، بهدف إعداد خطة تفصيلية لآلية دمج المناطق عمليا.
وبحسب البيان، فإنه في حال التوصل إلى اتفاق نهائي، لن تدخل القوات السورية مراكز مدينتي الحسكة و القامشلي، وستبقى على أطرافهما، على أن تُناقش لاحقا الجداول الزمنية والتفاصيل الخاصة بعملية الدمج السلمي للمحافظة، بما في ذلك مدينة القامشلي.
كما تم التأكيد على أن القوات العسكرية السورية لن تدخل القرى ذات الغالبية الكردية، وألا توجد أي قوات مسلحة فيها، باستثناء قوات أمن محلية من أبناء المنطقة، وفقا لما نص عليه الاتفاق.
وشكّلت واشنطن على مدى سنوات الداعم الدولي الأبرز لـ"قسد،" في إطار شراكة قامت أساسا على محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، إلا أن التقدم السريع الذي حققه الجيش السوري في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرتها، أعاد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل هذه العلاقة وحدود استمرارها.
وقال المبعوث الأميركي توم براك، مساء الثلاثاء الماضي، في تصريحات صحفية، إن "أعظم فرصة متاحة حاليا للأكراد تأتي في ظل الحكومة الحالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع".
واعتبر أن هذه اللحظة "تفتح مسارا حقيقيا أمامهم للاندماج الكامل ضمن دولة سورية موحدة". وأضاف أن "الوضع الراهن يغيّر مبررات الشراكة بين الولايات المتحدة وقسد"، في إشارة واضحة إلى أن الأسس التي قامت عليها العلاقة لم تعد قائمة.
وحول ملف مكافحة تنظيم الدولة الذي شكّل حجر الأساس في التحالف بينهما، أكد برّاك أن "الغرض الأصلي لقسد كقوة رئيسية لمكافحة التنظيم قد انتهى"، لافتا إلى أن دمشق باتت اليوم "مستعدة ومؤهلة لتولي المسؤوليات الأمنية، بما في ذلك السيطرة على مراكز احتجاز عناصر التنظيم".
من جانبه، يرى الباحث أنس الشواخ أن الموقف الأمريكي تاريخيا كان مرتبطا بشكل مباشر بدور "قسد" كشريك محلي للتحالف الدولي في قتال تنظيم الدولة. ومع التراجع الكبير لقدرات التنظيم وتقلص خطره الميداني، بدأت هذه العلاقة بالتآكل تدريجيا، وصولا إلى توقيع اتفاق 10 مارس/آذار، الذي اعتبرت واشنطن من خلاله أنها أوفت بالتزاماتها تجاه "قسد"، عبر فتح مسار تفكيك آمن ودمج تدريجي ضمن الدولة السورية الجديدة، وبموافقة ودعم من حكومة دمشق.
وأشار إلى أن تعنّت "قسد" وفشلها في السير في هذا المسار السياسي، أنهى عمليا ما تبقى من التزامات أمريكية تجاهها. وأضاف أن انضمام الحكومة السورية، قبل نحو شهر، بشكل رسمي إلى قوات التحالف الدولي لمكافحة تنظيم الدولة، أسقط آخر مبررات الشراكة الأمريكية مع "قسد"، حتى في الملف الذي شكّل جوهر العلاقة بينهما.
وبحسب هذا التقدير، يرى مراقبون أن واشنطن لم تعد تنظر إلى "قسد" كشريك ضروري، بل كإشكالية أمنية وسياسية تسعى إلى معالجتها ضمن مقاربة جديدة، تقوم على دعم الدولة السورية في بسط سيادتها، والتعامل معها كقوة فقدت وظيفتها الأساسية وانتهت صلاحيتها، في ظل التحولات الجارية على الأرض.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة