آخر الأخبار

معاشات التقاعد في مواجهة التضخم.. حين يتقلص الدخل دون أن ينخفض

شارك

في الشهر الأول لتقاعده، يتفقد موظف سابق رصيده المصرفي، فيشعر بالفرح بعد وصول أول معاش شهري إلى حسابه. فالمبلغ يبدو كافيا للطعام والسكن والدواء وبعض النفقات الشخصية، مع هامش صغير للطوارئ.

لكنّ الوضع يختلف بعد سنوات، فالمعاش لا يزال يصل بانتظام، لكنّ المبلغ الذي كان يطمئنه لم يعد يشتري الاحتياجات نفسها. فاتورة البقالة ترتفع، والدواء أصبح أغلى، فيما تزداد أعباء السكن والطاقة، وتتقلص محتويات عربة التسوق.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 الادخار أم الاستثمار.. متى تستخدم كلا منهما لبناء مستقبل مالي أفضل؟
* list 2 of 2 من الرفاهية إلى الضرورة.. الدخل الثاني يتحول إلى شبكة أمان للأسر end of list

وتختصر هذه المفارقة أحد أصعب تحديات التقاعد، فالتضخم لا يسحب الأموال من الحسابات، وإنما يستنزف قدرتها على الشراء، خصوصا عندما تتوالى موجات الغلاء، وتصبح الأسعار المرتفعة نقطة انطلاق لزيادات جديدة.

وبينما يستطيع الموظف محاولة تعويض ذلك بطلب زيادة راتبه أو تغيير وظيفته، تكون خيارات المتقاعد أضيق، إذ يذهب معظم دخله إلى احتياجات يصعب تأجيلها أو الاستغناء عنها.

ومع امتداد سنوات العمر، يصبح الحفاظ على دخل التقاعد اختبارا طويلا للمتقاعدين والحكومات معا. كيف تواكب المعاشات الأسعار؟ وهل تستطيع المدخرات سد الفجوة؟ ومن يدفع تكلفة حماية مستوى المعيشة طوال سنوات قد تمتد لعقود؟

تقلص المعاش وصعوبة التعويض

لا تُقاس قيمة المعاش بالمبلغ الذي يصل إلى الحساب وحده، وإنما بما يغطيه من احتياجات. فقد يبقى الدخل ثابتا، بينما ترتفع تكلفة الحياة التي كان يكفي لتمويلها.

مصدر الصورة المعاش الثابت أقل قدرة على تغطية الاحتياجات كلما تراكم ارتفاع الأسعار عبر سنوات التقاعد (شترستوك)

ولتوضيح ذلك، إذا بلغ التضخم السنوي 3% طوال عقد، فإن معاشا شهريا قدره ألفا دولار يحتاج إلى الارتفاع إلى نحو 2688 دولارا بنهاية الفترة للحفاظ على قوته الشرائية. وهذه الزيادة تعوض الغلاء فقط، ولا تمنح المتقاعد مستوى معيشة أفضل.

وتظهر أهمية الزيادات المنتظمة في حالة المستفيدين من معاش الدولة البريطاني المقيمين في كندا أو نيوزيلندا، إذ لا يحصلون على زيادات سنوية، رغم وجود اتفاقيات للضمان الاجتماعي بين بريطانيا وهذين البلدين. وهكذا، قد يبقى المعاش مجمدا بينما تتحرك الأسعار من حوله.

إعلان

ولا تتوفر دائما فرصة لتعويض الفارق بالعودة إلى العمل، خصوصا مع تراجع القدرة الصحية. كما أن الأسرة التي تنفق معظم دخلها على السكن والطعام والعلاج لا تملك مساحة كبيرة لخفض المصروفات.

وتوضح الرعاية الصحية هذه المشكلة، فبعض المستفيدين من برنامج ميديكير الأمريكي يدفعون قسطا تأمينيا حتى إن لم يستخدموا خدماته، وقد يتحملون أيضا جزءا من تكلفة العلاج. لذلك، لا يعني وجود التأمين اختفاء الفواتير الطبية.

وقد يتوقع المتقاعد انفراجا عندما يسمع أن التضخم يتراجع، لكنّ تباطؤ الغلاء لا يعيد الأسعار تلقائيا إلى مستوياتها السابقة.

فسلة مشتريات تبلغ قيمتها 100 دولار تصبح تكلفتها 110 دولارات بعد تضخم سنوي بنسبة 10%. وإذا تباطأ التضخم في العام التالي إلى 2%، ترتفع التكلفة إلى 112.20 دولارا. فالزيادة أصبحت أبطأ، لكنّ الفاتورة أصبحت أكبر.

الزيادات السنوية والقوة الشرائية

تسعى أنظمة تقاعد عديدة إلى سد هذه الفجوة بزيادات دورية، لكنّ فاعليتها تتوقف على حجمها وتوقيتها ومدى اقترابها من ارتفاع النفقات الفعلية.

ففي الولايات المتحدة، ارتفعت مستحقات الضمان الاجتماعي بنسبة 8.7% في عام 2023 عقب موجة الغلاء، بينما بلغت الزيادة 2.8% في عام 2026. وتبدأ الزيادات مع دفعات يناير/كانون الثاني استنادا إلى ارتفاعات سابقة في الأسعار، ما يعني أن المستفيد قد يتحمل الفواتير الأعلى قبل وصول التعويض.

مصدر الصورة المتقاعد أقل قدرة من الموظف على تعويض تراجع دخله الحقيقي من خلال زيادة الراتب أو تغيير العمل (شترستوك)

كما أن الزيادة الموحدة لا تعكس بالضرورة تجربة كل متقاعد، فمن ترتفع تكلفة علاجه أو إيجاره بشدة قد يشعر بضغط أكبر ممن يملك مسكنه ويتمتع بصحة جيدة.

وفي كندا، ارتفعت المستحقات ضمن خطة المعاشات الكندية بنسبة 2% في عام 2026 لمواكبة تكاليف المعيشة، مع ضمان عدم خفضها إذا تراجعت الأسعار. لكنّ حماية القدرة على شراء الاحتياجات نفسها لا تعني المشاركة في تحسن مستوى المعيشة، فإذا نمت الأجور أسرع من الأسعار، فقد تتسع الفجوة بين العاملين والمتقاعدين.

أما معاش الدولة الجديد في بريطانيا، فيتبع قاعدة أوسع، إذ تعادل زيادته السنوية أعلى معدل بين نمو الأجور وتضخم أسعار المستهلكين ونسبة 2.5%. وتجمع هذه الآلية، المعروفة باسم الضمان الثلاثي، بين مواجهة الغلاء والاستفادة من نمو الأجور وضمان حد أدنى للزيادة.

وتكشف هذه النماذج اختلاف طرق حماية دخل المتقاعد، بين ربط المعاش بالأسعار، أو الجمع بين التضخم والأجور، أو إخضاع الزيادة بدرجة أكبر لقدرة الدولة على تمويلها.

وتظهر المعضلة الأخيرة بوضوح في الاقتصادات التي تواجه ضغوطا مالية. ففي الأرجنتين، استخدم الرئيس خافيير ميلي حق النقض في أغسطس/آب 2025 لرفض زيادة استثنائية للمعاشات بنسبة 7.2% أقرها البرلمان، مستندا إلى غياب التمويل والحفاظ على التوازن المالي. وهكذا اصطدمت محاولة تعويض المتقاعدين عن الغلاء بأولوية ضبط الإنفاق.

وتُظهر تجربة باكستان خلال أزمة 2023 بعدا آخر للمشكلة، إذ أدى ضعف العملة إلى زيادة تكلفة الواردات. وارتفع سعر الدولار من نحو 226 روبية في بداية ذلك العام إلى أكثر من 300 روبية بنهاية أغسطس/آب، قبل أن يبلغ نحو 307 روبيات في أوائل سبتمبر/أيلول.

إعلان

وتزامن ذلك مع وصول التضخم السنوي إلى 27.4% في أغسطس/آب 2023، ما زاد تكلفة السلع وانتقلت معه ضغوط سوق الصرف إلى فواتير الأسر، ومنها الأسر التي تعتمد على معاشات مقومة بالعملة المحلية. وفي مثل هذه الأوضاع، تصبح المحافظة على القوة الشرائية للمعاش أكثر صعوبة.

من يتحمل تكلفة زيادة المعاشات؟

هناك معضلة أخرى، فالزيادة التي تخفف الضغط عن المتقاعد ترفع في المقابل فاتورة الجهة التي تدفع معاشه. والحكومات وصناديق التقاعد تحتاج إلى تمويل إضافي يأتي من الضرائب أو الاشتراكات أو عوائد استثمار الأموال المتراكمة.

مصدر الصورة زيادة المعاشات عبء مالي متزايد على الحكومات وصناديق التقاعد كلما ارتفعت الأسعار وأعداد المستفيدين (أدوبي ستوك)

ولتقريب الصورة، إذا كان نظام تقاعد افتراضي ينفق 100 مليار دولار سنويا، فإن زيادة المعاشات بنسبة 3% تضيف 3 مليارات دولار إلى فاتورته. وتستمر هذه الزيادة في السنوات التالية وتُبنى عليها زيادات جديدة، فضلا عن تكلفة انضمام متقاعدين جدد.

وتكشف مراجعة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2025 اختلاف طرق التعامل مع هذه الضغوط، إذ أقرت كوريا الجنوبية رفع الاشتراكات الإلزامية، بينما عدلت سلوفينيا قواعد الزيادة السنوية للمعاشات بما يحد من نموها مستقبلا ضمن إصلاح أوسع.

وفي بريطانيا، ارتفع معاش الدولة الأساسي والجديد بنسبة 4.1% في أبريل/نيسان 2025، وأعلنت الحكومة تخصيص تمويل إضافي لمعاش الدولة بقيمة 7.84 مليارات جنيه إسترليني، نحو 10.33 مليارات دولار، خلال السنة المالية 2025–2026. وتكشف هذه الفاتورة كيف تتحول حماية دخل الملايين من الغلاء إلى التزام مالي كبير يتعين توفير موارده عاما بعد آخر.

ومن هنا، لا يتعلق القرار بنسبة الزيادة وحدها، بل بقدرة النظام على مواصلة دفعها. فقد ترتفع حصيلة الاشتراكات مع نمو الأجور والتوظيف، لكنّ تعثر هذه الإيرادات يجعل حماية المعاشات أكثر صعوبة.

هل تعوّض المدخرات المعاش؟

حين يعجز المعاش عن تغطية النفقات، يلجأ كثير من المتقاعدين إلى ما ادخروه خلال سنوات العمل. لكنّ الأموال التي احتفظوا بها لمواجهة احتياجات الغد تتعرض بدورها لارتفاع الأسعار، حتى إن كان الرصيد ينمو بفعل الفوائد.

ففي مثال افتراضي، ترتفع وديعة قدرها 100 ألف دولار إلى 102 ألف دولار بعد عام بفائدة 2%. لكنْ إذا زادت الأسعار بنسبة 4%، يحتاج صاحبها إلى 104 آلاف دولار ليحتفظ بالقدرة الشرائية نفسها. لقد زاد الرصيد، لكنه أصبح يشتري أقل.

ويتسارع استنزاف الاحتياطي عندما يضطر المتقاعد إلى السحب من أصل مدخراته، فهو يدفع أكثر لتغطية الفواتير ويترك مبلغا أقل يدر عليه فوائد، ما قد يقصر المدة التي تكفيه خلالها الأموال.

لذلك، تبرز أهمية تعدد مصادر دخل التقاعد بدل الاعتماد بالكامل على معاش ثابت أو وديعة واحدة. ومن الأدوات المتاحة سندات الخزانة الأمريكية المحمية من التضخم، التي ترتفع قيمة أصلها مع ارتفاع مؤشر الأسعار الذي تتبعه، فتزداد القيمة التي تُحسب عليها الفائدة.

لكنّ حمايتها ترتبط بالتضخم الأمريكي، ولا تضمن تعويض الغلاء أو تقلب العملة في بلد آخر. كما أن الاستثمار فيها عبر صندوق متداول يظل معرضا لتغير أسعار السندات في السوق.

مصدر الصورة المدخرات النقدية معرضة بدورها لخسارة القوة الشرائية عندما يكون التضخم أعلى من العائد الذي تحققه (شترستوك)

وتكشف البيانات تفاوت العوائد بين الأدوات. ففي عام 2025، حقق صندوق آي شيرز لسندات الخزانة المحمية من التضخم عائدا إجماليا بلغ 6.71%، بينما حقق صندوق آي شيرز المتتبع لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 للأسهم الأمريكية 17.85%. وفي المقابل، تراوحت متوسطات الفائدة الأمريكية على شهادات الإيداع لأجل عام بين 1.62% و1.82%.

لكنّ هذه الأدوات تختلف في مستوى المخاطر والسيولة والهدف الاستثماري، ولذلك لا تكفي مقارنة العائد في سنة واحدة للحكم على الأفضل بينها. ففي عام 2022، خسر صندوقا سندات التضخم والأسهم السابقان نحو 12.13% و18.13% على الترتيب، ما يوضح أن العائد الأعلى لا يأتي بالضرورة من دون مخاطر.

كلما طال العمر.. زادت الفاتورة

وتزداد صعوبة هذه الموازنة كلما طالت سنوات التقاعد، فالمعاش مطالب بمجاراة الأسعار مدة أطول، والمدخرات مطالبة بتغطية نفقات إضافية، بينما ترتفع نسبة كبار السن إلى السكان في سن العمل.

إعلان

وبحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يُتوقع أن يرتفع عدد الأشخاص بعمر 65 عاما فأكثر، مقابل كل 100 شخص بين 20 و64 عاما، من 33 في عام 2025 إلى 52 في عام 2050 في المتوسط عبر دول المنظمة. وتشير هذه التحولات إلى تزايد الحاجة لتمويل التقاعد مقارنة بحجم الفئات العمرية التي تضم معظم العاملين والمشتركين.

وهنا يمتد السؤال من مقدار الزيادة السنوية إلى قدرة الاقتصاد على تمويلها. هل يوفر نمو التوظيف والإنتاجية إيرادات أكبر، أم تتوزع الضغوط بين اشتراكات أعلى ومعاشات أقل سخاءً وأعباء إضافية على الموازنات؟

وإذا اضطر الأبناء إلى سد ما يعجز معاش والديهم عن تغطيته، فإن الفاتورة لا تختفي، بل تنتقل إلى أسرة أخرى، وقد تقلل ما يستطيع الجيل العامل ادخاره لتقاعده.

وبذلك، لا ينتهي أثر التضخم عند عربة مشتريات أصغر لمتقاعد اليوم، فقد يمتد إلى مدخرات أقل لمتقاعد الغد، لتصبح حماية المعاشات قضية تربط الأجيال بعضها ببعض، قبل أن تكون بندا في موازنة أو زيادة في كشف حساب.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار