آخر الأخبار

على ضفاف الليطاني.. عودة الحياة إلى المتنزهات وسط تعافٍ اقتصادي هش

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

جنوب لبنان على ضفاف نهر الليطاني، يعود صوت المياه ليختلط من جديد بضحك الأطفال بعد أشهر طويلة من الصمت. طاولات خشبية امتلأت بالعائلات، وشباب يقفزون إلى المياه هربًا من حرارة الصيف، في حين يستعيد الجنوب اللبناني أحد أكثر مقاصده الشعبية حضورا في ذاكرة أبنائه، بعد أن فرضت الحرب إغلاق المتنزهات وإفراغها من روادها.

هذه العودة لا تبدو مجرد افتتاح لمتنزهات سياحية، بل محاولة لاستعادة جزء من الحياة اليومية التي توقفت مع القصف والنزوح. فالعائلات التي حرمتها الحرب من الوصول إلى النهر، تعود اليوم بحذر، وهي تحمل رغبة في التنفس، يقابلها خوف لم يغادر تماما من احتمال تجدد المواجهات.

اقرأ أيضا

list of 3 items
* list 1 of 3 أنطون صحناوي.. مصرفي لبناني جمع بين المال والفنّ والنفوذ
* list 2 of 3 السياحة في لبنان.. إقلاع بلا ضمانات
* list 3 of 3 مدينة النبطية جنوبي لبنان.. رزق عالق بين البقاء والنزوح end of list

وسط المياه الباردة، تستعيد لين ضيا طفولتها، تقف على الضفة التي اعتادت ارتيادها منذ سنوات، وكأنها تعوض أشهرا طويلة من الغياب، تقول إن النهر كان جزءا من حياتها، وإنها أمضت طفولتها تسبح فيه مع شقيقاتها، قبل أن تجبرها الحرب على مغادرة بلدتها. وخلال فترة النزوح، كانت ترى الناس يقصدون البحر وتشعر بالحسرة لأنها لم تكن قادرة على العودة إلى المكان الذي ارتبط بذكرياتها.

وتضيف للجزيرة نت، أن هذه هي زيارتها الثالثة منذ انتهاء الحرب، مؤكدة أن فرحتها بالعودة لا توصف، وأن أمنيتها الوحيدة أن تبقى في بلدتها، وأن تستمر العائلات في ارتياد النهر بعيدا عن أصوات الحرب.

ولا تختلف حكاية أصحاب الاستراحات كثيرا عن حكاية الزوار. فبعد أشهر من الإقفال، عادوا إلى متنزهات تركتها الحرب مثقلة بالأضرار والأوساخ، لتبدأ رحلة جديدة من التنظيف وإصلاح ما يمكن إصلاحه، أملًا في إنقاذ موسم الصيف.

داخل إحدى الاستراحات، يشير أبو علي خضر إلى أن المكان الذي أعيد افتتاحه قبل نحو شهرين، ويقول إن الأيام الأولى كانت صعبة، إذ كان الإقبال خجولا، قبل أن تبدأ العائلات بالعودة تدريجيا مع تحسن الأوضاع الأمنية.

إعلان

ويضيف أن الاستراحة استعادت نشاطها يوميا بأسعار حافظت على طابعها الشعبي، إذ لا تتجاوز تكلفة الطاولة نحو 500 ألف ليرة لبنانية (نحو 5 دولارات)، ويُسمح للزوار بإحضار طعامهم، في خطوة تهدف إلى جذب العائلات وتشجيعها على العودة إلى المكان.

مصدر الصورة من ضفاف الحرب إلى نزهات العائلات في نهر الليطاني (الجزيرة)

ورغم ذلك، لا يخفي الرجل القلق الذي يرافق كل يوم عمل، فاحتمال اندلاع مواجهة جديدة لا يزال حاضرا، لكنه يؤكد أن أبناء المنطقة اعتادوا مواجهة الخوف، وأنهم يتمسكون بالحياة مهما كانت الظروف.

لكن الحركة التي بدأت تستعيد بعض زخمها لا تزال بعيدة عن مواسم ما قبل الحرب، ففي متنزه آخر على ضفاف الليطاني، يوضح أبو علي ضيا للجزيرة نت أن نسبة الإقبال لا تتجاوز حاليا نصف ما كانت عليه في أفضل الأحوال، وتنخفض أحيانا إلى نحو 30 أو 40% مقارنة بصيف ما قبل الحرب، ولا سيما في عطلات نهاية الأسبوع التي كانت تشهد اكتظاظا كبيرا.

ويشير إلى أن أسعار الخدمات بقيت ضمن حدود مقبولة، إذ تتراوح تكلفة الطاولة بين خمسة وسبعة دولارات، وتبلغ رسوم استخدام المسبح نحو خمسة دولارات للشخص الواحد، إلا أن الحركة تبقى مرتبطة بالوضع الأمني، إذ يكفي أي تصعيد لتتراجع أعداد الزوار بشكل ملحوظ.

هذا الحذر يرافق أيضا العائلات التي قررت العودة، ويقول حسن معتوق، الذي جاء مع أفراد أسرته لقضاء يوم على ضفاف النهر، إن الأجواء ليست كما كانت قبل الحرب، فالأخبار الأمنية والانفجارات التي يسمع عنها باستمرار تجعل كثيرين يترددون قبل اتخاذ قرار المجيء.

ويضيف للجزيرة نت، أن هذه الزيارة هي الثانية فقط هذا الصيف، بعدما كانت عائلته تقصد المتنزهات مرات عدة أسبوعيا في السنوات السابقة، مؤكدا أن الإقبال اليوم لا يتجاوز ربع ما كان عليه قبل الحرب.

مصدر الصورة السياحة الشعبية على الليطاني تستعيد أنفاسها لكن التعافي لا يزال هشا (الجزيرة)

تعافٍ هشّ

ورغم المشهد الذي يعكس عودة تدريجية للحياة، فإن الطريق أمام متنزهات الليطاني لا يزال محفوفا بالعقبات. فالحرب تركت آثارها على عدد من المرافق السياحية والبنى التحتية المحيطة بالنهر، ويواجه أصحاب الاستراحات تحديا إضافيا يتمثل في تراجع مستوى المياه هذا الصيف، مما أثر في بعض الأنشطة المرتبطة بالنهر وأضعف جزءًا من جاذبية المكان. كما تبقى الحركة السياحية في الجنوب مرتبطة بشكل وثيق بالاستقرار الأمني، وسط خشية من أن تعيد أي مواجهة جديدة المنطقة إلى أجواء الإغلاق والقلق.

ومع ذلك، يتمسك أبناء الجنوب بالليطاني باعتباره أكثر من وجهة للترفيه الصيفي؛ فالنهر يحمل في ذاكرتهم صورا عن الحياة اليومية واللقاءات العائلية، ويشكل مساحة يحاولون استعادتها بعد أشهر الحرب. لذلك تبدو عودة العائلات إلى ضفافه محاولة لاسترجاع نمط حياة فقدوه، وإن بقيت هذه العودة تسير بحذر وتحت وطأة المخاوف.

ولا تحمل إعادة فتح المتنزهات بعدا اجتماعيا فقط، بل تشكل أيضا رافعة اقتصادية محدودة في منطقة أنهكتها الحرب. فالاستراحات المنتشرة على ضفاف الليطاني توفر دخلا لأصحابها والعاملين فيها، وتحرك سلسلة من الأنشطة المرتبطة بالموسم، من شراء المواد الغذائية إلى النقل والخدمات والمطاعم، مما يجعل عودة الزوار مؤشرا على استئناف جزء من الدورة الاقتصادية المحلية.

مصدر الصورة التراجع الحالي في نهر الليطاني يتراوح بين 50% و70% مقارنة بمواسم ما قبل الحرب (الجزيرة)

لكن هذا الانتعاش الجزئي يأتي في ظل خسائر اقتصادية واسعة خلفتها الحرب، ووفق تقديرات البنك الدولي، بلغت التكلفة الاقتصادية الإجمالية للحرب في لبنان نحو 14 مليار دولار، شملت أضرارا وخسائر في قطاعات إنتاجية وبنى تحتية، وكانت محافظتا الجنوب والنبطية من بين المناطق الأكثر تضررا.

إعلان

ويرى اقتصاديون تحدثوا للجزيرة نت أن تعافي السياحة في المناطق المتضررة يحتاج إلى ما هو أبعد من عودة الزوار، إذ يتطلب إعادة تأهيل المرافق العامة، وتحسين الخدمات الأساسية، وتوفير بيئة أمنية مستقرة تسمح باستمرار النشاط. فالسياحة، التي شكلت في مراحل سابقة أحد روافد الاقتصاد اللبناني، لا تزال تواجه تداعيات الأزمة المالية والحرب، مما يجعل تعافيها بطيئا وهشا.

في الجنوب، تبدو عودة المتنزهات إلى استقبال العائلات خطوة أولى في مسار طويل لاستعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية حول الليطاني، غير أن أصحابها يدركون أن استمرار هذا التعافي يبقى معلقا على عامل أساسي يتمثل في استقرار أمني يسمح لهذه المساحات التي فتحت أبوابها من جديد بأن تحافظ على زوارها، لا أن تعود إلى الإغلاق مع كل تصعيد جديد.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار