آخر الأخبار

“معلق في المسافة بين اسمين”.. رحلة العودة إلى فلسطين بجواز سفر أجنبي

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

عرف تدوين الترحال، برًا وبحرًا، ازدهارًا خاصًا مع البحارة المغامرين، حيث ظهر ما يعرف بالكورديلو، وهو الدفتر المشدودة أوراقه بحبل رقيق، يسجل فيه البحار رحلاته يومًا بيوم.

ضمن هذا الإطار يمكننا أن ندرج يوميات الكاتب الفلسطيني الكندي عبد الله الخطيب “معلق: في المسافة بين اسمين”، إلا أن اليوميات التي يقترحها الخطيب تقيم علاقة مختلفة ومعقدة مع الرحلة والترحال؛ فهي رحلة عودة إلى وطن مسلوب، وأرض مستعمرة، أرض باتت محرمة عليه، يحاول التسلل إليها والتحايل على من نهبوها منه بجواز سفر أجنبي.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 ثلاث قوى عالمية متخيلة.. هل صارت خريطة جورج أورويل الروائية واقعا؟
* list 2 of 2 البوكر الدولي 2026.. الأدب العالمي يقرع جرس الإنذار end of list

يحاول الفلسطيني العودة متنكرًا بجنسية كندية، في مشهد سوريالي، وحزمة من الشتائم والسخط، يطلقها سرًا وعلنًا على من يعرقلون عودته ويضعون الحواجز أمامه في المعابر، في محاولة لتحمل هذه المفارقة العبثية:

يُمنَع الإنسان من دخول وطنه إلّا إذا كان يحمل جنسية أجنبية

أدب الموانع والمخاطر

يمثل الخطر، أو توقع الخطر، أحد أهم دوافع تسجيل اليوميات؛ لذلك يزدهر هذا الفن أثناء المخاطرة بالحياة في الحروب أو المغامرات الخطرة، حيث يحرص الكاتب على تسجيل يومياته يومًا بيوم، إيمانًا منه أنه يمر بتجربة استثنائية من ناحية، وأنه يخاطر بحياته في تلك التجربة من ناحية أخرى.

وقد جاءت هذه الرحلة إلى فلسطين في لحظة تاريخية حرجة، بعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول وطوفان الأقصى، وما انجر عنها من حرب على غزة أودت بآلاف الضحايا. وهو ما جعل جميع أصدقاء عبد الله الخطيب وعائلته ومعارفه في الأردن يحذرونه من خوض هذه المغامرة، ويثنونه عن السفر، خاصة أنه سبق أن منع من الدخول إلى الأراضي المحتلة مرتين: الأولى بسبب فيروس كورونا، والثانية دون سبب، رغم امتلاكه لجواز سفر كندي.

وبالفعل، بدأت المصاعب منذ أول حاجز، عندما تعمد الجنود الإسرائيليون إنهاكه عبر التحقيقات المتكررة، ومحاولة كسر نفسيته بالتفتيش وإعادة التفتيش لكل أغراضه وملابسه وجسده. فقد كانوا يعملون طيلة أربع ساعات على دفعه إلى التخلي والعودة، لكن كاتب اليوميات، وقد كان مستعدًا لهذا السيناريو، ظل يقاوم ذلك الانتهاك وذلك الإنهاك، تارة بالخطاب الساخر، وتارة بالانصياع للأوامر ومحاولة التظاهر بلبوس السائح البسيط أو المرح.

مصدر الصورة " الروائية باسمة التكروري تحاور الكاتب عبد الله الخطيب عن يومياته في فلسطين (الجزيرة)

لكن كل ذلك لم ينفع مع غطرسة جنود الاحتلال، الذين حاولوا حتى انتهاك ما هو حميمي، كإصرارهم على نزع غطاء اللوحة الهدية التي كان يحملها الكاتب لعمته؛ وقد كان فتح غلاف اللوحة بسكين حاد تأكيدا على تعنيف العائد عابر الحدود، وإلحاق الأذى النفسي به، في ظل عجزهم عن إيجاد سبب لممارسة العنف المادي الصريح. بل تعدى التفتيش إلى المطالبة بنزع البنطال.

إعلان

“طلب مني أحدهما أن أقف في وضعية التفتيش، فمددت ذراعي وباعدت قدمي قليلا، فقام بتفتيشي ذاتيا، أما الجندي الآخر فأخذ يدور بجهاز كان معه حول جسدي بعد أن انتهى الأول من التفتيش.
ـ “ارفع القميص ونزل البنطال”، قال الجندي.
ـ “ماشي”.
أخذ يدور بالجهاز حول جسدي شبه العاري، وتوقعت أن يطلب مني أن أنزل “البوكسر”، لكنه لم يفعل، بل قال لي:
ـ “البس ثيابك”.
لا أدري من أين جاءتني الجرأة، لكني قلت له بالإنجليزية ساخرا: “غريب أنك لم تطلب مني أن أنزل البوكسر من المرة الأولى”.

بين الشوق والحنين.. إنقاذ التجربة من النسيان

على هذا النحو من الصراع بين الفلسطيني العائد والمحتل الغاصب تتواصل اليوميات، وتتواصل الحواجز، بعد عبور “معبر وادي الأردن” -أو جسر الشيخ حسين- الذي اختاره الكاتب للعبور لأنه مرتبط بدخول السياح أو حاملي الجوازات الأجنبية.

إن تلك السخرية وتصنع المرح عند الكاتب في مواجهة جنود الحدود لا يخفيان توتره، غير أن ما سماه بالشوق والحنين، “وما يشبه العودة إلى جزء من الروح”، هو الذي جعله يصمد ويتابع الرحلة.

ولأن الكاتب يكتب يومياته من أجل النشر بدا الإصرار على التدوين شديدا. لذلك لم يفلت يوم من الرحلة من التسجيل بل كان التسجيل اليومي يبدو مرهقا حيث يستحضر الكاتب تفاصيل دقيقة جدا.

تسلل المذكرات

يكتب عبد الله الخطيب كتابه وفق رؤية فنية واضحة، ليجترح شكلا خاصا، عبر تصدير كل يومية بمقطع من أغنية فلسطينية أو عربية على صلة بموضوعها، فكأن المقطع الغنائي تمهيد لرحلة السرد الشائكة التي تلي ذلك. وهي مقاطع تشير في الغالب إلى الأمكنة التي يروم دخولها، فتشتغل العتبات النصية كقادح للذاكرة التي تشتعل شوقا وحنينا، وتحصن الذات الراهنة بقدرة إضافية على تحمل صعوبات المرور. وهي أيضا مقاطع يعيد بها الكاتب ترميم الذاكرة الفلسطينية عبر الثقافي، أي عبر الأغنية الشعبية التي تقف، بطابعها الشفوي، حلقة وصل بين الثقافي النخبوي والعام. كما استند في بناء هذه العتبات إلى مقاطع شعرية لمحمود درويش وتوفيق زياد.

أما الخاصية الثانية للكتاب فتتمثل في حركة التناوب والتضمين بين نوعين متجاورين: اليوميات والمذكرات. ولم يكن لهذا التجاور أن يخرج الكتاب من جنسه، وهو اليوميات، التي أثبتها الكاتب في كعب الكتاب مؤكدا انتماء مؤلفه إلى هذا الفن وهذا الجنس الأدبي. يوميات الخطيب تضطلع بعدة وظائف، منها تعميق اللحظة الراهنة التي تسجلها اليوميات؛ فهذه الأخيرة ترصد حركة الشخصية في ترحالها المستحيل، بينما تنهض المذكرات بوظيفة التأمل والتفكر في المكان والشخصيات والمواقف التي تستدعيها هذه الحركة.

اليوميات النهرية وذاكرة "حوش الخطيب"

تبدو اليومية عند الخطيب طويلة، لأنها مرتبطة برحلة معقدة وبرنامج مكثف وضعه لرحلته القصيرة؛ إذ يبدأ اليوم عند السادسة صباحا وينتهي عند منتصف الليل. ومع ذلك، استطاع أن يجعل هذه اليوميات سهلة التلقي عبر تقسيمها إلى مقاطع معنونة مرتبطة بتيماتها، وهو ما أكسبها بعدا قصصيا ومرونة في التلقي.

مصدر الصورة الكاتب عبد الله الخطيب وكتابه معلق في المسافة بين اسمين (الجزيرة)

كما أن لمقاطع المذكرات المتسللة داخل اليوميات بعدا سير ذاتيا، حيث تدفعه اللحظة الراهنة إلى استدعاء مشاهد من طفولته، كما حدث في بيت لحم حين استعاد الخطيب الطفل ذا الثماني سنوات ليروي حكاية اعتراض جندي إسرائيلي طريقه:

إعلان

"مبنى مركز بيت لحم للسلام كان مقرا ومركزا أمنيا إسرائيليا، تم تحويله بعد قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية إلى مركز ثقافي سياحي. ما زلت أذكر موقفا حصل معي وأنا طفل في الثامنة من العمر، كنت أمشي بالقرب من المخفر أو المركز الأمني، فجاء شرطي أو جندي إسرائيلي باتجاهي وقال: "أنت يا ولد، قف هون". خفت خوفا شديدا وهربت جريا باتجاه حوش الخطيب وبيت جدي، وهناك هدؤوا من روعي وسقوني ماء من “طاسة الخضة”، فقد كنت خائفا وأرتجف. وطاسة الخضة هي وعاء أو كوب معدني يستعمل لتهدئة الخوف المفاجئ بعد الفزع أو الصدمة، وهي من التراث الشعبي ولا تمت إلى العلم أو الطب بصلة."

ثم ينتقل الكاتب، عبر استدعاء “حوش الخطيب”، إلى تذكر الأب ونشأته، فتتدفق الذكريات مستندة إلى فعل واحد: “أذكر”. ومن خلاله تنثال الوجوه والأمكنة وحتى الحيوانات الأليفة والأشجار القديمة، فيعاد تأثيث البيت بالجدة والجد والأب والعمات والأعمام، وأشجار اللوز والحمار.

وبين طيات تلك العفوية التي كتبت بها اليوميات، يطل الصحافي الخطيب، الذي يسجل هموم الناس وحكاياتهم مع قوات الاحتلال، لينقل معاناتهم اليومية. فذلك الحنين الذي يعيشه الكاتب لا يجعله يغفل عن آلام الناس وأسئلتهم الراهنة.

لقد دخل الخطيب الأراضي المحتلة بصفته سائحا بجواز كندي، لكن يومياته كانت ضد السياحة؛ فهي عين حميمة وعين كليمة تحمل أوجاع شعب كامل من الشتات الفلسطيني في المنافي والمخيمات خارج فلسطين.

اللوحة والأدب والأدباء

دخل الخطيب الأراضي المحتلة ومعه هدية لصديقته مدعيا أنها لعمته، هي لوحة لا يعلم كيف رسمت ولا بأي مواد، كما ذكر للجندي الإسرائيلي على الحدود. كانت اللوحة بعنوان "حين تعشق المدن". لم تعد اللوحة مجرد شيء في اليوميات بل صارت كائنا حيا يعاني ما يعانيه العائد على المعابر والحدود، ولذلك لم يكن التخلص منها بتسليمها لصاحبتها بالأمر السهل، فقد اكتسبت اللوحة عبر رحلتها مع الخطيب شيئا من متنها، وكأن تلك المصاعب والمآزق التي مرت بها في الرحلة بعثت الروح في رسم الفتاة في اللوحة بينما تلبس الرجل الذي معها في شخصية العائد/ الكاتب.

تزدحم اليوميات بالحديث عن الأدب والأدباء، فالكاتب كان على موعد دائم في رحلته مع كتاب ومثقفين وفضاءات ثقافية. فقد جاء إلى الداخل أيضا مهربا كتبا من فلسطينيين إلى فلسطينيين، وهو ما جعل مروره عبر المعابر الإسرائيلية أكثر تعقيدا.

وقد التقى الخطيب بالكتاب خليل نصيف، وزياد خداش، وعادل الأسطة، وإياد شماسنة، وأسامة العيسة، وزار بيوتا ثقافية مثل بيت الشاعرة فدوى طوقان، ونصب محمود درويش، وشارك في مؤتمر الاستشراق في الرواية الفلسطينية. ومن خلال هذه اللقاءات يمد الجسور بين الداخل الفلسطيني والفلسطيني في المنافي، ليصغي إلى الصوت القريب وينقل الصوت البعيد، وكأنه بذلك يرمم مشهدا ثقافيا متصدعا بسبب التهجير والنفي، ويعيده إلى انسجامه، كما أعاد عبر اليوميات والتذكر ذاكرة المكان وأهله.

القلب بقي في فلسطين

تنتهي الرحلة، التي شملت بيسان والقدس وبيت لحم ورام الله ونابلس وعكا وحيفا والجليل وطبريا، بالعودة إلى عمان، لتتدفق المشاعر في اليومية الأخيرة، مستحضرة اليومية الأولى. ففي البداية كان الكاتب مقبلا على جزء ضائع من روحه، يعلم أنه سيظل ضائعا، لكن الإمساك به ولو لوقت قصير كان كافيا ليخوض الرحلة بكل مخاطرها.

أما في النهاية، فتذكره اليومية الأخيرة بأن زمن الحلم المؤقت قد انتهى، وأن عليه أن يعيد ذلك الجزء من روحه إلى المحتل ويغادر كسائح، وأن الجواز الكندي لن يسمح له بأكثر من ذلك، ليعود المنفي إلى منفاه البارد البعيد في أمريكا الشمالية، محملا بكتب وزعتر، لتنتهي اليوميات بعبارة: "شعرت أنني تركت شيئا مني لم يصل معي بعد، قلبي بقي هناك في فلسطين".

إعلان

ليبقى الفلسطيني في منفاه معلقا يرفض أن يدوس على أراضي المنفى بقوة، فأمله بالعودة قائم، بينما فلسطيني الداخل معلق بين استحالة الاندماج والأمل المستحيل في استعادة المفقود. ولا يفوتنا أن نثبت استفاقة الكاتب الفلسطيني في الاهتمام بفن اليوميات، باعتباره أحد الأسلحة الناعمة التي استند إليها اليهود لخلق أسطورتهم في الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وابتزاز الغرب عبر ما يسمى بيوميات الهولوكوست، ويعتبر عملا مهما حيث أصبحنا نستقبل كل عام عددا مهما من اليوميات التي يسجلها الفلسطينيون في الداخل وفي المنافي محاولة منهم للتأريخ لقضيتهم في ظل انحسار مؤسسة المؤرخ والمفكر.

وكأننا بالخطيب بأسلوبه الساخر وهو يخترق الحواجز الإسرائيلية، في ظل تراجع الحديث عن "حق العودة" يسخر من وأد هذا الحق، فللفلسطيني طرق بديلة دائما لكي يعود إلى فلسطين ولو بجواز سفر أجنبي، فالهوية هي ما نشعر به في دواخلنا وليس جنسية جوازنا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار